; ترويض النفس البشرية | مجلة المجتمع

العنوان ترويض النفس البشرية

الكاتب سمية رمضان

تاريخ النشر السبت 15-أكتوبر-2011

مشاهدات 59

نشر في العدد 1973

نشر في الصفحة 50

السبت 15-أكتوبر-2011

  • قصة سيدة أصيب ولدها بمرض خطير فداومت على قراءة القرآن والمسح عليه والدعاء وقيام الليل وصلة الرحم والصدقات حتى شفاه الله
  • لا ننكر الحسد لكن الله سبحانه أمننا بالمعوذات.. ويجب ألا ينزوي كل منا في حجرته خوفًا من الآخر والا ستنتهي حياتنا قبل أن تبدأ
  • ليس للشيطان سلطان على الإنسان.. وإن لاذ بالله تعالى بحق ستكتب له النجاة والحماية التامة

آية كنت أتوقف عندها كثيرًا، أريد أن أفهم مغزاها، وتمر الأيام ولا يتيسر لي فتح أي من كتب التفسير لفهمها، حتى فتح لي الكون صفحته وسلط الضوء على قصة سيدة كان فيها الخير الكثير لفهم ما أردت عمليا وحركيا وليس فقط نظريا. هي امرأة تزوجت، وكغيرها من النساء كانت تتشوق إلى الحمل والإنجاب، وحباها الرحمن بما تتمنى ورزقت بـ «عبد الرحمن»، طفل جميل أبهج حياتها وكأنها وزوجها لم يخلقا إلا من أجل إنجاب هذا الطفل الرائع، ولكنها كانت تلاحظ وجود انتفاخ ببطنه وبعض الزرقة على الجلد، فتخبر زوجها وكأنه لا يسمع شيئًا، فهو من حبه الشديد له يرفض عقله الباطن أن يكون بولده أي مكروه، ولكنها عرضت الأمر على والدتها التي حملته بالتالي إلى الطبيب الذي قال: إن هناك انسدادًا في الحالب يؤدي إلى رجوع بعض البول إلى الكلى، وبدأ مشوار العلاج المضني المهلك، طفل له من العمر سنتان، كلما انطفأت جذوة حرارته ترتفع مره أخرى.. وهكذا.

وحملت في طفلتها الثانية وأنجبت، ولكن جل وقتها كان في المستشفى مع ولدها حتى بلغ الثانية عشرة من عمره، وهنا بدأت المعاناة الحقيقية.. فقد ساءت حالته، فتم عمل فتحة له من أجل بداية عذاب غسيل الكلى، الذي كانت تقوم به بنفسها، حتى إنها كانت تنام على الأرض بجانب الجهاز خوفًا من أن يتوقف عن الغسل، وتذهب أسبوعيًا إلى المستشفى لإحضار كراتين أكياس الغسيل، وكانت تتزود من خزانة صبرها حتى تكمل مسيرتها مع فلذة كبدها، حتى حدث ما حدث، فقد بدأت الدماء تخرج من كل فتحات جسده النحيل حتى الأذن والأنف وبدأت أكياس من السائل الأصفر تخرج في أقدامه مع تحوله إلى دماء بعد ذلك، وسقط الأمر في يد الجميع، وتحول الولد إلى العناية المركزة، ليخبرها الطبيب أن ابنها قد أصيب بـ «درن»، وأن الدرن قد وصل إلى المخ.

وليس ذلك فقط، بل تركهم الطبيب المختص لمدة أسبوع كامل بسبب انشغاله الشديد، وهي تنظر إلى ولدها يتلوى ولا تتوقف عن البكاء والنحيب، حتى قال لها «عبد الرحمن» وهو يصرخ من الألم: لو كنت ابن الطبيب لأتي على الفور، وكانت أفاقت على أثرها من دوامة اليأس والصدق وعنفوان القنوط، وبركان الدموع، وقالت له: أنت لست بولده، ولكنك عبد لله القادر، قل معي: «رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمي».

 تركته يرددها وهرعت إلى الغرفة المجاورة تنادي الله أن ينقذ ابنها وتشعر ألا ملجأ من الله إلا إليه، وتروض نفسها على سؤال الله بإخلاص كامل، وتعاهدت مع هذه النفس بعد أن أشعرتها بالطمأنينة في قدرة المولى على شفاء «عبد الرحمن»، ألا يسمحا لأي طبيب أن يفقدهما هذا الشعور المطمئن الرائع، وأخذت تردد: «عبد الرحمن سيشفيه خالقه»، وخرجت من الحجرة ليس لولدها، ولكن إلى أقرب محل لشراء العصائر والمياه والفطائر ووضعها بأكياس وتوزيعها على العمال المطحونين تحت أشعة الشمس الحامية، ورجعت إلى ولدها بأجمل هدية: «فاتحة الكتاب».. أخذت ترددها على مسامعه مع مسح جسده بيدها اليمني طالبة منه أن يرددها دومًا ووضعت بجانب فراشه أدعية والله رسول الله ﷺ يرددها جهاز تسجيل صغير «كاسيت» بصفه دائمة، ولزمت هي الاستغفار.

فرج الكرب

وجاء الطبيب أخيرًا وأراد أن يتحدث معها وهي تهيئ نفسها برفض كل ما سيقول، فهي واثقة في فضل الله، وتهيأت لليقين بما يسر مهما كان ولكنها فوجئت باعتذار الطبيب، فهناك خطأ في التشخيص وولدها غير مصاب بالدرن أصلًا، ويمكنها أن تصحبه إلى المنزل مع المداومة على غسيل الكلى.. سجدت لله وحده شاكرة، ورددت: «رب إني لما أنزلت إلي من خير فقيرة، إني سألت الشفاء التام «يا رب»، وشعرت بصدى ترديد يا رب يجتاح نفسها ليشمل الكون بأسره ورجعت لغسيل الكلى لمدة ثمانية أشهر، وهي تصل الرحم وتقري الضيف، وتطعم الطعام، وتصلي بالليل والناس نيام. 

وفي يوم أبلغتها الطبيبة بإمكانية زراعة كلية لولدها منها أو من أبيه، وفورًا بطمأنينة كاملة بالله كانا يقومان بالفحوصات ووقع الاختيار عليها، وأثناء دخولها وولدها إلى غرفة العمليات قالت بنفس الروح «يا رب، أنت الصاحب معنا وليس لدينا سواه، اللهم هب «عبد الرحمن» لي». 

ونجحت العملية، وولدها الآن في الثانوية العامة يتمتع بصحة جيدة، وكما تذكر فهو من أحن أولادها عليها وعلى أبيه، وأكثر أولادها برًا بهما، وتقول: إنه في العيد أحضر هدايا الأطفال المستشفى اعترافًا بفضل الله عليه وتقول عن ذلك :كانت عيناي وأنا أراه يوزع الهدايا تدمع فرحًا أن لي ربًا يسمع ويبصر ويقدر.

هذه هي التزكية التي فهمتها.. تزكية قادت السيدة وولدها لكل الخيرات، مع مرضاة الرحمن مع الشفاء التام.

الارتقاء بالعقيدة

ونتوقف عند محطة أخرى من محطات حياة نفس السيدة، لنعلم ما تعانيه النفس في مراحلها المختلفة، وكيف أنه يمكننا ترويضها لتصبح إنسانة ترتقي بعقيدتها وإيمانها ولا تتدحرج بين آراء وأهواء من حولها بقلة فهمهم.. فهي تقول: بعد إنجابي لطفلتي، أردت أن أذهب إلى عائلتي ببلدي، حيث إن زوجي يعمل ببلدة أخرى، وكانت الحفاوة بقدومي كبيرة، وفي لحظة وأنا على الشاطئ معهم شعرت بانقباض في صدري وخوف شديد، فرجعت إلى المنزل من فوري، فقالوا لي: لعله أصابتك عين واحتضنك الحسد وازدادت حالتي سوءًا، وأحاط برأسي سوار الحسد كما اعتقدت منهم، وأخذ يضيق ويضيق، وعجلت سفري لبلدي، وأخذت أفسر كل سكناتي حتى تنفسي بالحسد وكدت أن أفقد حياتي الزوجية، بل فطمت ابنتي وهي ابنة 3 أشهر، وبدأ من حولي يرسخون هذه الفكرة في وجداني.. واحدة تقول: لقد حسدوا زوجي فمات بعد فرح حضرناه مع الأهل.. والأخرى تقول: كان ابني جميلًا فحسده أهلي وجيراني فأصيب بالمرض وفشل في دراسته.. وأخرى تؤكد على ما يقولون: إن ابنتها قد تأخر زواجها، وكلما أتى لها عريس يهرب فقد أصيبت بالعين والحسد.. مما جعلني أبتعد عن كل الناس وأغلقت علي غرفتي، لا أريد أن يراني أو أولادي أي أحد، وحالتي تزداد سوءًا.

سؤال الله

وفي يوم وأنا أصلي، سألت ربي عز وجل: لماذا خلق عيون البشر؟ هل ليشقى الآخرون؟! وعندها أفقت، فأنا من البشر، فكيف إن خلقني - سبحانه - بلا عيون؟! فدعوته أن يكشف ما بي ويريني الحق من الباطل وتذكرت شيخًا أعطاني الناس هاتفه حتى أذهب إليه، وبالفعل اتصلت فقال لي: بالفعل أصابتك عين شريرة، ويمكنك الحضور عندي لأشفيك، أغلقت الهاتف وأنا أردد: «يشفيني.. هل هذا الرجل يعني ما يقول، إن ما يقوله فيه خلل بالعقيدة».. فلم أذهب إليه والحمد لله على ذلك.

فقد قررت الاستعانة بنفسي في قراءة القرآن والإكثار من النوافل والدعاء باضطرار إلى ربي العظيم، فساق لي -سبحانه- داعية علمت بحالي واحتجابي، فأرادت أن تعودني في مرضي سمحت لها بزيارتي وأنا حذرة أن تجد شيئا عندي تحسدني عليه فتركت منزلي غير مرتب وغير نظيف وكذلك أولادي.. دخلت الداعية بيتي وعلمت بحالي، فابتسمت ابتسامة لن أنساها طيلة عمري، فقد كانت ابتسامة الخير التي لمست شغاف قلبي، فقد سألتني: هل عرضت نفسك على طبيب؟ فأجبت بالنفي، قالت: سبحان الله كيف أسرك هذا الشيطان في كهف الافتراءات، واتهام الناس بالباطل؛ هذا حسدني وتلك حسدتني؟ ألم يعلمنا رسول الله ﷺ ترديد المعوذات صباحًا ومساءً لنعيش حياتنا بشكل طبيعي، ونتأكد أننا في معية الرحمن، ولن يستطيع بشر أن يصيبنا بما تقولين؟!

ونظرت إلى قائلة: هيا لنرى رواية هؤلاء الناس التي ترددينها عن الحسد تحت مجهر الحقيقة، فهذه المرأة التي توفي زوجها بسبب عيون الناس، هل يمكن لنفس أن تموت إلا بإذن الله؟ ألم يكتب عمره أصلًا قبل ولادته وقلبه في دقاته كأنها قد تم ضبطها على عدد محدود من الدقات، وهذا هو شاحن بطارية القلب وبمجرد انتهاء الشحن سيتوقف فجأة كساعة الحائط التي تتوقف فجأة بمجرد توقف بطاريتها، ولن يتأخر ثانية ولن يتقدم ثانية هل تؤمنين بذلك؟ قلت: بلى، فقالت: أين محل الحسد هنا من الإعراب؟ قلت: لا محل له.

دعوة لقطيعة الأرحام

وأرادت أن تتحدث عمن كان ابنها جميلًا، فأشرت لها أن رسالتها وصلتني ولست بحاجة إلى المزيد ربتت على كتفي بحنو شديد وقالت بثقة: هل عندك ملك سليمان أو نبوة إبراهيم وأولاده الأنبياء والمرسلين؟ وهل وهل وهل..؟ وأنا أجيب بالنفي، فقالت: إذًا لماذا يتمنون زوال النعمة عنك فيما أنجبت؟ ولماذا يتمنى لك أهلك التعاسة ولا يحبون لك الخير وقد أمرنا الله تعالى ورسوله ﷺ بصلة الأرحام؟ إن ما ينشره الآخرون عن هذا الحسد المزعوم فيه دعوة سافرة لقطيعة الأرحام، قلت لها: هذا ما حدث بالفعل، فإني لا أرد على تليفوناتهم حتى لا يسألوني عن حالي، فيعرفوا أي نعمة جاءت لي فيحسدوني عليها. 

قالت - بارك الله فيها -: أخرجي من شرنقة الأقوال التي اعتادها كثير ممن حولنا، فهي تتنافى تمامًا مع شرعنا ومعتقداتنا الصحيحة، نحن لا ننكر الحسد ونستعيذ منه في صلاتنا، وقد أمننا سبحانه بالمعوذات، المهم أن نتيقن من وعد الله الحق وإلا سينزوي كل منا في حجرته خوفًا من الآخر كما فعلت أنت تمامًا، وستنتهي حياتنا قبل أن تبدأ، قلت لها دامعة بالفعل، انتهت حياتي.. مسحت لي دموعي ومدت يديها وقالت: روعة الحياة تناديك، وأعطتني اسمًا لطبيب، وانصرفت وكأنها أزاحت عن قلبي هما كالجبال الشامخة. 

اقتنعت بما قالت تمامًا، وذهبت للطبيب وبعد عدة تحاليل وجد نقصًا في أحد الفيتامينات، ونقصه يؤدي لكل ما أشعر به وما هي إلا عدة أيام من تناول هذا الفيتامين إلا وشفاني سبحانه، وكأن شيئا لم يكن، وأنا من كنت سأهدم حياتي وبيتي وأخسر زوجي وأولادي.

ترويض النفس

من يومها، روضت نفسي ألا تقبل أمرًا إلا بعد أن تكشف عن صحته من أقوال الرسل وشريعة الرحمن، كم كان الأمر سهلا لو كنت تعاملت معه بالمعرفة، فقط قالت لي آية غيرت مجرى كل تفكيري: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (الأعراف:34)، هذا نصها في «الأعراف» وذكرت في «يونس»، وأيضًا في «النحل».. يا الله! أين كنت من قراءة القرآن؟! فهذا قول حق كيف غاب عني؟ ولكن الله أذن لي بهذا الخير من كثرة دعائي وتوسلي له أن يهديني سواء السبيل.

استمعت لها وقد جال بذاكرتي في ثوان كل من عان من سيطرة فكرة الحسد علي عقله فشلت تفكيره، وأصبح يتصور أن فلانًا يمكن أن يضر بل عينه وليس فعله، ولم يفكر قليلًا في حماية الله العظيم للمؤمن، أحببت أن يقرأ الجميع كل ما قالت تلك السيدة، فقد عرضت على مسرحها الكثير مما نلاقيه في دنيانا وعالجتها بترويض النفس ونجحت وهذا هو ما يميز الإنسان، فليس للشيطان سلطان عليه إن لاذ بالله تعالى بحق، ستكتب له النجاة والحماية التامة، وكلما عمرنا تعرضنا وسنستمر في ترويض أنفسنا إلى أن نلقى الله وهو عنا راض، وحتى نسعد في دنيانا بحق ولا نتعس بجهل.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 73

111

الثلاثاء 17-أغسطس-1971

أكثر من موضوع (العدد 73)

نشر في العدد 82

140

الثلاثاء 19-أكتوبر-1971

في ظلال شهر الصوم

نشر في العدد 247

101

الثلاثاء 29-أبريل-1975

ألا سَحقاً للمثبطين