; واحة الإيمان .. هذه دنياكم التي تحرصون | مجلة المجتمع

العنوان واحة الإيمان .. هذه دنياكم التي تحرصون

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 01-يوليو-1986

مشاهدات 74

نشر في العدد 773

نشر في الصفحة 43

الثلاثاء 01-يوليو-1986

ذكر «الإمام أحمد» في كتاب «الزهد» أن أمير المؤمنين «عمر» مر على مزبلة فاحتبس عندها، فكأنه شق على أصحابه وتأذوا بها، فقال لهم: «هذه دنياكم التي تحرصون عليها» (1)، هكذا كان الفاروق يربي أتباعه، ويذكرهم بحقيقة الدنيا التي يتهافت الناس عليها، فما هي في نظرة إلا مزبلة مملوءة بكل الألوان المختلفة، ولا يوجد فيها شيء يصلح للاستعمال، فكل ما فيها منتن وفاسد، من خرق بالية، ودواب وأطعمة متعفنة، ومعادن وأخشاب مكسورة ومطعجة، ومخلفات للإنسان وللدواب، فما ينفع الحرص على دنيا هذا مثالها، مصداقًا لما ذكره الله – تعالى - في كتابه: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ (الكهف: 7-8) (2).

  • النائمون السجود:

ويأتي بعد أمير المؤمنين «عمر» أحد كبار التابعين، الذين عاصروا عمر وتأثروا بطريقته التربوية لأتباعه، فينتقل إلى مصر؛ لينقل التربية العمرية هناك؛ حتى يقول فيه أحد أتباعه وهو «إبراهيم بن محمد بن المنتشر»: «كان مسروق يركب كل جمعة بغلة له، ويحملني خلفه، ثم يأتي كناسة بالجيزة قديمة، فيجعل عليها بغلته، ثم يقول: الدنيا تحتنا» (3). إن تصوره لحقيقة الدنيا بهذه الصورة هو الذي جعله يخشى أن يضيع شيئًا من وقته في ذكر الله، فهذه امرأته تقول: «كان مسروق يصلي حتى تورم قدماه، فربما جلست أبكي مما أراه يصنع بنفسه» (4).

ونرى صاحبه مفسر الآيات «سعيد بن جبير» يتذكر لقاء جمعة معه فيقول: «قال لي مسروق: ما بقي شيء يرغب فيه إلا أن نعفر وجوهنا في التراب، وما أسى على شيء إلا السجود لله – تعالى -» (5).

فبماذا يرغب في هذه الدنيا، وهو يعتبرها زبالة تحت أقدام بغلته، ويصوم في يوم صائف شديد الحر فيغشى غليه، وتأتي له ابنته عائشة، وتقول له: «يا أبتاه افطر واشرب، قال: ما أردت بي يا بنية؟، قالت: الرفق. قال: يا بنية إنما طلبت الرفق لنفسي في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة» (6). فلا يعرف الحر والجوع والألم من تذكر حر ذلك اليوم، وجوعه وآلامه، وعرف حقيقة هذه الدنيا فاحتقرها، ولم يصبح أسيرًا لها، وأي تعب أكثر من تعب أيام الحج الذي يعتبره الرسول – صلى الله عليه وسلم - جهادًا لا شوكة فيه، نرى مسروقًا لا يترك ليلة فيه دون قيام؛ حتى يقول عنه أبو إسحاق: «حج مسروق فلم ينم إلا ساجدًا على وجهه حتى رجع» (7).

  • لا راحة إلا تحت شجرة طوبى: 

فمن أراد الآخرة وسعى لها سعيها، فلا بد أن يتعب؛ لأن الدنيا ما خلقت للراحة، وما هي دار قرار، بل لا بد للدعاة أن يفقهوا بأنها دار اختبار، وجسر للآخرة، لهذا صاح ابن القيم فيمن يريد الراحة في الدنيا، ويتخذ التسويف منهجًا حتى ينقضي عمره، وهو لم يقدم شيئًا «ليس للعابد مستراح إلا تحت شجرة طوبى، ولا للمحب قرار إلا يوم المزيد، اشتغل به في الحياة يكفك ما بعد الموت» (8)، فهو تحذير لكل داعية يظن بأن الوقت بيديه يتصرف به كيفما يشاء، بل هو كالسيف إن لم تقطعه قطعك، وما يتحسر أهل الجنة على شيء في الآخرة، وقديما قيل لعابد: «كم تتعب نفسك؟ فقال: راحتها أريد» (9).

(1) الزهد، لـ«أحمد»، ص: 118.

(2) الكهف/6/.

(3) الزهد لـ«أحمد»، ص: 350.

(4) سير أعلام النبلاء، 4/65.

(5) سير أعلام النبلاء، 4/66.

(6) سير أعلام النبلاء، 4/68.

(7) سير أعلام النبلاء، 4/65.

(8) الفوائد، ص: 90، النفائس.

(9) الفوائد، ص: 56، النفائس.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 236

162

الثلاثاء 11-فبراير-1975

حصار الأمل

نشر في العدد 239

119

الثلاثاء 04-مارس-1975

«قصَّة صحَابي»