العنوان ملاحظات حول الانتخابات التركية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 21-يونيو-1977
مشاهدات 99
نشر في العدد 355
نشر في الصفحة 10
الثلاثاء 21-يونيو-1977
• «حزب السلامة الوطني» ما زال المفتاح لتشكيل الحكم في تركيا
• «حزب السلامة الوطني» تراجع ظاهريًّا والوقائع تثبت تقدمه
• حملات ضارية ضد التطلعات الإسلامية للشعب التركي
بعد ظهور نتائج الانتخابات التركية سئل المجاهد «أربكان» زعيم حزب السلامة الوطني عن أسباب تراجع حزبه فقال بكل صدق وإيمان: «إنه التقدير الإلهي».
وبالطبع لم يعجب هذا القول الماسونية المتنفذة في تركيا فشنت عليه حملة عبر إعلامها تنتقد تعليقه الصادق.
وطبقًا للفهم الإنساني المحدود نعرض هنا بعض مسببات التراجع التي وصلت إلينا من المصادر المطلعة على الأوضاع السياسية التركية.
أولًا: قواعد اللعبة الانتخابية لصالح الحزبين الرئيسيين:
• إن أحد أمراض التطبيق الديمقراطي هو إمكانية تحريف القواعد والأعراف الانتخابية طبقًا لمصالح القوى المتسلطة. فمثلًا في النظام الديمقراطي الأمريكي تبرز ظاهرة قيام الحزب الأقوى بتوزيع المناطق جغرافيًّا لخدمة مصالحه.
وإن من أسوا هذه التحريفات في تركيا هي «نظام النِّسب».
ونظرًا لتعقيدات هذا النظام نوجز القول بأن عدد المقاعد البرلمانية يتحدد بالنسبة لعدد الناخبين في كل منطقة. وهذه النسب موزعة لصالح الحزبين الرئيسيين، والجدير بالذكر أن واضعي هذا النظام هما «عصمت إینونو» و«سليمان دیمیریل»، وكلاهما من الكماليين الماسونيين.
• وعند إلقاء نظرة فاحصة على العمليات الحسابية الانتخابية يتضح أن كلًّا من «حزب العدالة» و«حزب الشعب الجمهوري» حاز مقعدًا برلمانيًّا مقابل كل ۲۸ ألف صوت تقريبًا، بينما حاز «حزب السلامة الوطني» على المقعد البرلماني الواحد مقابل ٥٣ ألف صوت تقريبًا.
• ويستنتج من هذا أن العدد الفعلي لمقاعد «حزب السلامة الوطني» يجب أن يكون ٤٨ مقعدًا. وفيما يلي جدول يضم الأعداد الإجمالية للأصوات التي حازت عليها أهم الأحزاب التركية:
حزب الشعب الجمهوري ٦,١١٧,٢٨٠
حزب العدالة ٥,٤٥٧,٦٤٩
حزب السلامة الوطني ١,٢٨٩,٩٦٩
حزب الحركة القومي ٩٨١,٥٧٤
• وتبرز حقيقة تقدم حزب السلامة الوطني الفعلي بمقارنة عدد الأصوات التي حصل عليها بأصوات حزب العدالة. فيتضح أن حزب السلامة الوطني قد حاز على ما يقرب من ربع أصوات حزب العدالة.
• فمن المفروض أن يكون له ربع عدد المقاعد البرلمانية التي حصل عليها حزب العدالة أي ما يزيد عن ٤٧ مقعدًا.
• ومن هذا يتبين عظم الضرر الذي حاق بحزب السلامة نتيجة لنظام النسب.
ثانيًا: دور القوى الخارجية:
استعرضنا في العدد الماضي أهم القضايا التركية ذات الارتباطات الدولية ووصلنا إلى أن أهم هذه القضايا: تدخلات القوى الدولية.
وهدف هذه التدخلات هو مجابهة ازدهار «حزب السلامة الوطني»، خاصة بعد أن اتضحت توجهات قادة هذا الحزب الإسلامية، ومواقفهم الصلبة تجاه قضية قبرص، والتقارب الإسلامي ودعوتهم إلى التصنيع الثقيل بمساهمة الرأسمال العربي الإسلامي. ولقد كان لكل من أمريكا والاتحاد السوفييتي وأوروبا دور في هذه التدخلات.
• فكان التنسيق بين حزب «أجاويد» الاشتراكي الديمقراطي ومنظمة الاشتراكية الديمقراطية الأوروبية.
• وكان التشاور بين حزب «ديميريل» ودول حلف الأطلسي.
• وكان الاتفاق ما بين «أجاويد» و«دیمیریل» على التعجيل بإجراء الانتخابات لإرباك «حزب السلامة الوطني».
• وكان الاتفاق الكامل ما بين «حزب الشعب الجمهوري» وكل من «حزب العمال» و«حزب الاتحاد» (الشيوعيين).
• وكانت الحملات الإعلامية في الصحافة الأمريكية والأوروبية ضد «حزب السلامة الوطني»،ومحورها انتماء الحزب إلى الإسلام وتطلعاته نحو التخلص من الاستعمار الأوروبي الاقتصادي والثقافي.
وقد لخصت الصحيفة الأمريكية «لوس أنجلس تايمز» موقف الإعلام الغربي من أربكان وحزبه بقولها:
«إن احتمال ضم أربكان إلى الحكومة يحدث قشعريرة وشكوكًا في بعض الأوساط السياسية التركية، وفي كواليس معظم السفارات الغربية في أنقرة؛ لأن أربكان يقف ضد أي تسوية في قبرص، وهو ضد السوق الأوروبية المشتركة، ويريد تحويل اتجاه تركيا عن الغرب والعودة بها من جديد إلى تراثها الإسلامي والشرقي، ويبدو أن أربكان غير عابئ بتأثير موقفه المتصلب من قضية قبرص على العلاقات التركية الأمريكية التي ينتابها التوتر، فهو يقول: على الولايات المتحدة أن تصحح الأخطاء الكثيرة التي ارتكبتها بحق تركيا، ولا نزال ننتظر منها رفع حظر بيع الأسلحة.
ثالثًا: حزب الحركة القومي:
حصل هذا الحزب على ١٦ مقعدًا برلمانيًّا بعد أن كان له ثلاثة مقاعد فقط. وقد بلغ عدد الأصوات الانتخابية التي حصل عليها ٩٨١,٥٧٤ صوتًا، وينطلق هذا الحزب من قاعدة القومية التركية المتطرفة، ولكنه بدأ يتخذ بعض المواقف الإيجابية نحو القضايا الإسلامية في تركيا، ويتزعم هذا الحزب ألب أرسلان ترکش، وهو عسكري له شعبية في أوساط القوات المسلحة، وقد قام حزبه بتبني بعض تصورات حزب السلامة الوطني، وخاصة حول مقاطعة السوق الأوروبية المشتركة والتصنيع الثقيل والتقارب مع الدول الإسلامية.
وبهذا يكون حزب السلامة الوطني قد فقد جزءًا من قاعدته الانتخابية، وهي تلك التي انتقلت إلى صف حزب الحركة القومي.
رابعًا- موقف بعض الفئات الدينية من حزب السلامة الوطني:
اتخذت بعض الفئات الدينية موقفًا سلبيًّا تجاه «حزب السلامة الوطني» بل وصوّت بعضها لحزب العدالة. وتبرر هذه الفئات موقفها هذا بضرورة مساندة حزب العدالة؛ للحد من الفارق الكبير بينه وبين الحزب الرئيسي الثاني حزب الشعب الجمهوري؛ مما سيعطي حزب السلامة الوطني فرصة أكبر في الاشتراك في حكومة ائتلافية.
والتبرير الآخر هو تعهد حزب العدالةبتحقيق بعض المطالب الإسلامية؛ ولذا فقد فاز ما يقارب من ٥٠ نائبًا في قائمة حزب العدالة، من المنتمين للفئات الدينية الإسلامية وبينهم حوالي ١٣ من علماء الدين.
وأما المحصلة النهائية لتفاعلات الانتخابات التركية فتنحصر في:
• اتساع قاعدة حزب السلامة الوطني.
• زيادة التصاقه بالقضايا الإسلامية.
• بقاؤه المفتاح الأساسي لتشكيل أية حكومة قادمة في تركيا.
• ازدیاد عدد النواب ذوي الاتجاهات الإسلامية.
• وتبقى في الساحة التركية فرضيتان لتشكيل الحكومة القادمة:
١- ائتلاف ما بين حزب السلامة الوطني وحزب الشعب الجمهوري.
٢- ائتلاف ما بين حزب السلامة الوطني والحركة القومية والعدالة.
• الفرضية الأولى سقطت بعد تصريح أربكان بأن اجتماعه مع أجاويد قد حالفه الفشل.
• وتبقى الفرضية الثانية.
وإلى الأسبوع القادم بإذن الله تعالى.