العنوان قبس من هدي النبوة: الحياء ... خير كله
الكاتب د. حمدي شلبي
تاريخ النشر السبت 27-ديسمبر-2003
مشاهدات 69
نشر في العدد 1582
نشر في الصفحة 56
السبت 27-ديسمبر-2003
إذا فقد العبد الحياء.. صار كشيطان يمشي على الأرض
عن أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري البدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح «۱» فاصنع ما شئت «۲».
منزلة الحديث:
تكمن أهمية الحديث بدعوته إلى خلق الحياء الذي هو من الإيمان، والحياء لا يأتي منه إلا الخير. والحياء يدعو صاحبه للتحلي بالفضائل والبعد عن الرذائل. والحياء خلق أنبياء الله وإمامهم محمد صلى الله عليه وسلم، حيث كان أشد حياء من العذراء «۳» في خدرها «٤». والحياء خلق ملائكة الله، ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة «٥».
خلق الحياء والدعوة إليه قديمة وهو من إرث أنبياء الله.
قوله: إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت، يعني أن هذه الحكمة النبوية العظيمة، الداعية إلى الحياء مما توارثه الناس عن أنبيائهم جيلاً بعد جيل، حتى وصلت إلى أول هذه الأمة المحمدية. فمما دعا إليه أنبياء الله السابقين العباد التخلق بخلق الحياء، وهنا تزداد أهمية هذه الحكمة العظيمة التي أمرنا رسولنا أن نتخلق بها.
معنى الأمر في الحديث:
قوله: إذا لم تستح فاصنع ما شئت، للعلماء في مفهوم أمره أقوال منها:
1. الأمر للتهديد والوعيد، فيكون المعنى إذا لم يكن عندك حياء فاعمل ما شئت فإنك معاقب مجازى على صنيعك، وقد يكون في الدنيا أو الآخرة أو في كليهما. وقد ورد في الذكر الحكيم مثل هذا السياق قال تعالى: "واعملوا ما شئتم" «فصلت: ٤٠».
2. الأمر للإباحة، فيكون المعنى إذا أقدمت على أمر فلم تستح من صنيعه من الله ولا رسوله ولا الناس فافعله، فإنه يباح لك ذلك. قال النووي: الأمر فيه للإباحة أي إذا أردت فعل شيء فإن كان مما لا تستحي إذا فعلته من الله ولا من الناس فافعله، وإلا فلا «٦».
3. الأمر للإخبار، فيكون المعنى أن المانع من فعل ما يشين العبد هو الحياء، فمن فقده انهمك في معاصي الله عز وجل. ومثل ذلك قوله: "فليتبوأ مقعده من النار" «۷»، فالأمر هنا يعني الإخبار أي تبوأ مقعده من نار جهنم. وهنا كلام جميل للخطابي ونصه: الحكمة في التعبير بلفظ الأمر دون الخبر في الحديث أن الذي يكف الإنسان عن موافقة الشر هو الحياء، فإذا تركه صار كالمأمور طبعاً بارتكاب كل شر «۸».
الحياء ضربان
1. الحياء الفطري، وهو ما كان فطرة وجبلة يمن الله به على من يشاء من عباده، وهو من أعظم النعم التي يجود بها الباري على من يشاء من عباده، لأنه لا يأتي إلا بالخير للعبد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: الحياء لا يأتي إلا بخير «۹». فنرى كثيراً من الناس يكفون عن القبائح والمعاصي، وقد لا يكون ذلك تديناً، قال بعضهم: رأيت المعاصي نذالة فتركتها مروءة، فاستحالت ديانة.
2. الحياء المكتسب من معرفة الله وصفاته العظيمة الجليلة، وأنه رقيب على عباده لا تخفى عليه خافية، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. وهذا الحياء المكتسب من معرفة الله هو من خصال الإيمان، حيث قال النبي للرجل الذي يعظ أخاه في الحياء: دعه فإن الحياء من الإيمان «۱۰». قال القرطبي: الحياء المكتسب هو الذي جعله الشارع من الإيمان، وهو المكلف له دون الغريزي، غير أن من كان فيه غريزة منه فإنها تعينه على المكتسب «۱۱».
وإذا سلب العبد الحياء المكتسب وغير المكتسب لم يبق له ما يمنعه من الوقوع في القبائح والمعاصي.
ويصبح العبد شيطانا يمشي على الأرض
الحياء المذموم
قال القاضي عياض وغيره: والحياء الذي شأ عنه الإخلال بالحقوق ليس حياء شرعياً بل هو جز ومهانة، وإنما يطلق عليه حياء لمشابهته للحياء الشرعي «۱۲». فالحياء الذي يؤدي بصاحبه إلى تقصير في حقوق الله فيعبد الله على جهل ولا يعلم عن دينه، ويقصر في القيام بحقوقه، وحقوق من يعول، وحقوق المسلمين، فهذا الحياء مذموم لأنه ضعف وخور.
المرأة والحياء
قال تعالى: ﴿ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ ۖ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ۖ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّىٰ يُصْدِرَ الرِّعَاءُ ۖ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾[ سورة القصص: 23] رأى سيدنا موسى - عليه السلام - هاتين الفتاتين وهما على مستوى سام من الخلق القويم. فهما لا تزاحمان الرجال، بل تكفكفان غنمهما أن تختلط مع غنم الرعاء لئلا تؤذيا.
كما أن فيه دلالة على أن هاتين الفتاتين خرجتا من بيت رباهما فأحسن تربيتهما بيت عظيم يعظم العفة والحياء.
وعندما استفسر موسى عن وضعهما بينتا له سبب خروجهما، وهو كبر سن والديهما، وهذا هو سبب الخروج من الخدر فقام موسى عليه السلام
بالواجب وسقا لهما . ثم تابع القرآن القصة، فقال سبحانه: وفجاءته إحداهما تمشي على استحياء قَالَتْ إِنْ أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا ك (القصص: (٢٤) فبين لنا القرآن ما ينبغي أن تكون عليه المرأة من خلق وحياء، فوصف لنا مشية هذه البنت الشريفة مشية
عنوانها الحياء والنقاء والطهر قال أمير المؤمنين عمر كانت متسترة بكم درعها. وفي رواية أخرى عنه قال رضي الله عنه: جاءت تمشي على استحياء قائلة بثوبها على وجهها ليست بسافرة من النساء ولاجة خراجة (۱۳)
كما بين لنا كيف تخاطب المرأة الرجال الأجانب، فلا خضوع بالقول ولا رقة ولا وقاحة لذلك اختار الله لنبيه موسى إحداهما زوجة له، قال تعالى: الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات )) (النور: (٢٦). وهكذا يجب على ولي الأمر أن يربي بناته على الحياء، لأن الحياء حلية المرأة، فإذا خلعته خلعت معه كل فضيلة .
نموذج من الصحابيات ولقد كانت الصحابيات من القدوة في هذا الميدان، فينبغي أن يقتدى بهن عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها قالت: تزوجني الزبير وماله في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء غير ناضح «١٤» وغير فرسه. فكنت أعلف فرسه وأستقي الماء وأخرز غربه وأعجن، ولم أكن أحسن أخبز وكان يخبز جارات لي من الأنصار، وكن نسوة صدق. وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله له على رأسي وهي مني على ثلثي فرسخ، فجئت يوما والنوى على رأسي فلقيت رسول الله ومعه نفر من الأنصار فدعاني ثم قال: "إخ إخ"، ليحملني خلفه، فاستحييت أن أسير مع الرجال وذكرت الزبير وغيرته، وكان أغير الناس. فعرف رسول الله إذ إني قد استحييت فمضى «١٥». والشاهد في هذا قول أسماء: استحييت أن أسير مع الرجال. استحييت أن تسير مع هؤلاء الرجال الأطهار، وعندما رأى رسول الله هذا منها أقرها عليه وشجعها عليه، فيجب على بنات المسلمين أن يقتدين بهؤلاء الصحابيات فهن القدوة المنجية من مهاوي الردى.
فوائد من الحديث:
1. يدل الحديث على أن الحياء كله خير ومن كثر حياؤه كثر خيره وعم نفعه، ومن قل حياؤه قل خيره.
2. الحياء الذي يعوق من التعليم وطلب الحق حياء مذموم.
3. واجب على ولي الأمر أن يسعى لغرس خلق الحياء في أبنائه.
4. من فوائد الحياء العفة والفضيلة، يقابل الحياء الوقاحة وهي خصلة مذمومة تدعو صاحبها إلى فعل الشر والانغماس فيه والمجاهرة بالمعاصي، قال: "كل أمتي معافى إلا المجاهرين." «١٦»
5. والحياء من أهم شعب الإيمان الواجبة بعد التوحيد الخالص.
----------------------------
الهوامش
«1» الحياء خلق عظيم، يبعث على ترك القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق.
«2» رواه البخاري كتاب الأدب 1007.
«3» البكر.
«4» الموضوع الذي تحبس فيه وتستتر، كذا في الفتح.
«5» المشكاة بتحقيق الألباني 2/835.
«6» الفتح 139/3.
«7» مختصر البخاري ص 28، مختصر مسلم كتاب العلم ص 492 وغيرهما.
«8» الفتح 1393.
«9» البخاري 211/2.
«10» الحديث متفق عليه، وأوله عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله مر على رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء فقال رسول الله وذكر الحديث.
«11» الفتح 13/138.
«12» الفتح 13/138.
«13» تفسير ابن كثير 238/6.
«14» الناضح الجمل الذي يسقى عليه الماء.
«15» رواه البخاري، باب الغيرة 157/6.
«16» البخاري كتاب الأدب 98/7 ومسلم كتاب الزهد 838/5.
■ «تطاوعا ولا تختلف»
قاعدة نبوية في الأداء القيادي
إن التربية القرآنية والتربية النبوية حرصتا على وحدة الصف المسلم، لأنه بوحدته تتحقق أهداف الأمة العظمى وغايتها النبيلة وفي التفرق والتشرذم الضعف والهوان والمذلة.
يقول عز وجل: «يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ» «الأنفال: 1».
ومن وصايا رسول الله القادة الجيوش: تطاوعا ولا تختلفا.
ومن هذه المواقف:
1. حدثنا يحيى حدة حدثنا وكيع عن شعبة عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه، عن جده أن النبي بعث معاذاً وأبا موسى إلى اليمن فقال: «يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا وتطاوعا ولا تختلفا».
2. حدثنا محمد بن أبي عدي عن داود عن عامر قال: بعث رسول الله ﷺ جيش ذات السلاسل فاستعمل أبا عبيدة على المهاجرين واستعمل عمرو بن العاص على الأعراب، فقال لهما: "تطاوعا". قال: وكانوا يؤمرون أن يغيروا على بكر فانطلق عمرو فأغار على قضاعة لأن بكراً أخواله، فانطلق المغيرة بن شعبة إلى أبي عبيدة فقال: إن رسول الله استعملك علينا وإن ابن فلان قد ارتبع أمر القوم، وليس لك معه أمر، فقال أبو عبيدة: إن رسول الله أمرنا أن نتطاوع فأنا أطيع رسول الله، وإن عصاه عمرو «۳».
قال ابن بطال وغيره: «في الحديث الحض على الاتفاق لما فيه من ثبات المحبة والألفة والتعاون على الحق.
فإذا اجتمعا فإن اتفقا في الحكم وإلا تباحثا حتى يتفقا على الصواب وإلا رفعـا
الأمر لمن فوقهما».
أين نحن من هذه الوصية النبوية؟
كثيراً ما تكلف الجماعة المسلمة، بعض أتباعها للقيام بمهام محددة تختلف فيها الآراء الإدارية والتنظيمية التي فيها مجال واسع للرأي والاجتهاد والسعة، فتؤدي هذه الآراء إلى التفرق وتغير القلوب، وقد يتهم فيها الأشخاص، بل قد يقف العمل فترة من الزمن حتى تتصافي النفوس وتأتلف وتجتمع مرة
أخرى... من يتحمل وزر هذا التأخير؟ على من ابتلاه الله بمهام كهذه أن يسعى سعياً حثيثاً إلى التأقلم مع أخيه، فإذا كان في أخيه تجويف فيصنع نتوءاً مقابل التجويف حتى يحدث التلاحم والتجانس والتماسك وتتحقق الأهداف العظمى، والغايات النبيلة.. ونسأل الله أن يحفظنا ويرعانا ويتولانا- آمين.
-------------------------------------
الهوامش
«1» البخاري، كتاب المغازي، 2811.
«2» مسند الإمام أحمد، مسند العشرة المبشرين بالجنة، 1606.
«3» فتح الباري بشرح صحيح البخاري.