العنوان أي حال أصبحت العدالة في تونس؟
الكاتب هيثم الكحيلي
تاريخ النشر الخميس 01-يناير-2015
مشاهدات 58
نشر في العدد 2079
نشر في الصفحة 29
الخميس 01-يناير-2015
ميزانها المختل يقود البلاد نحو الهاوية..
القضاء أدان "زين العابدين بن علي" في قضية تعاطي مخدرات وأرجأ نظر قضايا القتل والتعذيب!
انحدار قيم العدالة في تونس ظاهر في كل مكان لاسيما بعد تبرئة رموز نظام "بن علي"
اختلال ميزان العدالة لا ينحصر في القضاء فقط بل يمتد للقوانين وواضعيها والسلطة التنفيذية ومؤسسات جمع الأدلة
أحكام القضاء مسيَّسة حيث برَّأت مَنْ مارسوا التعذيب طيلة 5 عقود ولا أمل في محاكمتهم مستقبلاً
في تونس.. إذا سرق الشريف تركوه وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد!
بغياب العدالة سيسود تونسَ قانونُ الغاب وتعم الفوضى
تونس: هيثم كحيلي
في تونس مظلومون في السجون، وظَلمة طلقاء، ورجال فوق القانون، وقوانين فصلت على مقاس الظالمين، وأعين ترقب كل هذا بحرقة على العدالة المتهاوية، وصبر يكاد ينفد، ولا طاقة لتونس بنفاد هذا الصبر.
تكمن معالم "انحدار قيم العدالة" بتونس في قيام سياسيين بتحذير أكبر (أو ثاني أكبر) حزب سياسي في البلاد من أنه في حال ممارسته لحقه (أو واجبه) السياسي الطبيعي البديهي، ودفعه بمرشح للانتخابات الرئاسية؛ فإنه سيقوم بتقسيم المجتمع، وسيشارك في إيصال الدولة التونسية إلى اللحظة التي وصلتها مصر قبل أيام قليلة من حدوث الانقلاب العسكري، وربما في إيصال تونس إلى تلك الأيام السوداء التي يعيشها الشعب المصري بعد انقلاب 3 يونيو 2013م، أو ربما إلى تلك العشرية السوداء التي عاشها الشعب الجزائري بعد أن مارس حقه السياسي الطبيعي، واختار من يعتقد أنهم الأجدر بإدارة الدولة في مطلع التسعينيات من القرن الماضي.
القضاء "الشامخ" مجدداً!
وانحدار قيم العدالة في تونس لا يمكن أن يلخص في هذا الواقع السياسي الذي رضخ له حزب حركة النهضة عبر امتناعه عن ترشيح أحد أبنائه للانتخابات الرئاسية، وحتى عن دعم أحد المرشَّحين الآخرين، وإنما يمكن أن نلمسه في كل مكان، وخاصة في حرقة تكاد تنطق من أعين الناس وهم يرون صهر الرئيس الهارب، سليم شيبوب، وهو يخرج من المحكمة معززاً مكرماً، بعد أن قضت بسجنه لمدة 6 أشهر في قضية "توريد سلاح"، وببراءته في قضية "حمل سلاح بدون رخصة"، وبإبقائه في حالة سراح في قضايا أخرى متعلقة بالفساد المالي والإداري، وبتهديد موظفين عموميين، واستغلال آخرين لفائدته، كما حدث في مصر.
وبينما أمضى القضاء بضع سنوات لدراسة ملفات الطاغية "زين العابدين بن علي"، وليقرر إدانته في قضايا تعاطي المخدرات، ويؤجل النظر في قضايا القتل والتعذيب والاعتداء على الحرمات ونهب الثروات العامة والخاصة؛ أمضى ثمانية مواطنين تونسيين أكثر من سنتين وهم رهن الإيقاف بتهمة تعمد قتل النقابي والسياسي المنتمي لحزب "نداء تونس"، لطفي نقض، ليتبين للقضاء في آخر المطاف أن لطفي نقض توفي جراء إصابته بسكتة قلبية أثناء مرور مظاهرة احتجاجية شارك فيها الموقوفون الثمانية من أمام مقر النقابة التي كان متواجداً فيها، وأن الموقوفين الثمانية أضاعوا سنتين من أعمارهم داخل السجون دون أي وجه حق.
ولا يمكن أن نحصر مشكلة انحدار العدالة في تونس في مستوى القضاة الذين يتهم بعضهم بأنهم مسيّسون، وإنما هي سلسلة مشكلات تبدأ من القوانين وواضعيها، وتمر عبر السلطة التنفيذية ومؤسسات جمع الأدلة ودوائر توجيه الاتهام، وصولاً إلى المحاكم بمختلف مستوياتها.
تفصيل القوانين
على سبيل المثال لا الحصر، وخلال فترة ترؤس "الباجي قائد السبسي" للحكومة الانتقالية بعد الثورة، وقبل يوم واحد من الانتخابات التأسيسية التي أقيمت في شهر أكتوبر 2011م، قام الرجل بإصدار مرسوم وزاري صادق عليه "فؤاد المبزع"، رئيس الجمهورية المؤقت آنذاك، يقول في أحد فصوله: "تسقط الدعوى العمومية الناتجة عن جناية التعذيب بمرور خمسة عشر عاماً"؛ الأمر الذي يعطي "الباجي قائد السبسي" حصانة من المحاكمة بتهمة ارتكاب جرائم أقرها نفس المرسوم الذي يقول في فصل آخر: "يعتبر معذباً الموظف العمومي أو شبهه الذي يأمر أو يحرض أو يوافق أو يصمت عن التعذيب أثناء مباشرته لوظيفته أو بمناسبة مباشرته له"، مع العلم أن "الباجي قائد السبسي" شغل منصب وزير الداخلية، ومنصب مدير الأمن العام في مرحلة اشتهرت فيها السجون التونسية بممارسات التعذيب.
أما رجل الأعمال الشهير كمال اللطيف، الملقب بـ"صانع الملوك" نسبة إلى كونه كان العقل المدبر للانقلاب الذي أطاح بالرئيس الأول لتونس "الحبيب بورقيبة"، وساهم في تمكين "زين العابدين بن علي" من الحكم، فإنه خير مثال لمعاينة وجود مواطنين تونسيين فوق القانون، فبعد أن اتهم رسمياً في قضية "التآمر على أمن الدولة"، وبعد أن صدر أمر قضائي رسمي بإيقافه، عجزت قوات الأمن عن إيقافه بسبب رفضه المثول لأوامرهم وهروبه بسيارته إلى داخل مستودع السيارات التابع لمنزله، ليتم فيما بعد تغيير قاضي التحقيق الذي أمر بإيقاف اللطيف، ويتم تكليف قاضٍ جديد قام مباشرة بعد تكليفه بإيقاف القضية وإسقاط التهم.
بعد هروب "بن علي" في يناير 2011م، قامت السلطات التونسية باعتقال المدير العام السابق للأمن الرئاسي "علي السرياطي" الذي كان أهم الأمنيين في عهد "بن علي" وأكثرهم قرباً إليه، واتهمته رسمياً في بيان صادر عن وزارة الداخلية بـ"التآمر على أمن الدولة الداخلي، وارتكاب الاعتداء المقصود منه حمل السكان على مهاجمة بعضهم بعضاً بالسلاح"، كما اتهمته بـ"تشكيل مليشيات عملت على إثارة الهرج والقتل والسلب بالتراب التونسي لغاية التآمر على أمن الدولة الداخلي، خلال الأيام التي تلت سقوط نظام بن علي"، وهي القضية التي اشتهرت على وسائل التواصل الاجتماعي بقضية "القناصة".
وبعد محاكمة غريبة (حسب هيئة الدفاع)، حكم على السرياطي بالسجن لمدة ثلاث سنوات (أمضى معظمها قبل صدور الحكم) وبإبقائه مطلق السراح خلال النظر في الاستئناف والتعقيب اللذين تقدمت بهما عائلات شهداء الثورة التي ترى أن السرياطي هو المسؤول عن مقتل أبنائهم عبر إدارته لمختلف الأجهزة الأمنية، وعبر مجموعات القناصة التي انتشرت بعد هروب "بن علي"، وحاولت إثارة الفوضى في البلاد وترهيب الناس؛ حتى تهيئ الأجواء لعودة "بن علي" مجدداً، حسب رواية عائلات شهداء الثورة وعدد من الصحفيين الاستقصائيين.
وبغض النظر عن قانونية وأخلاقية المرسوم الذي أصدره "السبسي" وعن نزاهة القرار الذي اتخذه قاضي التحقيق في حق كمال اللطيف، وعن مدى تدخل العامل السياسي في الحكم الصادر بحق الجنرال علي السرياطي، لا يمكن أن نغفل حقيقة بالغة الوضوح؛ تخبرنا صراحة أن مَنْ مارسوا التعذيب طيلة 5 عقود لم يحاكموا إلى الآن، وربما لن يحاكموا مستقبلاً، وأن من أقاموا نظام الاستبداد ونظَّروا له مازالوا طلقاء، وأن أهالي الشهداء لم يحصلوا إلى اليوم على حكم واحد يشفي حرقتهم على أبنائهم.. وفي هذا كله غياب واضح لأبسط قيم العدالة.
تلفيق الاتهامات
وفي المقابل، وفي نفس الزمن (زمن ما بعد الثورة) ونفس المكان (دُور العدالة)، قضت محكمة تونسية بسجن المدون الاستقصائي أيمن بن عمار لمدة 4 سنوات؛ بسبب عمل استقصائي كان يعده حول أحد أبرز رجال الأعمال في تونس، مستندة في حكمها هذا إلى شهادة يتيمة لسيدة تعمل في إحدى المؤسسات التابعة لنفس رجل الأعمال.
والطريف في قضية أيمن، هو أن الشاهدة الوحيدة في القضية قالت: إن أيمن طلب منها أن تضع جهاز تنصت داخل مكتب رجل الأعمال ناجي المهيري؛ حتى يتمكن من الحصول على معلومات تفيده في تحقيقه، لتقوم النيابة العمومية برفع قضية تتهم فيها أيمن بن عمار بـ"محاولة تفجير" تلك المؤسسة.
وإن كان منطقياً أن تتم محاكمة وإدانة أيمن بن عمار بتهمة محاولة التنصت على خصوصيات شخص آخر، فإنه من الغريب (وربما من المخجل) أن يتهم بمحاولة تفجير مقر تلك المؤسسة؛ الأمر الذي يبرر تساؤلات كثيرة حول قيم العدالة التي تحلى بها كاتب تلك التهم، وحول معنى العدالة في نظام يحكم بسجن من اتهم بـ"توريد السلاح" لمدة ستة أشهر مع بقائه مطلق السراح، ثم يحكم على شاب أراد البحث عن الحقيقة (ربما أخطأ الطريق) بالسجن لمدة 4 سنوات.
قانون الغاب
وفي قصة أيمن تكمن بعض ملامح غياب العدالة وبعض مآلات انحدارها، ففي القصة رسالة للقائمين على هذا البلد؛ مفادها أن غياب العدالة سيدفع الناس - وخاصة الشباب منهم - إلى محاولة إقامة العدل عبر طرق أخرى قد تكون غير قانونية، من بينها الطريق الذي اختاره أيمن، وربما عبر طرق أخرى قد تكون أقل ذكاء وأكثر شراسة، وفي تلك اللحظة ستندثر قيم العدالة، وسيعلو قانون الغاب، وسيغيب القانون وستسطو الفوضى.. ولا طاقة لتونس بهذا.