العنوان الطفولة المعذبة في ديار المسلمين
الكاتب عبد القادر بن محمد المعماري
تاريخ النشر الثلاثاء 19-يناير-1988
مشاهدات 74
نشر في العدد 852
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 19-يناير-1988
موضة جديدة تلك
التي تفتق عنها ذهن بعض المستفيدين من سباق الجمال في بعض البلاد العربية، وهي
أنهم يستقدمون أطفالًا من باكستان والسودان لاستخدامهم في تدريب الجمال على
السباق، فيُربط الطفل على ظهر الجمل، ويُضرب الجمل ليركض بأقصى سرعته، فيصرخ الطفل
ويبكي على ظهر الجمل من الخوف، وكلما زاد صراخ الطفل زادت سرعة الجمل في الركض
والمشي، وهذا هو المقصود من إركاب الطفل على ظهر الجمل، أي المقصود صراخ الطفل
وبكاؤه حتى يتدرب الجمل على المشي السريع، ولا يهم بعد ذلك أن تُدق عنق الطفل في
الأرض أو يمرض أو يصاب بالجنون أو يموت. ولا أدري من هذا العبقري الذي أراد أن
يثبت أن العرب اخترعوا محركًا للجمل أقوى من محرك الطائرة.
لقد نشطت عصابات
من ضعفاء النفوس الذين لا يهمهم إلا الكسب المادي لتهريب هؤلاء الأطفال، مستغلين
فقرهم وضعفهم. وقد أُلقي القبض على بعض أفراد هذه العصابات في كل من باكستان
والسودان.
ولعل آخر خبر عن
هذه الموضة هو سقوط طفل باكستاني في دبي من على ظهر الجمل أثناء التدريب وفارق
الحياة في الحال، بعد أن جاءت الجمال الأخرى التي تشترك في التدريب وداسته
بأخفافها. إن روح هذا الطفل البريء سوف تصعد إلى باريها، شاكية ظلم هؤلاء الذين
أعمتهم المادة عن التفكير الإنساني السليم.
ومع الأسف أن
يحدث ذلك في الوقت الذي تُعقد فيه المؤتمرات، وتُقدم الدراسات عن رعاية الطفولة،
وما يجب للأطفال من حقوق وواجبات في المجتمع. إن أبسط حقوق الأطفال على المجتمع هو
المحافظة على صحتهم ورعايتهم، وعدم تكليفهم فوق طاقتهم. أي دين، أو أي مذهب، أو أي
قانون يسمح بتعذيب الأطفال، وتعريض حياتهم للخطر بهذه الطريقة؟
إن القوانين
الدولية تحرم تشغيل الأطفال حتى لا يُحرموا من التعليم، فما بالك بمن يتاجر فيهم
ويستغلهم كرعاة ومدربين للإبل في هذا العصر الذي ينبغي أن يُعدّوا فيه إعدادًا
علميًا وأخلاقيًا حتى يخدموا أوطانهم، وبعضهم يصاب بالجرب بعدوى الإبل ولا أحد
يسأل عنه.
هناك في شرق
آسيا وأفريقيا عصابات تبيع الأطفال للأوروبيين والأمريكيين الذين حُرموا من النسل،
وعلى الرغم مما في ذلك من عدم الإنسانية والمخالفة الصريحة للقوانين السماوية
والأرضية، إلا أنه أخف وأكرم وأرحم من استخدامهم في تدريب الجمال ورعيها على النحو
الذي يجري، إنهم في تلك الحالة يلاقون معاملة طيبة، وحياة مريحة.
نحن المسلمين
الذين جاء ديننا بأعظم قانون ونظام لرعاية الطفولة، كيف يكون مثل هذا في ديارنا؟
وقد كانت الجاهلية تبيح قتل الصغيرات، وكانوا يستبيحون أكل مال اليتيم، فجاء
الإسلام ورفع كل ظلم عن الصغير، ووضع للطفولة قواعد، ورعاها حق رعايتها، وندد
القرآن بما يفعله بعض العرب في جاهليتهم من قتل الصغيرات: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ
سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ} (سورة التكوير: 8-9).
وبلغ من شفقة
نبي الإسلام -عليه الصلاة والسلام- وعطفه على الأطفال أنه كان يتجوّز في الصلاة
إذا سمع بكاء الطفل، وقال: "إني لأدخل الصلاة وأنا أريد أن أطيلها فأسمع بكاء
الطفل فأتجوّز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه عليه". وقَبَّل النبي -صلى
الله عليه وسلم- الحسن، وكان عنده الأقرع بن حابس فقال الأقرع: إن عندي عشرة من
الأولاد ما قَبَّلتُ واحدًا منهم، فرد عليه الرسول قائلًا: "أو أملك لك وقد
نزع الله الرحمة من قلبك، من لا يرحم لا يُرحم".
وإذا كان القرآن
قد حذر من أكل مال اليتيم، ودعا إلى المحافظة عليه، فما بالك باليتيم نفسه حياته
وعقله وعرضه؟ قال -تعالى-: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ
ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا
قَوْلًا سَدِيدًا * إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا
إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} (سورة
النساء: 9-10). إن النار بلا شك سيشتد لهيبها وسعيرها على أولئك الذين يؤذون
الأطفال، ويدفعونهم إلى الهلكة. قال -عليه الصلاة والسلام-: "ليس منا من لم
يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا".
ومن المؤلم ما
تناقلته الأنباء في الأيام الماضية من قتل سبعة عشر وجرح مئتي طفل في قرية مصرية،
عندما اجتاحتهم شاحنة وهم أمام مدرستهم، أليس ذلك من الإهمال والاستهتار بحياة
هؤلاء الأبرياء؟ والأنكى من كل ذلك أن يُصوّب المتحاربون صواريخهم وقنابلهم على
المدارس التي تغص بالأطفال؛ فيقتلونهم في ساحاتها وفصولها، فأين الرحمة؟ وأين
العقل؟ وأين المنطق في ذلك؟ لقد ذكرنا ذلك بما فعلته إسرائيل عندما شنت غاراتها
على مدرسة بحر البقر في مصر بعد حرب سنة 1967، وما تشاهده اليوم في لبنان من خطف
الأطفال من أجل الفدية.
إن من قواعد
القتال في الإسلام ألا يُقتل طفل ولا امرأة ولا عابد عزل نفسه في كنيسة أو دير،
ولا أقول في مسجد لأن الحرب بين المسلمين غير مشروعة إطلاقًا، فلا يعقل أن يتهدم
المسجد فوق المصلين بفعل بعضهم، وإذا قامت الحرب بين طائفتين منهم فيجب الصلح
بينهما: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا
بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي
تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا
بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}
(سورة الحجرات: 9)، وحتى الشجرة لا تُقطع عند الحرب.
إننا نُجرم في
حق أنفسنا وأطفالنا إذا لم تُتخذ الإجراءات الكفيلة لحمايتهم من القساة، وأهل
الجشع، الذين تجردوا عن أبسط مبادئ الدين والإنسانية، فهؤلاء لو كانوا ماء لكان
أجاجًا مشرقًا، ولو كانوا ريحًا لكان سمومًا محرقة، ولو كانوا هواءً لكان رمدًا
مطبقًا. وأصبح من الواجب تكوين جمعيات لرعاية الطفولة وحمايتها، والرفق بالأطفال،
ومنع تعذيبهم واستغلالهم، وتعريضهم للخطر. نرجو ذلك، والله لا يضيع أجر من أحسن
عملًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل