; يوغوسلافيا مجموعة الـ ١٧.. البديل التفصيل في صربيا. | مجلة المجتمع

العنوان يوغوسلافيا مجموعة الـ ١٧.. البديل التفصيل في صربيا.

الكاتب د.حمزة زوبع

تاريخ النشر الثلاثاء 03-أغسطس-1999

مشاهدات 59

نشر في العدد 1361

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 03-أغسطس-1999

  • يحاول ميلوسوفيتش الالتفاف على الحصار باقتراح قيام حكومة من التكنوقراط
  • بوادر صفقة بضمان سلامة ميلوسوفيتش مقابل تخليه عن السلطة

في العدد (١٣٥٩) من المجتمع استعرضنا الخيار (صفر) لرئاسة صربيا في حالة تنحي أو إقصاء ميلوسوفيتش عن الحكم، ونظرًا لأن الإعلام الغربي يسعى جاهدًا إلى تقديم وجوه صربية على أنها وجوه ديمقراطية أو ليبرالية، نعرض هنا بالتحليل الرمزين من رموز المعارضة التي يحاول الغرب وإعلامه تسويقهما إلى العالم بحجة أنهما معارضون لميلوسوفيتش، والعجيب أن الشعب الصربي يرفض كلا من زعيمي المعارضة المتظاهرين دراسكوفيتش و ديندييتش، بل يرفض العديد من المحافظات الصربية السماح لهما حتى بالدخول إلى تلك المناطق أو عقد لقاءات جماهيرية ومن بينها العاصمة بلجراد.

ولنبدأ بزعيم حزب حركة التجديد الصربية والمعروف اختصارًا SPO فوك دراسكوفيتش والمعروف بلحيته الكثيفة وشعره الطويل، والذي كغيره من ساسة صربيا لم يدخل الحياة السياسية إلا مؤخرًا. 

لم يكن دراسكوفيتش سوى مؤلف روائي يعمل بالصحافة، ركب كغيره موجة القومية ودعا إليها عبر كتاباته الصحفية، وحين سمح ميلوسوفيتش بالتعددية الحزبية – وفق شروطه القومية – قام بتأسيس حزب حركة التجديد الصربية.. وانطلق إلى عالم السياسة وخاص حزبه انتخابات عدة مني بالفشل في معظمها ولم يتمكن من الوصول إلى الحكم، وغامر بمواجهة ميلوسوفيتش في انتخابات الرئاسة في عام ١٩٩٧م ومني بالخسارة.

يقول عنه المقربون إنه مغامر ومقامر يفتقد إلى التكنيك في التعامل السياسي، فهو تارة يرفع راية القومية حتى بدا وكأنه أكثر تطرُّفًا من ميلوسوفيتش وتارة يتظاهر ضد ميلوسوفيتش ويخرج للشارع في عام ١٩٩٣م لينال قسطًا من الضرب على يد الشرطة ويسجن بتهمة إهانة رجال الشرطة. 

وفي انتخابات عام ١٩٩٧ لم ينجح هو وحزبه على رغم أنه خرج إلى الشارع متزعمًا تحالف المعارضة المعروف آنذاك باسم (زايدنو) وترجمتها (معًا) وقد طلب أن يكون هو مرشح التحالف للرئاسة كشرط لاستمراره في التحالف ولما رفضت بقية الأحزاب ذلك الطلب خرج على التحالف. 

بعد حرب البوسنة صرح قائلًا: «إنني سأكون سعيدًا إذا ما قدم ميلوسوفيتش للمحاكمة في لاهاي»، ولكنه في العام الماضي وعندما رأى الحزب الراديكالي بقيادة سيسلي يشارك في حكومة ائتلافية دعا إليها ميلوسوفيتش كان ينتظر لحظة دعوته إلى المشاركة وعند أول إشارة من ميلوسوفيتش لم يتردد في الموافقة.

 حين بدأت الضربات الجوية على صربيا.... كان يشغل منصب نائب رئيس الوزراء، ومع يقينه بصعوبة التصدي للناتو خرج على شاشات المحطات العالمية مستغلًا إجادته للغة الإنجليزية ليندد بالناتو وبالألبان معًا، ثم شيئًا فشيئًا بدأ يهاجم ميلوسوفيتش حتى أعلنها صريحة عبر «سي إن إن» لا يمكننا أن نواجه الناتو... وهنا طرد من الوزارة ولكنه أبقى نوابه في الحكومة الائتلافية ليُبقي على خط الرجعة مع ميلوسوفيتش. 

وعندما أعلنت أحزاب المعارضة عن تحالف التغيير رفض الانضمام إليها منتظرًا إشارة سيده، بل رفض التظاهر أصلًا، واعتبر ذلك معيبًا، ولكنه في الواقع كان مترددًا لأن العرض المقدم من المعارضة الخارجة ضد ميلوسوفيتش لم يكن ليرضي قناعاته، ولما شعر بأن ديندييتش مدعوم من الآلة الإعلامية الغربية أمر كوادر حزبه بالتحرك والتظاهر دون أن يظهر هو شخصيًا ثم قاد التحرك بمظاهرات لم تحمل تنديدًا بميلوسوفيتش أول الأمر بقدر ما كانت تنادي بالتغيير والإصلاح، ولكنه مع ضغط الأطراف المعارضة الأخرى طالب ولأول وآخر مرة بتنحية ميلوسوفيتش ولكنه وضع لذلك خطة تنص على أن يبقى ميلوسوفيتش وتجرى انتخابات جديدة يعلن الشعب فيها رأيه ولا يتم إبعاد ميلوسوفيتش عن الحكم إلا إذا لم يقدم للمحاكمة أو يجد له الغرب ملجأ آمنًا وهذه بالطبع من أفكار ميلوسوفيتش التي يمليها عليه صديقه.

ويرى المراقبون أن دراسكوفيتش لن يصوت ضد ميلوسوفيتش في أي إجراء لرفع الثقة عنه مستقبلًا إلا إذا كان البديل هو الفوز المضمون ولا يرى الغرب في دراسكوفيتش سوى عميل مزدوج قد ينجح يومًا ما في أن يكون بديلًا لميلوسوفيتش لو لم ينتبه إليه هذا الأخير أو إذا وقف الجيش على الحياد.

زوران دیندییتش

سياسي طموح آخر في قائمة المنتظرين للوصول إلى سدة الحكم يتراءى له أن الغرب يستطيع إيصاله إلى الحكم، برز إلى عالم السياسة في انتخابات عام ۱۹۹۳م، عوقب بالسجن لمدة عام بسبب مساهمته في تشكيل اتحاد طلابي مستقل خرج من صربيا وتوجه إلى ألمانيا ليكمل تعليمه وعاد ليدرس الفلسفة في الثمانينيات.

 في عام ١٩٩٠م كان من بين مؤسسي الحزب الديمقراطي، وبعد عامين من تأسيسه وصل إلى رئاسة الحزب، وقاد منتسبي الحزب بالتدريج إلى الفكر القومي وظهرت نزعته الشوفينية إبان الحرب في البوسنة، إذ ذهب إلى «بالي» معقل المجرم الصربي كارانيتش وأعلن تأييده ودعمه له.

بعد التوقيع على اتفاقية دايتون في عام ١٩٩٥م انتقل إلى الفكر الديمقراطي الليبرالي وابتعد قليلًا عن التعصب القومي، إلا فيما يخص كوسوفا.

شارك مع دراسكوفيتش في التحالف المعروف باسم «معًا»، في انتخابات عام ١٩٩٦م وانتخب عمدة لبلجراد، وكان أول عمدة غير شيوعي منتخب منذ عام ١٩٤٥م، ولما رفضت السلطات نتيجة الانتخابات شارك في المظاهرات التي استمرت قرابة شهرين واختلف مع دراسكوفيتش حين أصر الأخير على أن يكون مرشح المعارضة للرئاسة في عام ۱۹۹۷م، يتهم دراسكوفيتش بولائه لميلوسوفيتش وبأنه العميل المزدوج.

 مع بداية الضربات ذهب إلى الجبل الأسود، ثم عاد بعد توقفها ليشكل تحالفًا آخر من بين الأحزاب غير الممثلة في البرلمان له علاقات جيدة مع رئيس الجبل الأسود وبعض قادة الغرب ليس له أَتباع ولا مؤيدون في المدن الكبرى، مثل بلجراد، بل إنه لم يستطع دخولها حتى الآن، ولا تسانده المؤسسة العسكرية، بل ترفض نهجه وأسلوبه وترميه بالخيانة لقراره أثناء الضربات، وهو على علاقة بالكنيسة وإن استفاد من إعلانها بضرورة تنحي ميلوسوفيتش إلا أنه مؤخرًا بدأ يتجنب الحديث عنها، إرضاء للغرب، وليس مدعومًا من المؤسسات العسكرية الفكرية والثقافية التي تضم عناة الفكر الصربي القومي (الأكاديمية الصربية للفنون والآداب).

البديل التفصيل

في خضم التنافس المحموم بين دراسكوفيتش وديندييتش، وفي ظل عدم قدرة أحدهما على الوصول إلى السلطة خرج الطرح الثالث على ما يبدو من عباءة الحكومة أو بالترتيب معها ولكنه هذه المرة مختلف، فالبديل ليس شخصًا بل مجموعة من الاقتصاديين الذين أطلق عليهم مجموعة الـ ١٧، من بينهم مجموعة من المفكرين من صربيا والجبل الأسود، وقد قدمت هذه المجموعة خطة عرفت باسم «خطة إعادة الاستقرار لصربيا»، وهي قريبة من الخطة الأوروبية لإعادة الاستقرار للبلقان والتي يصر الغرب على استثناء صربيا منها لحين زوال ميلوسوفيتش.

وترى مجموعة الـ ١٧ أن الحل يكمن في تقديم هذه الخطة من خلال تشكيل حكومة إنقاذ وطني تتشكل من الاقتصاديين «التكنوقراط» يكون في أولوياتها إعادة الاستقرار الاقتصادي لصربيا وتأهيل البنية التحتية للدخول في برنامج الإعمار الغربي.

 وقد جاءت فكرة حكومة الإنقاذ التقنية ردًّا على دعوة الكنيسة باستقالة ميلوسوفيتش وهذا التوقيت له مغزاه: 

١- فهو بمثابة بروز تيار عقلاني لا ينصاع للكنيسة - رسالة إلى الغرب. 

٢- تيار تقني غير حزبي يريد مصلحة بلاده - رسالة إلى الصرب.

وترى المجموعة أن الإصلاح السياسي سيكون حتميًّا لا فكاك منه، وذلك بإجراء انتخابات حرة ونزيهة تنتهي بالطبع بإبعاد میلوسوفيتش، ولكن إلى أين؟ هذا هو السؤال الحائر البعض يرى أنه وكما أجبر كارانيتش على الابتعاد عن رئاسة ما يسمى صرب البوسنة يمكن إبعاد ميلوسوفيتش على أن تضمن الحكومة التكنوقراطية سلامته مثلما لم يسلم كاراذيتش إلى لاهاي حتى اليوم، وهذا ضمن اتفاق سري بين الغرب والصرب.

ومن بين المرشحين لرئاسة الوزراء في الحكومة الجديدة البروفيسور ملاديان دينكيتش وهو يلقى دعمًا من رئيس الجبل الأسود، وقد أعرب دينكيتش عن استعداده لقبول المهمة، كما أن هناك مرشحين آخرين من تخفيض معدل التضخم في بينهم محافظ البنك المركزي الذي ساهم في صربيا عام ۱۹۹۳م، وقد اختلف مع ميلوسوفيتش وترك البنك في أعقاب ذلك، ويضم التجمع الاقتصادي المقترح البروفيسور المونتنجري فيسلمن فوكوتيتش مهندس الإصلاح الاقتصادي بالجبل الأسود. 

ويبدو أن ثمة تنسيقًا لدعم مثل هذا الحل الأخير، وذلك لأن برامج الإصلاح السياسي والإعمار في البلقان والتي يريد الغرب تطبيقها لا يمكن أن تمضي قدمًا دون صربيا فهي تشكل من الناحية السكانية نصف سكان البلقان البالغ عددهم ٢٥ مليون نسمة، كما أن هناك ارتباطًا قديمًا ووثيقًا بين صربيا ومعظم دول الاتحاد اليوغسلافي السابق مما يجعل إعمار البلقان دون صربيا عملية غير ممكنة.

 فهل تكون مجموعة الـ ١٧ البوابة الخلفية لعودة صربيا إلى المجتمع الدولي؟.

الرابط المختصر :