العنوان جهاز مباحث أمن الدولة
الكاتب رشاد محمد البيومي
تاريخ النشر السبت 26-مارس-2011
مشاهدات 65
نشر في العدد 1945
نشر في الصفحة 66
السبت 26-مارس-2011
تنفسنا الصعداء عندما تم حل الجهاز.. لكننا فوجئنا بالإفراج عن القتلة والسفاحين من هذا الجهاز واختيار بعضهم خبراء للجهاز الأمني الجديد.
كان من أسوأ صور الفساد في مصر وجود هذا الجهاز الذي طغى على كل شيء، وأصبح المتصرف في مقدرات الشعب المصري دونما محاسب أو رقيب.
كان هذا الجهاز من أحط معالم الاستبداد والقهر.. فكلمته هي العليا وأمره لا يرد .. وهو الذي يأمر فيستجاب له، وينهى فلا يستطيع أحد أن يراجعه.
وتغوّل هذا الجهاز حتى أصبح المتحكم في كل شؤون الحياة في مصر السياسية والاجتماعية والحياتية والعلمية والاقتصادية بل والعبادية.. وأصبح مخبر أمن الدولة الجاهل يمنع أستاذ الجامعة من الاستجابة لدعوة المؤتمرات العلمية العالمية (وهذا الذي حدث معي).
لقد عذب هذا الجهاز شرفاء مصر في مقراته التي لم يكن لأي سلطة في البلد أن تعلم عنها شيئًا.. لقد قتل هذا الجهاز الكثير من كرام المجتمع (مسعد قطب، طارق غانم وغيرهما) دونما حساب.. بل ذهب به الأمر أن يخوف أهل الشهداء ويهددهم بالقتل والاعتقال إذا طالبوا بأدنى حقوقهم.. لكم عانت الأسر الكريمة من زيارتهم التي لم تكن تتم إلا بليل يعيثون في البيوت فسادًا وتخريبًا.
وتنفسنا الصعداء عندما تم حل الجهاز.. ولو تركوا الشعب يعبر عن مشاعره؛ لانتقموا من كل ضابط في هذا الجهاز ردًا على ما فعلوه من آثام لا تعد ولا تحصى.. ولكن أبى الشعب الكريم وعلى رأسهم الإخوان المسلمون (وهم أكثر الناس الذين أصابهم أذى تلك العصابة الإجرامية) إلا أن يحموهم ويسلموهم للجيش.. وانتظرنا جميعًا أن يتم الإعلان عن محاكمة هؤلاء الأوغاد الذين كانوا أكبر عامل في تخريب المجتمع المصري.. ولكن..؟!
فوجننا جميعًا بما لم يكن متوقعًا.. الإفراج عن هؤلاء القتلة السفاحين الذين عاثوا في الأرض فسادًا.. واختيار بعضهم خبراء للجهاز الأمني الجديد.
يا للهول... كيف هذا؟! لن يكون الشعب أبدًا مسرحًا لعبث هؤلاء المجرمين ثانية.
بالأمس، كان «البوليس السياسي»، وتغير اسمه إلى «المباحث العامة»، ولم يتغير جوهره؛ بل ازداد قهرًا وتقتيلًا وتعذيبًا، ثم تغير اسمه إلى «مباحث أمن الدولة»، واتسعت سلطاته حتى طغت على كل السلطات (التشريعية والقانونية والتنفيذية) وأصبح الحاكم بأمره.
كنا نأمل من السلطة الجديدة أن تراعي مشاعر الشعب، وأن تدرك أن ما يدور في هذا المجال لا يطمئن على الإطلاق، ولن يلقى قبولًا من أحد. ولكن في غفلة من الأحداث، يتم تكوين «جهاز الأمن القومي لمحاربة الإرهاب والتجسس» !!
والمعلوم في كل الدنيا أن «المخابرات العامة» (وهو جهاز كبير في مصر) هو المنوط به هذا الأمر.. ولقد كان للمخابرات العامة المصرية أدوار عظيمة سجلها لهم التاريخ.
أما الإرهاب.. هذا المسمى «الهيولي»، والذي لم يتم تعريفه إلى الآن؛ فقد حوكم به كل الشرفاء من قبل، ووجهت لهم تهم الإرهاب... فهل سيتواصل هذا المسلسل البغيض؟ وهل ستبقى تلك الشرذمة التي شوهت تاريخ مصر خبراء لهذا الجهاز الجديد؟!
يؤسفني أن أرى بعضهم على شاشات التلفاز، مثل المدعو «فؤاد علام» (الذي كان يعذبني شخصيًا أنا وإخواني ليل نهار في معتقل أبو زعبل) يقدم خبراته وأراءه وتعليقاته على الأحداث،«ونحن نرتب الآن لمقاضاته وأمثاله»!!
نهيب بالسلطات ألا تسمح بتكرار مأساة هذه الأجهزة المشبوهة، التي تناست أمن المجتمع، حتى سمحت للبلطجة أن تسود البلاد، وتتحكم في مقدراتها، بل ومن المؤسف أنه كان في هذا الجهاز السابق تنظيم خاص بالبلطجية وأصحاب السوابق والمجرمين؛ يفضون به المظاهرات ويزورون به الانتخابات، حتى أصبح هؤلاء المجرمون في حماية أكبر جهاز أمني في الدولة.
أما آن للأمة أن تتحرر من تلك الممارسات التي عصفت بكل مقدراتها ونسفت كل مقوماتها؟
هل سنعود لنعاني من التجسس على التليفونات، والتجسس على البيوت، وعلى الأشراف والحرائر؟
هل سنظل نتحسب من هؤلاء الأوغاد حتى في حجرات النوم وفي أخص خصوصياتنا؟!
هل سنسمح لهؤلاء أن يتدخلوا في حياتنا وجامعاتنا ومرافقنا دون ضابط أو قانون؟
هل سيظل القانون مكانه سلال المهملات، وقانون المباحث، هو الساري والمعمول به؟
هل سنظل نعاني من الأكاذيب وتلفيق التهم والقضايا للشرفاء وأصحاب الرأي؟
هل سيتم تزوير الانتخابات، وطمس الحقائق، ونشر الفضائح؟
على الشعب أن يحافظ على ما تحقق له من حرية، ودفع ثمنها مئات الشهداء وآلاف الجرحى، وألا يفرط في مكتسباته.. فـ«لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين»!