العنوان ترشيد البنوك والإنفاق
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 15-أبريل-1986
مشاهدات 71
نشر في العدد 763
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 15-أبريل-1986
لا ننكر أن من
خدماتِ البنوك ما هو مقبول شرعًا ولا يُستغنى عنه، ولكن المعروف والواقع أن عموم
البنوك والمصارف القائمة حاليًا تقوم بعمليات الإقراض الربوي حتى لو سُمِّيَت
الفائدة التي تتقاضاها من الإقراض باسم مصاريف إدارية.
ومهما تَكُنِ
النسبة المئوية التي تأخذها البنوك من المقترضين، فإن القاعدة الأساسية الشرعية
تنص على أن «كل قرض جر نفعًا فهو ربا»، مما نهى الله تعالى عنه بقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا
اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ
تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ
فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: ٢٧٨-
٢٧٩).
وقال الحق
سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا
يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ
قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ
وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ
مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ
النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (البقرة:٢٧٥).
وفي الحديث
النبوي الشريف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعن الله الربا وآكله وموكله
وكاتبه». فاللعنة -والعياذ بالله- تنصب أيضًا حتى على أصحاب الودائع الذين لا
يأخذون أية فائدة من ودائعهم في البنك الربوي، وحتى الكاتب الذي يتقاضى راتبًا
لقاء عمله الكتابي، لأنهم مشتركون في معاملات البنك الربوية. هذا ما رجحه كثير من
العلماء، وإن كان هناك من يسوغه أو يَرِيبهِ، فإن المفروض أن نمتثل للسنة النبوية:
«دع ما يريبك إلى ما لا يريبك».
ومتى استبانت
حقيقة البنوك القائمة وأنها تستغل الأموال المجمعة لديها لصالحها ولصالح المساهمين
فقط عن طريق غير مشروع دون النظر إلى ما يترتب عليه من نتائج سيئة على الاقتصاد
الوطني خاصة والمجتمع عامة، وما يسببه هذا الإقراض الربوي من العقاب والعذاب، فإني
أرجو مخلصًا من أولي الأمر في كل بلد إسلامي إلزام كافة البنوك والمصارف في بلده
بمنع الإقراض الربوي، حيث إن الحكام مسؤولون ومؤاخذون عما تعانيه مجتمعاتهم من
اختلال في الموازين الاقتصادية والاجتماعية، وهم يستطيعون الإصلاح بقوة السلطان
كما هي القاعدة الإسلامية المعروفة: «إن الله لَيَزَعُ بالسلطان ما لا يَزَعُ
بالقرآن».
وقد أصدر مجلس
هيئة كبار العلماء في دورته الاستثنائية المنعقدة في الرياض من شهر صفر حتى غرة
ربيع الأول عام ١٤٠١هـ «فتوى تضمنت أن المجلس يوصي المسلمين عامة وأهل الحل والعقد
منهم خاصة بأن يعملوا ما في وسعهم لحماية مجتمعاتهم من الربا والتعرض لمحاربة الله
ورسوله، وأن يبادروا إلى إقامة البنوك والمصارف الإسلامية وتنشيطها حتى يتمكن
الناس بواسطتها من إيداع أموالهم واستثمارها بالطرق التي أباحها الله تعالى».
ولا أعني بهذا
الإلزام أن يمس من بيده السلطة الحقوق المشروعة للبنوك والمساهمين وأصحاب الودائع،
أو أن تحدث البلبلة في البلاد، إن ما أريده إصلاح الأوضاع والأمور بترك ما بقي من
الربا وبتوجيه البنوك والمصارف القائمة إلى عمل البديل، وإلى ما تحققه الشريعة
الإسلامية من الصلاح والخير للإنسان، لأن الله هو الحكيم الخبير، وأن الملكية لله
وحده قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ ۚ
وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (المائدة:١٢٠). وأن الإنسان مستخلف في الأرض
كما أرشدنا الله تعالى: ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ
فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ (الحديد: ٧).
فلا حرية
للإنسان فيما حرمه الله ورسوله، ولا حق للإنسان في أخذ المال بالباطل، والذي أقصده
من البديل هو أن موجودات البنك الواحد من البنوك القائمة من الودائع تبلغ مئات
الملايين بل قد تبلغ المليارات من العملات المحلية والأجنبية، وإن كانت تلك
الودائع في كثير من البنوك محفوظة لدى البنك تحت طلب أصحابها بدون أية فائدة، ولكن
نسبة السيولة تحت الطلب أقل بكثير من الأموال التي تبقى ودائع لدى البنك. فبدلًا
من استغلال الأموال الباقية لدى البنك استغلالًا غير مشروع، أرى أنه من الواجب على
البنوك القائمة، تجنبًا للوقوع في الإقراض الربوي والوقوف في صف الذين أُذِنُوا
بحرب من الله ورسوله، أن يستثمر كل بنك تلك الأموال الباقية بعد الاحتفاظ بنسبة
محدودة تحت الطلب في مشاريع تنموية وضرورية يتطلبها المجتمع ويدعو إليها الاقتصاد
الوطني، وفي مضاربة شرعية ومرابحة مع آخرين، بدون تحديد ربح ثابت يستفيد منه بجانب
البنك ومساهميه أصحابُ الودائع بنسبة الأموال المودعة المتبقية لدى البنك. وفي
الوقت نفسه، يحدد البنك نسبة قليلة من الأموال المتوفرة للقرض الحسن لحاجة
الاستهلاك بضمان أو رهن مشروع يستفيد منه المجتمع والأفراد، مما يؤدي إلى التكافل
الاجتماعي وإلى الحصول على ما ينتجه المقترضون من توافر المواد الاستهلاكية،
وبالتالي تنخفض الأسعار لمصلحة المستهلكين.
وبهذه العملية،
نخطو خطوة مباركة -بعون الله وتوفيقه- إلى ما تدعو إليه البنوك الإسلامية والشركات
الإسلامية للاستثمار التي تلتزم بأحكام الشريعة الإسلامية وتتجنب العمليات
والخدمات التي تؤدي إلى ما هو محرم أو مكروه أو مشبوه، وتستهدف في الدرجة الأولى
نفع المجتمع الإسلامي بإقامة مشاريع تنموية حقيقية حتى لو لم تحقق سوى ربح مادي
قليل، بجانب ما ينبغي للبنوك الإسلامية والشركات الإسلامية من تخصيص جزء من
أموالها للقرض الحسن، لئلا يضطر المحتاجون إلى الالتجاء إلى البنوك الربوية، وبذلك
يشارك المساهمون في مد يد العون للمحتاج مع ضمان رأس ماله، لأن المال الذي أنعم
الله به على عباده إنما هو مال الله سبحانه وتعالى، ولا يأخذه الإنسان إلى قبره،
وهذا المال أمانة في عُنُقِ من بيده المال، وأمرنا الله تعالى بأن نؤدي أمانته قال
تعالى: ﴿إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ
لَكُمْ ۚ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ (التغابن: ١٧).
بالإضافة إلى ما
يجب أن يقوم به المسلمون من أداء الزكاة المفروضة عليهم. هذا ما تمكنت من الإدلاء
به في مجال ترشيد البنوك والمصارف عملًا بإرشاد رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من
لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم». فخير للأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها أن
تنطلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فما كان الذل الذي أصاب المسلمين إلا
بسبب عدم تطبيق الشريعة الإسلامية، كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله
عنه: «إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العزة بغير ما أعزنا الله
به أذلنا الله».
أما ما أدعو
إليه مخلصًا لترشيد الإنفاق، فهو حول ما نسمعه ونقرؤه في وسائل الإعلام، أن هناك
كثيرًا من أثرياء المسلمين من يبعثون بمئات الملايين من الدولارات الأمريكية إلى
البنوك الأجنبية، وإن كان بعضهم لا يأخذون من هذه الأموال أية فائدة تجنبًا للوقوع
في الربا، إلا أنهم بهذه الأموال يشاركون فيما تتعامل به تلك البنوك من الربا، وقد
تنصب عليهم لعنة الله سبحانه وتعالى، ثم من يضمن لنا أن تلك البنوك لا تستثمر تلك
الأموال المجمدة لديها في محاربة الإسلام والمسلمين؟ فما أجدرنا والحالة هذه أن
ندعو أصحاب تلك الأموال مخلصين إلى أن يحولوا تلك الأموال إلى بنوك إسلامية أو
شركات مساهمة أو مؤسسات إسلامية تلتزم أنشطتها وخدماتها بحدود شريعة الله تعالى
لابتغاء مرضاته.
مصطفى باتوبارا
- السفارة الإندونيسية - جدة
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل