; إصلاح القضاء (2 من 2) | مجلة المجتمع

العنوان إصلاح القضاء (2 من 2)

الكاتب د. مسفر بن علي القحطاني

تاريخ النشر السبت 24-أكتوبر-2009

مشاهدات 56

نشر في العدد 1874

نشر في الصفحة 66

السبت 24-أكتوبر-2009

إذا كان القضاء يجب أن يحافظ على مقاصد المجتمع العليا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن له تطوير وسائله الإجرائية في تحقيق هذا المقصد، بما يتناسب مع تغيرات المجتمع وحاجات أبنائه في ظل الظروف الراهنة، ومن ذلك:

تطوير وسائل العقوبات البديلة عن السجن والجلد في قضايا التعزيرات المتعلقة بالجنح السلوكية، مثل أن المساهمة في خدمة مرافق المجتمع والمساعدة في الجمعيات الخيرية، والعمل الساعات محددة في تنظيم وتوزيع الإغاثات أو خدمة المواطنين في مجتمعه.

توجیه راشد

التوعية الدائمة بالواجبات الدينية والدنيوية، والتحذير من المنكرات المتنوعة؛ لأن منزلة القضاة وهيبتهم الاجتماعية تخول لهم مقام التوجيه الراشد للمجتمع، وذلك لتوافر العلم الشرعي والمعرفة بالواقع الصحيح، وإدراكهم لحاجات المجتمع من التوجيه في قضية أو التغاضي عنها لمصلحة مرجوة في المستقبل. 

إن القضاة هم أهم المستشارين لأصحاب الولايات العامة ورأيهم معمول به في القضايا الإصلاحية العامة، وهذا الدور يجعل من القضاة وقفًا على هموم المجتمع، ولا ينبغي تأطيرهم في مصالح خاصة، أو أن يتدخلوا لنصرة فريق من المجتمع على آخر، أو يخضعوا لحسابات الأحزاب أو الطوائف داخل المجتمع، لهذا كان مقام القضاة رفيع القدر عالي الشأن، جعلهم الله موقعين عن حكمه، ومبلغين لشرعه في الأرض.

تطوير أدوات التقاضي

كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري قاضي الكوفة سلام عليك أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة فافهم إذا أدلى إليك، أنفذ إذا تبين لك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاد له، وسو بين الناس بوجهك وعد لك ومجلسك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف في عدلك البيئة على من ادعى واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حرامًا، أو حرم حلالًا، ولا يمنعك قضاء قضيته بالأمس، فراجعت فيه اليوم بعقلك وهديت فيه الرشد ك، أن ترجع إلى الحق فإن الحق قديم ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل.. الفهم الفهم، فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة، ثم اعرف الأشباه والأمثال فقس الأمور عند ذلك بنظائرها، واعمد إلى أقربها إلى الله عز وجل، وأشبهها بالحق واجعل لمن ادعى حقًا غائبًا، أو بينة أمدًا ينتهي إليه، فإن أحضر بيئته، أخذت له بحق، وإلا سجلت القضية عليه، فإنه أنفى للشك وأجلى للعمى.

المسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجلودًا في حد، أو مجربًا عليه شهادة زور، أو ظنينا في ولاء أو نسب، فإن الله عز وجل تولى منكم السرائر، ودرأ بالبينات والأيمان.

وإياك القلق والضجر، والتأذي بالخصوم، والتنكر عند الخصومات، فإن استقرار الحق في مواطن الحق، يعظم الله به الأجر، ويحسن عليه الذخر، فإنه من يصلح نيته فيما بينه وبين الله ولو على نفسه يكفه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين للناس بما يعلم الله منه غير ذلك يشنه الله، فما ظنك بثواب غير الله عز وجل في عاجل رزقه وخزائن رحمته والسلام عليك (سنن الدارقطني ٤٥٢٤)

دستور العدل القضائي

هذه الرسالة الجامعة التي كتبها عمر إلى قاضيه يوصيه بجوامع الأثر النبوي والصلاح الأخروي ويقدم له دستور العدل القضائي ويرسم له مقاصد القضاء الشرعي.

وهذه الرسالة تعتبر بحق من أعظم المواثيق الحقوقية التي يفتخر بها المسلمون على كل الأمم لما حوته من تقدم وريادة وتميز ونضج في الفهم والعمل القضائي، هذه المآثر الحضارية هي بحق دليل عظمة الإسلام وتنظيماته العادلة وصلاحيته الممتدة عبر الأزمنة والأمكنة.

ولعل هذا الإلهام العمري دفع الإمام ابن القيم لشرحها في أربع مجلدات باسم أعلام الموقعين عن رب العالمين، وأعتقد أن بهذه النصوص الفقهية والقضائية قد اجتمع للمسلمين من حيث التنظير أبدع دستور قضائي يفوق كل المدونات القضائية التي اقتبسها المسلمون في أوقات الانحطاط الفكري والسياسي خلال القرن الماضي، فكيف لو ضممنا لهذا المصنف الرائد ما سطره ابن فرحون المالكي في كتابه العظيم تبصرة الحكام، أو السير الكبير للشيباني، أو أدب القضاء لابن أبي الدم. وغيرها من مصنفات الإبداع العقلي والإصلاح الإداري كعلامة فارقة للقضاء الإسلامي بالمقارنة بالنظم العالمية.

الرابط المختصر :