; شيخ الحفاظ في غرب البلقان القارئ عصمت سباهيتش (١ من ٣ ): مسلمو يوغوسلافيا تعرضوا الحرب شرسة من الشيوعيين في عهد تيتو | مجلة المجتمع

العنوان شيخ الحفاظ في غرب البلقان القارئ عصمت سباهيتش (١ من ٣ ): مسلمو يوغوسلافيا تعرضوا الحرب شرسة من الشيوعيين في عهد تيتو

الكاتب عبد الباقي خليفة

تاريخ النشر السبت 30-يوليو-2011

مشاهدات 129

نشر في العدد 1963

نشر في الصفحة 28

السبت 30-يوليو-2011

عملوا على تذويب الأجيال الجديدة من خلال التعليم وإبعادهم عن الإسلام بتجفيف منابع الثقافة الإسلامية

بعد انتهاء الحرب ذهبت إلى المسجد لتعلم القرآن، وتحديدا في عام ١٩٤٦م، أي بعد عام من تولي الشيوعيين السلطة في ما كان يسمى بيوغسلافيا السابقة عام ١٩٤٥م، في ذلك الوقت حصل تغيير كبير، والدي كان محافظاً جداً، حرص على تعليمي القرآن والحروف العربية.

حادثة مهمة

كان الوضع صعباً جداً، وكان المسلمون حريصون على عدم شراء منتجات الأعداء الطبيعية والصناعية، وأذكر أني أخطأت . فاشتريت حلوى من أحد «الدكاكين» فعاقبني والدي على ذلك وحذرني من أن أعود لذلك الصنيع الشنيع مرة أخرى، وهو ما شكل زاوية الوعي لدي حتى اليوم، وإن شاء الله إلى أن أموت.

كان الاحتفال بالختان، وبسنن الفطرة لدى مسلمي البلقان له وقع كبير، وهو لايزال يحتفظ بزخمه حتى الآن، ولذلك يحتفظ الكبير والصغير بتاريخ ختانه، ولا يعتبرون ذلك مما يستحى منه، كما هي الحال في مناطق أخرى من العالم الإسلامي، بل يذكر بعض مسلمي البلقان وشرق أوروبا تاريخ ختانهم في حواراتهم وأحاديثهم، وكان طبيعيا أن يحدثني الشيخ عصمت سباهيتش» عن تاريخ ختنه والذي حدث في عام ١٩٤٧م أي عندما كان عمره ٧ سنوات.

محنة المسلمين

في عام ١٩٤٨م، أي بعد 3 سنوات من تولي الشيوعيين السلطة في ما كان يسمى بيوغسلافيا، بدأت محنة المسلمين في هذه المنطقة المضطربة من العالم.. في ذلك الحين بدأ الشيوعيون حربهم ضد الإسلام بمنع الحجاب، وأصدروا في عام ١٩٥٠م قانونا يمنع ارتداءه، واضطهدوا المعارضين المسلمين لذلك الإجراء التعسفي الذي يعبر عن الكراهية، وفرض نمط معين على المسلمين في محاولة لتجريدهم تدريجيا من جميع مقومات هويتهم الإسلامية، وتذويبهم في المحيط العام المرتبط بالمراكز الداخلية والخارجية.

ويضيف «سباهيتش»: «كان والدي من بين الذين احتجوا بشدة، ولكن قرارات السلطة الغاشمة لم تكن لتتراجع في ظل اختلال موازين القوى بين مسلمين عزل ودولة مدججة بالأسلحة، وتلقى دعم الشرق والغرب على حد سواء».

في ذلك الحين، أي في عام ١٩٤٨م، واصل الشيخ عصمت سباهيتش الذهاب إلى مكتب تحفيظ القرآن في منطقته، ولم ينقطع عن ذلك إلا بعد استدعاء الإمام المحفظ الأداء الخدمة العسكرية، وكان شابا يافعاً .

الالتحاق بالمدرسة

وكان حتما الذهاب إلى المدرسة، برغبة عارمة من والده، والعام الدراسي في نهايته ، لكن ذلك لم يمنع الوالد من البحث عن مستقبل ابنه التعليمي بالاتصال بأقرب مدير مدرسة، حيث سأله المدير عما إذا كان ابنه يحسن الكتابة والقراءة، لا سيما وأن العام الدراسي في نهايته، فأجابه الوالد : بأن ابنه أكثر تعليما من جميع طلبته الذين في سنه بما في ذلك أبناء المدير نفسه.

 وقد فوجئ المدير والمدرسين بمستوى - الابن القادم من «الكتاب».. ولم يبقَ الشيخ - «عصمت سباهيتش» في الصف الأول سوى شهر واحد، ثم انتقل للصف الثاني حيث كان أفضل من جميع أقرانه قراءة وكتابة وحضورا ذهنيا .

كانت الظروف المادية لأسرة الشيخ عصمت صعبة جدا، فهو يذكر جيدا تلك الأيام التي مرت عليه في فصول الشتاء ببلده وهو يواجه البرد بملابسه الخفيفة والممزقة والتي لا تكاد تدفع عنه وطأة الثلوج والبرد القارس، فقد أفقرت الحرب العالمية الثانية التي تسبب فيها الغرب، أمم الأرض، ولم يشمل مشروع مارشال لمساعدة أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية سكانها المسلمين. 

لم يبق الشيخ «عصمت سباهيتش في المدرسة الابتدائية سوى ٤ سنوات بدلا من ٧ سنوات مدة الدراسة فيها، فقد كان معلموه يرقونه من فصل إلى آخر، وتمكن بذكائه من تجاوز 3 فصول في عام واحد .

 الدراسة الثانوية

اختار الشيخ «عصمت سباهيتش » مدرسة « الغازي خسرف بك »الإسلامية لدراسته الثانوية لتحتضن ذكاءه الحاد، وقدرته على الاستيعاب، وكانت الدراسة بها ٨ سنوات وكان شيخنا أصغر طالب في ذلك الحين يدخل هذه المدرسة ( ١٩٥١م)، وفي ذلك الوقت أغلقت جميع المدارس الإسلامية، ولم يبق في البوسنة سوى مدرسة « الغازي خسرف بك»، والتي طالها الإغلاق هي الأخرى لمدة سنة تقريباً في عام ١٩٤٧م، وكان الشيوعيون  يعتقدون بأن المدرسة ستغلق من تلقاء نفسها بفعل الإجراءات المضادة للتدين الإسلامي لكن الله حماها ولا تزال تخرج الأجيال حتى اليوم.

حدث تغيير كبير في حياة الشيخ عصمت سباهيتش بانتقاله من القرية إلى المدينة وهو طفل، لم يكن في القرية إضاءة بينما كانت سراييفو مدينة مضيئة في الليل والنهار يقول «سباهيتش»: «كنت أدرس وأعود إلى البيت وفي «سراييفو»  أقيم في المبيت التابع لمدرسة « الغازي خسرف بك». في المدرسة الابتدائية لم يكن اهتمام بالسلوك بينما في المدرسة هناك أساتذة ينظرون للطلبة كما لو كانوا أبناءهم يعدونهم لحياة مليئة بالتحديات لا سيما على الصعيد الثقافي.

حملة شيوعية

في عام ١٩٥٨ / ١٩٥٩م أنهى الشيخ سباهيتش دراسته الثانوية في مدرسة «الغازي خسرف بك»، بعد سنة واحدة من الحملة الشيوعية الجديدة على الأوقاف الإسلامية « وقد عمل الشيوعيون على التدخل في الشؤون الداخلية للمدرسة من حيث ما يدرس ومالا يدرس، وفي أنظمة الدراسة وغير ذلك، وأدخلوا منهج دراسة الفلسفة المادية، وبعض المواد الأخرى للمدرسة، لكن أساتذة هذه المواد كانوا متعاطفين مع المشيخة الإسلامية ، فكانوا يبينون للطلبة عوار المواد التي طلب منهم تدريسها، مما ساهم في انفتاح الطلبة على العلوم، وترسيخ مبادئ الإسلام في أذهانهم.

في السنة التي تخرج فيها شيخنا بلغالعدوان على الأوقاف الإسلامية مبلغه، حيث صودرت جميع الأوقاف (١٩٥٨م) كانت رغبة الشيوعيين أن يكون التدين في أدنى حد ممكن، وقد جوبهت ممارساتهم بصمود كبير من قبل الجيل الأول من المسلمين، وكانت المواجهة أشبه بمواجهة اليد للمغرز والعظم للسكين، فقد يحرم من المساعدة الاجتماعية كل من له طالب في المدرسة الإسلامية، ولم تكن المدرسة تتلقى أي مساعدة تذكر من الحكومة، بل لم تكن في منأى من عدوانها.

مصادرة الأوقاف

أثرت عملية مصادرة الأوقاف على أداء المدرسة الإسلامية، ونشاط المشيخة الإسلامية التي أصبحت بدون موارد سوى ما يتبرع به أهل الخير سرا، وما يدفعه الطلبة من رسوم.. وكان الشيوعيون يعولون على تذويب الأجيال الجديدة من خلال التعليم وإبعادهم عن الإسلام، من خلال تجفيف منابع الثقافة الإسلامية، والضغط على الأسر المحافظة، فمن يرسل أبناءه للتعليم الديني يحرم من الضمان الاجتماعي كما يحرض الشيوعيون المدرسين على إبعاد الطلبة عن الإسلام، وعن ذلك يقول عصمت سباهيتش: «كانت لدينا أستاذة تعليم إنجليزي كانوا يقولون لنا : أنا مطلوب مني أن أغرس فيكم هذه المفاهيم، ولكني وبصفة شخصية أشجعكم على الاستمرار في التعمق في تعاليم دينكم» .

 لم يعد للمشيخة الإسلامية ما تنفق منه على نشاطاتها، حتى الأضاحي التي كان أهل الخير يقدمونها في عيد الأضحى للمدرسة الإسلامية منعت عنها، ويذكر شيخنا تلك الأيام الصعبة التي كان فيها الطلبة يدفعون للمبيت الداخلي ( الإقامة الداخلية بالمعهد) ما يوازي راتب موظف في ذلك الحين ولولا تكافل المجتمع المسلم ومساعدة الأسرة الممتدة وتشجيعها على أن يكون منها متفقهون في الدين، لما استطاع أحد أن يدخل المعهد الديني في ذلك الحين ..

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 67

114

الثلاثاء 06-يوليو-1971

تعقيب «المجتمع»

نشر في العدد 112

90

الثلاثاء 08-أغسطس-1972

مهلًا.. يا بنت الخنساء!

نشر في العدد 131

125

الثلاثاء 26-ديسمبر-1972

أحكام الحج وأسراره