العنوان من أجل تأصيل ثقافة الوحدة والتآخي: العمل الإسلامي.. رؤية مستقبلية
الكاتب د. أحمد يوسف
تاريخ النشر الثلاثاء 24-نوفمبر-1992
مشاهدات 54
نشر في العدد 1026
نشر في الصفحة 35
الثلاثاء 24-نوفمبر-1992
· إننا يجب ألا ننسى
الدور الذي يمكن أن يؤديه تكتيل الأمة حول قضاياها المشتركة في فلسطين والبلقان
وباقي بلاد الإسلام.
شهدت السنوات الأخيرة العديد من
التطورات والتحولات والأحداث على الساحة الدولية والإسلامية والعربية، دفعت في
اتجاه التفكير في ماهية النظام الدولي للعقود القادمة، وانعكاساته على ماهية العمل
الدعوي والسياسي والمؤسساتي للحركية الإسلامية[1]،
كما أن الأيديولوجيات العلمانية والعسكرتاريا السياسية المتوطنة في شرقنا الإسلامي
ستتكيف أدوارها ولغة خطابها مع النظام العالمي الجديد، بما يحفظ لها وجودها
وديمومة بقائها، وسيكون لها مع الحركة الإسلامية منهج للتعامل يختلف رداؤه عما خَلِق
من أساليب سابقة في الترغيب والترهيب، وهذا يستدعي رؤية مبكرة للمخاطر، ووعيًا
راشدًا بما يمكرون، واستنهاضًا عاجلا لحماية الثغور والمكتسبات، وتعبئة الجبهات
ورص صفوفها، وتوحيد رؤاها في التحرك والمواجهة، وهذا كله لن يتسنى إنجازه دونما
تخطٍ حقيقي لمشاكل الحركية الإسلامية، وإعمار جاد لما تهدم من جسور الثقة
والموالاة بين كافة فصائل الحركية الإسلامية في العقدين أو الثلاث الماضية، وخاصة
إبان حرب الخليج.
إن هناك- بدون شك- ملامحًا لجهود
صادقة تهدف إلى ترشيد العمل الإسلامي، وتصعيد مستوى الاستجابة للتحديات المطروحة
في وجه نهضة الأمة وعودتها لإمساك الخطام، والقيام بمهام الخيرية والشهادة على
الناس، وهذه الجهود تشارك فيها كافة فصائل الحركة الإسلامية باستعدادات متباينة،
تعكسها درجة إيمان كل منها بمصداقية الآخرين وجدية عروضهم، لكن التطلعات إلى أفق
العمل الوحدوي قائمة وناهضة تنتظر جهة أو شخصية يحترمها الجميع، لتبدأ مشروع
الوحدة هذا، وفق ضوابط ومرئيات يتفق الجميع عليها، ولكن إلى أن يأخذ هذا المشروع
أبعاده الحقيقية لابد وأن تبدأ الحركات الإسلامية في إعادة صياغة سياساتها في
التعامل مع الآخرين والنظر إليهم، كما أن عليها معاودة تنهيج أساليبها التربوية
وطرائقها التنظيمية والفكرية بما يتساوق ويتناغم مع هذه التطلعات الوحدوية والنظرة
العالمية الإسلامية.
إن الوقوف على مشارف مرحلة تتكافأ
فيها دماء المسلمين وجراحاتهم، وتتعاضد عندها مجهوداتهم وحدية سيوفهم على من
عاداهم، تتطلب منهم الخروج بالعالمية الإسلامية من تلكؤات الممكنات النظرية إلى
إمكانات الممارسات العملية، وهذا يستدعي استيعاب التعددية -دون حرج- وارتضاءها
كأحد مقومات النجاح للتنظيم العالمي الذي يمثل حالة متقدمة في اتجاه تحقيق الوحدة
السياسية بين كافة الأقطار العربية والإسلامية، ولكن تظل هناك العديد من التحديات
والمعوقات الداخلية والخارجية لابد من تخطيها والتغلب عليها للوصول إلى مشارف
العالمية الإسلامية، وهذه التحديات والمعوقات هي:
1- خارجية: وهي التي تعكس حالة التمزق والاهتراء التي
أصابت الأمة الإسلامية والعربية، من جراء الجهل والتعصب والمصالح الضيقة للحاكمين،
وتسببت في:
أ- التبعية السياسية والقابلية
الاستعمارية للغرب.
ب- الهيمنة الاستعمارية، سياسيًا،
واقتصاديًا، وثقافيًا.
ج- الوجود المبطن للاستعمار
الصليبي الغربي في المنطقة العربية.
د- العلو والإفساد اليهودي،
والهيمنة الإسرائيلية الصهيونية على المنطقة العربية عسكريًا.
2- داخلية: وهي التي تتركز عليها الجهود ابتغاء الخروج من
ظلاميتها والخلاص من جواذبها وقيودها، ومنها:
أ- تعددية المناهج التغييرية وعدم
تكامليتها.
ب- تخطئة الآخرين واعتماد منهج من
ليس منا فهو من أعدائنا.
ج- غياب الإحساس بالفهم الإسلامي العالمي والانشغال بالجزئيات والإقليميات.
د- تقاعس روح الجهاد والاستشهاد
على مستوى الأمة.
هـ- ضبابية الحدود الفاصلة في
عقيدة الولاء والبراء، وارتهانها للحالات السياسية الرسمية في كثير من الأحيان.
و- الانسياق والتدافع أحيانًا خلف
الفتات السياسي، ومباركة الرسميات السياسية، برغم بخس العطاءات المعروضة للترويض
واكتساب الشرعية.
ز- انعدام التنسيق والعمل الوحدوي
بين معظم تنظيمات الحركية الإسلامية.
سبل الاستجابة والخلاص
1- ارتضاء التعايش مع وجود التعددية والاختلاف والاعتراف
بوجود الآخر.
2- وحدة قوى «الحركية الإسلامية» التنسيقية في تنظيم
عالمي، كمدخل للعالمية الإسلامية.
3- إشاعة روح الحوار بدلًا من روح المواجهة بين مكونات
الأمة وفصائلها المتعددة، والسعي لتمتين العلاقات بينها.
4- توطين الشعور بالهم الإسلامي العالمي، وهو غياب
الإسلام عن الحكم والثقافة كخلافة وحضارة.
5- التحرك في مشروع الجهاد الفكري لمواجهة التآمر الصليبي
الصهيوني الغربي.
6- امتحان مواقف الحكومات وجدية طروحاتها في التعامل
الجهادي مع الاستعمار الجديد في شرق وغرب العالم الإسلامي: أمريكا وإسرائيل.
7- رهن التجاوب الإسلامي الشعبي بالمناصرة أو المدافعة عن
الرسميات السياسية بما تقدمه من تسهيلات ومواقع للحركية الإسلامية تعجل في عسكرة
الأمة، وابتداء جهادها في محطات المواجهة المفتوحة في البوسنة وفلسطين.
خطوات على الطريق
إن المرحلة التي تمر بها الأمة
الإسلامية الآن تتطلب نوعًا من التعاون والتضامن والعمل بروح «الوحدة من خلال
التعدد» وارتضاء التعايش برغم استقلالية كل حركة أو تنظيم بذاته ومناهجه وأفكاره،
إن كل ما نرجوه -كطلب عاجل- لإيجاد صراط إسلامي واحد للدعوة والعمل، هو أن يكون
هناك نوع من التفاهم والتنسيق بين جماعات الحركية الإسلامية، وخاصة في القضايا
العامة وفي أمور السياسيات ليكون موقف المسلمين واحدًا، وصفهم -أمام أعدائهم
وشانئيهم- متراصًّا قويًا، وكلمتهم تسمعها العواصم، ويحسب لها الحساب.
إذن فالرؤية العامة للاتجاه
الإسلامي الحركي يجب أن تتجاوب مع مفهوم التعددية كمظهر مصاحب لحالة الالتقاء
والتقارب، وكآلية حركية تقبلها يعجل بالانتقال إلى رحاب الوحدة، ويعطي مساحات
للتفاهم والتحرك في اتجاه إتمام مشروعنا المستقبلي، بخلاص بلادنا من الاستعمار
الصليبي الصهيوني الغربي، واستعادة صرح خلافتنا الراشدة، وإشادة عمران حضارتنا من
جديد.
أسس وضوابط العمل الوحدوي
وإذا انتهينا من قبل التعددية
كمدخل لوحدتنا، فإنه لكي يتأصل هذا العمل الوحدوي فلابد أن يكون له أسس
وضوابط نفسية وفكرية ومنهجية، وإن أي عمل لا يقوم على أسس وضوابط واضحة فإنه
سيتداعى وينهار، ومن هذه الأسس والضوابط:
أولًا: إحسان الظن بالمسلمين
الآخرين العاملين في الحقل الإسلامي على صعيد الأفراد والحركات.
ثانيًا: الوضوح في الطروحات تجاه
التعامل مع المشاكل والقضايا الكلية للمسلمين.
ثالثًا: العمل من خلال مؤسسات ذات
تقسيمات نوعية بإسهامات جماعية في كل المجالات السياسية والمالية والعسكرية.
رابعًا: المفاضلة بين خيارات
الخطاب السياسي والدعوى، والالتزام بخط الإجماع والأغلبية، على أن يكون ذلك وفق
عمل شوري يجسد روح الفريق، ويعمل فيه الجميع على قاعدة «لا تفتاتون بمشورة، ولا
تقضي دونكم الأمور».
وحين تبدو وحدتنا هدفًا مرجوًّا
للجميع، ورغبة صادقة لكل العاملين في الحركة الإسلامية، فإن علينا التركيز -عبر
كافة فصائل وتنظيمات الحركة الإسلامية- على النقاط التالية:
1- التأكيد على وحدة الأصل والمسيرة والأهداف، وإن تفاوتت
«اليافطات» التنظيمية.
2- غرس القيم الأخلاقية والتضحية بالمصالح الذاتية
والحزبية.
3- وضع الأمة أمام أهدافها السامية، ووظائفها الكبرى،
وتوسيع دائرة الرؤية الحضارية.
4- إبراز مقاييس التفاضل الحقيقي بين الناس من التقوى
والعلم والجهاد.
5- الدفع نحو التأكيد على نقاط الالتقاء والتعايش.
6- التربية على أسلوب المحاورة البناءة، وأدب الاختلاف،
واحترام رؤية الآخر.
7- توسعة مساحات النقد الذاتي، وتثمين التجارب الناجحة
لقوى التغيير الأخرى.
إننا يجب ألا ننسى الدور الذي يمكن
أن يؤديه تكتيل الأمة حول قضاياها المشتركة في فلسطين والبلقان، وباقي بلاد
الإسلام، إننا نمتلك كل عوامل الوحدة الحقيقة على الصعيد العقائدي والعاطفي
والأخلاقي والسلوكي والوطني، ويجب ألا تمنعنا بعض الاختلافات في الرأي والاجتهاد
من أن نتكاتف ونتعاضد في وجه عدو أمتنا، وقد شحذ لنا السلاح يبغي هلاكنا حيث لا
تفاضل سيوفه بين قسمات الفكر في وجوهنا.
إن عقيدتنا وأنظمتنا
وإستراتيجياتنا السياسية تدعونا إلى التوحد كمدخل إلى العالمية الإسلامية، فلماذا
التواني والحيرة؟
لقد أصبح من الضروري أن تطرح
الحركات الإسلامية موضوع الوحدة الإسلامية (التنسيقية) طرحًا جادًّا، انطلاقًا من
وعيها التام بخطورة ما يبيت لها، وإدراكًا لأهميتها في إعطاء دفعة قوية للحالة
الإسلامية؛ كي تواصل صعودها واتساعها أفقيًا على مستوى الجماهير، ورأسيًا في اتجاه
بناء المؤسسات والمشاركة في السلطة لهدف استكمال وإصلاح مقومات البناء الحضاري
للأمة.
إن المؤتمرات والندوات والملتقيات
الإسلامية التي يتداعى لها مفكرو الأمة وقادتها لمناقشة قضايا الصحوة والنهضة
والتغيير، إنما هي إرهاصات على طريق الوحدة الفكرية والتربوية والتنظيمية، كما
أنها تهيئ المقدمات لعودة الخيرية لـ «خير أمة أخرجت للناس» إيذانًا لتخطي «حسابات
الفصائل» إلى أفق الشهود الحضاري الذي تجسده إيقاعات النداء الإلهي العظيم: ﴿لِتَكُونُوا
شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (البقرة:143) الإمامة الوسطية التي تتعاضد بمفاهيمها العطاءات
التنظيمية، وتتكامل معها المناهج التربوية الحركية، وتتناصر فيها المواقف للهم
والجرح الإسلاميين لإنجاز مشروع المكانة والخيرية والشهود.
[1] الحركية الإسلامية يرمز بها إلى الحركات الإسلامية التي يتضمن خطابها
الدعوة توجهات سياسية جهادية واضحة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل