العنوان بلا حدود.. فضيحة جديدة للغرب في البوسنة
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 09-يوليو-1996
مشاهدات 90
نشر في العدد 1207
نشر في الصفحة 25
الثلاثاء 09-يوليو-1996
عاد رادوفان كاراذيتش- زعيم صرب البوسنة - لممارسة لعبة القط والفار مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية، فخلال أسبوع واحد تلاعب كاراذيتش عدة مرات بالجميع، وأظهر أن قدراته في الخداع والكذب وتزييف الحقائق والسخرية من الآخرين لا حدود لها.
فرغم أن كاراذيتش متهم بالمسئولية عن قتل مائتي ألف من سكان البوسنة والهرسك، وتشريد ما يزيد على مليون شخص آخرين، وتدمير دولة كاملة، واغتصاب خمسين ألفا من نسائها، واعتقال مئات الآلاف لسنوات عديدة، وممارسة سياسة تطهير عرقي بشعة ضد شعب كامل، وجرائم أخرى لا حصر لها، رغم كل ذلك لم يعد الغرب ينظر إلى كاراذيتش ومن حوله على أنهم عصابة من السفاحين والقتلة تجب محاكمتهم، ولكن القضية الأساسية الآن أصبحت كيف تستطيع أمريكا بجيشها وعتادها، وأقمارها الصناعية، وبوارجها الحربية، ودبلوماسيتها النافذة، وهيمنتها على النظام العالمي الجديد، أن تقصي رادوفان كارانيتش عن منصبه كزعيم لصرب البوسنة، ولم يقف الأمر عند حد الولايات المتحدة، بل شاركها في هذا الهدف الذي بدا وكانه غاية المنى زعماء الدول الصناعية السبع، وصدرت توصية شديدة اللهجة إلى صربيا تؤكد أن العقوبات الاقتصادية سوف يعاد فرضها عليها إذا استمر رادوفان كاراذيتش في منصبه كزعيم لصرب البوسنة، وذلك لأن كاراذيتش كان قد أعلن في ۲۷ يونيو الماضي أنه لن يتنحى إلا بشروط أهمها أن يضمن المجتمع الدولي احترام وضع الدولة بالنسبة لجمهورية صرب البوسنة وترك بلدة برتشكو الشمالية المتنازع عليها في يد الصرب، إلا أن زعماء الدول السبع أعلنوا في ۲۹ يونيو أنهم مستعدون لإعادة فرض العقوبات على الصرب إذا لم يتخل كاراذيتش عن السلطة نهائيا وعلى الفور، وقد جاء هذا التهديد بعد يوم واحد فقط من تلاوة المحكمة الدولية لمحاكمة مجرمي الحرب في البوسنة قراري الاتهام بحق زعيم صرب البوسنة رادوفان كاراذيتش وقائده العسكري رادتكو ميلاديتش، إلا أن كاراذيتش لم يحفل بشيء من هذه الاتهامات، وفي تحد واضح وسافر للمجتمع الدولي استدعى كاراذيتش قيادات حزبه الحزب الديمقراطي الصربي، وأعلن في ٢٩ يونيو أنه مستعد لخوض الانتخابات المقرر إجراؤها في البوسنة والهرسك في شهر سبتمبر القادم، إلا أن قادة الدول الصناعية السبع عادوا وأكدوا على مطلبهم باستقالة كاراذيتش.
وقد دفع هذا الموقف الوسيط الأوروبي السويدي كارل بيلت أن يعلن في لهجة تهديد أن كاراذيتش أمامه ٤٨ ساعة ليعلن تنحيه عن منصبه- تنتهي يوم الإثنين أول يوليو - وإلا تم إعادة فرض العقوبات على صربيا، وقبيل انتهاء المدة بيوم كامل وقف كارل بيلت يعلن عن تحقيق انتصار كبير للمجتمع الدولي، حيث تخلى رادوفان كاراذيتش عن منصب الرئاسة لنائبته ، وشريكته في كافة الجرائم التي ارتكبها - بيليانا بلافيتش- وتناقلت الدنيا أخبار الانتصار الذي حققه المجتمع الدولي بقيادة بيلت، وقال بيلت إنه قد تلقى وثيقة رسمية موقعة بخط كاراذيتش يعلن فيها تنازله عن السلطة لنائبته، وبذلك يكون المجتمع الدولي قد حقق انتصاراً حاسماً في معركته ضد بقاء كاراذيتش في منصبه، إلا أن الصرب الذين يخدعون المجتمع الدولي ويتلاعبون به منذ خمس سنوات لم يمهلوا بيلت ليفرح بانتصاره، واتضح أنهم كانوا يمارسون فصلا جديدا من فصول الخداع، وكان كارل بيلت هو الضحية هذه المرة، فقد لقنوه درسا قاسيا حينما أعلنوا في نفس اليوم أن ما أعلنه بیلت غير صحيح، وأن كاراذيتش لم يتنازل عن شيء، وأنه ما زال زعيما لصرب البوسنة، لأن الشعب الصربي هو الذي اختاره وهو الذي يقوم بعزله وليس بيلت أو المجتمع الدولي، ولم يستطع کارل بيلت أن يواجه الصحفيين أو يعلق على ما أعلنه الصرب، وإنما وقف كبار مساعديه يتهمون كاراذيتش بالخداع والتلاعب والتستر على الجرائم تماما، كما كان يفعل سابقوهم من مساعدي ديفيد اوين وسايروس فانس والوسطاء الأمريكيين والأوروبيين الآخرين طوال السنوات الخمس الماضية، ولم يقف الصرب عند حد تكذيب ما أعلنه بيلت، ولكنهم ذكروا في تقرير نشرته وكالة أنباء بلجراد «بيتا» في أول يوليو الجاري أن نص الرسالة التي أعلن فيها عن تنازل زعيم صرب البوسنة كاراذيتش عن منصبه، قد تم صياغتها في مكتب الممثل المدني الأعلى في البوسنة كارل بيلت، وأوضحت الوكالة أن مكتب كارل بيلت في سراييفو هو الذي اقترح نص الرسالة، وأنه تم صياغتها بشكل فيه التفاف واتفاق بين بیلت والصرب، وأن نص الرسالة التي أعلن بيلت أنها وصلته من كاراذيتش لا يحوي تنازلا عن السلطة وإنما تكليفا مؤقتا بالمهام لنائبته، وجاء في الرسالة تطبيقا للإجراءات الواردة في النقطة الثالثة من البند ٤٠ في دستور الجمهورية الصربية القاضية بأن يقرر رئيس الجمهورية من بين نواب رئيس الجمهورية من يحل مكانه في حال تعذر عليه مؤقتا ممارسة مهامه، أعين نائبة الرئيس بيليانا بلافيتش اعتبارا من ٣٠ يونيو ١٩٩٦م.
إذن فالقضية حسب مصادر الصرب لم تكن سوى لعبة بين الصرب والوسيط الدولي، الذي طار إلى بالي في الثاني من يوليو يرافقه مستشاره للشئون العسكرية الجنرال الفرنسي بيرتران دي لابريل، واجتمع مع بيليانا بلانيتش، وحرص على أن يظهر بجوارها أمام الصحفيين ليؤكد على مزاعمه، إلا أن ذلك لم يغير من الواقع شيئا، ولكن يبدو أن بيلت قد تلقى على يد الصرب درسا قاسيا خرج منه بفضيحة سياسية تهدد بقاءه وسيطا دوليا، وزاد من قسوة الدرس الذي تلقاه بيلت أن التهديدات الأمريكية والدولية للصرب سرعان ما تبخرت، وأعلن الناطق باسم الخارجية الأمريكية تشارلز بيرنز في الثاني من يوليو بأن تحديد موعد لإعادة فرض العقوبات على صربيا، بسبب الغموض الذي تركه تصريح نائبة كاراذيتش حول بقائه في السلطة أمر يصعب تحديده، وقال بيرنز: لا أريد أن أدفع أحدا إلى الاعتقاد بأننا سنعيد فرض تلك العقوبات اليوم، ولكننا نريد طي هذه الصفحة، وقد نسف بيرنز بتصريحه هذا كافة التهديدات السابقة، وأظهر أن مدى اللعب بين الصرب والمجتمع الدولي مازال واسعا، أما تصريح وليم بيري وزير الدفاع الأمريكي أثناء زيارته لسراييفو في الثالث من يوليو الجاري برفض المقترح الخاص لقيام قوات حفظ السلام في البوسنة بالقبض على كاراذيتش فإنه يؤكد على حقيقة الموقف الأمريكي من اللعبة، وبنظرة فاحصة إلى مجريات الأحداث على الساحة البوسنية خلال أسبوع واحد يتضح أن ما يحدث ليس سوى فصل جديد من فصول المسرحية الهزلية التي يمثلها الصرب مع الوسطاء الغربيين وممثلي المجتمع الدولي على الساحة البوسنية، وأن كاراذيتش ليس وحده هو الكذاب والمراوغ والمخادع، ولكنها لعبة يشترك فيها الجميع طالما أن الضحايا هم مسلمو البوسنة.