; حضارة مادية..وإنسانية المسلمون.. بين أخوة الإيمان وأخوة البشرية (٢ - ٢) | مجلة المجتمع

العنوان حضارة مادية..وإنسانية المسلمون.. بين أخوة الإيمان وأخوة البشرية (٢ - ٢)

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 09-مارس-2013

مشاهدات 106

نشر في العدد 2043

نشر في الصفحة 40

السبت 09-مارس-2013

لقد تقدمت البشرية عن طريق العلم، وحققت في مجال الصناعات ما يشبه الخوارق، وما تزال في طريقها قدمًا في هذا المجال لتحرز انتصارات واكتشافات باهرة في كشوف الفضاء والأقمار الصناعية، ومحطات الهواء ومراكب الفضاء.

ولكن! ما أثر ذلك في حياتنا النفسية والخلقية وصالح الشعوب؟

رغم أن البعض مازال يدعي أنه يعمل الصالح الإنسانية وخير البشرية؟ فهل وجدت السعادة؟ وهل زرعت الطمأنينة؟ هل حققت السلام؟ هل استراح الناس من شرور الجريمة؟ هل أوقف تيار الدماء؟ هل سادت العدالة وسعدت القلوب؟ أم كان الشقاء والقلق والخوف والتوجس والريبة؟ إن الحضارة الإنسانية شيء آخر غير تخاريف الجاهلين، التي هي وبال على البشرية جمعاء، كالنار في يد الأخرق وكالسيف في يد المجنون، وكالمدفع في يمين المعتوه وهي بهذا المعنى تجتاح الأخضر واليابس في برهة من الزمان، وإلا فحدثوني بربكم: من أهلك الحضارات التي كانت ضاربة في أعماق التاريخ؟ وبلغت عنان السماء، وشرقت وغربت وجنت على البشرية في أجيالها المتتابعة.

تصور معي حضارة سبأ، ولقد كان لسبأ: ﴿لَقَدۡ كَانَ لِسَبَإٖ فِي مَسۡكَنِهِمۡ ءَايَةٞۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٖ وَشِمَالٖۖ كُلُواْ مِن رِّزۡقِ رَبِّكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥۚ بَلۡدَةٞ طَيِّبَةٞ وَرَبٌّ غَفُورٞ﴾ (سبأ: 15)، فماذا كان من أمر هذه الحضارة اليانعة؟ أفسدتها العقول، والمجتمعات الراعنة: ﴿فَأَعۡرَضُواْ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ سَيۡلَ ٱلۡعَرِمِ وَبَدَّلۡنَٰهُم بِجَنَّتَيۡهِمۡ جَنَّتَيۡنِ ذَوَاتَيۡ أُكُلٍ خَمۡطٖ وَأَثۡلٖ وَشَيۡءٖ مِّن سِدۡرٖ قَلِيلٖ(17) ذَٰلِكَ جَزَيۡنَٰهُم بِمَا كَفَرُواْۖ وَهَلۡ نُجَٰزِيٓ إِلَّا ٱلۡكَفُورَ﴾ (سبأ: 17:16).

و«عاد»، والذين كانوا ينحتون من الجبال بيوتًا فارهين، ويتخذون مصانع لعلهم يخلدون، و«الفراعنة» الذين نبغوا في الطب والهندسة والكيمياء والأرصاد، ومازالت آثارهم من آلاف السنين باقية حتى اليوم، من دمرها وبدد هذه النهضة، ودك هذا التقدم، وضيع هذا الجهد؟ التخلي عن حضارة الإنسان والسيرة الجائرة والنفس النهمة، والضلال في الوجهة، وعدم نبل المقصد، والزيغ في العقيدة: ﴿فَتِلۡكَ بُيُوتُهُمۡ خَاوِيَةَۢ بِمَا ظَلَمُوٓاْۚ﴾ (النمل: ٥٢)، ﴿كَمۡ تَرَكُواْ مِن جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ(25) وَزُرُوعٖ وَمَقَامٖ كَرِيمٖ(26) وَنَعۡمَةٖ كَانُواْ فِيهَا فَٰكِهِينَ(27) كَذَٰلِكَۖ وَأَوۡرَثۡنَٰهَا قَوۡمًا ءَاخَرِينَ(28) فَمَا بَكَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلسَّمَآءُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾ (الدخان:29:25).

فكان لابد لصيانة الحضارة المادية من حضارة إنسانية لتحميها من عبث العابثين، ولهو اللاعبين، فجاء الإسلام بالحضارتين معًا تأخذ إحداهما بحق الأخرى لا انفصام لها، فأشعرت البشرية رباط الأخوة، وناداها الله إليها وبها: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا﴾ (النساء: 1).

فقول الله عز وجل «رقيبًا»، وإشعارنا بذلك، لئلا تزيع النفوس عن ميزان الأخوة، وتظل تراقبه دائمًا وترعى حدوده، والآثار في ذلك والآيات تعمق المعنى، سواء أكان بين المؤمنين أم مع المؤمن وغيره، حيث هناك أخوة إنسانية يجب مراعاتها، ونوديت الرسل بها، وعرفت حقيقتها: ﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمۡ هُودٗاۚ﴾ (الأعراف: ٦٥)، ﴿وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحٗاۚ﴾ (الأعراف: ۷۳)، ﴿وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۚ﴾ (الأعراف: ٨٥)، فلفظ الأخوة ملحوظ، وحبل المودة موصول، والحرص على ذلك أصحاب العقيدة، ويراد من الإنسانية أن تستظل أقوى في الاستجابة، وأحنى في الدعوة.

ثم تأتي أخوة الإيمان التي يتجمع عليها بظلها الظليل، فتتضاءل مدينة «أفلاطون» الفاضلة بجانب السطور الأولى لتلك الأخوة التي تذيب الناس في جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر، ويشهد التاريخ تطبيقًا عمليًا لتلك الأخوة الفريدة في حادث الهجرة: ﴿وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِيمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ يُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَيۡهِمۡ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمۡ حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ (الحشر: 9).

ولم يعرف التاريخ البشري كله حادثًا جماعيًا كحادث استقبال الأنصار للمهاجرين بهذا الحب الكريم، وبهذا البذل السخي، وبهذه المشاركة الرضية، وبهذا التسابق إلى الإيواء واحتمال الأعباء، حتى ليروى أنه لم ينزل مهاجر في دار أنصاري إلا بقرعة، لأن عدد الراغبين المتزاحمين على الإيواء أكثر من عدد المهاجرين، وتطيب النفوس المحبة، وترغب وتفرح: ﴿وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمۡ حَاجَةٗ مِّمَّآ أُوتُواْ﴾؛ مما يلقي الضوء على تلك القلوب المؤمنة، والأخوة الكاملة لأخوة الكاملة، بل ﴿وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞۚ﴾، والإيثار على النفس مع الحاجة قمة عليا، وقد بلغ الأنصار إليها بما لم تشهد البشرية له نظيرًا.

وقد كانت هذه طبيعة أكسبهم الإيمان إياها بعد غسل الأدران، وزحزحة الركام ﴿وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾، وليس ذلك حدثًا طارئًا، أو برقة خاطفة في أهل الإيمان، بل هي صبغة الله للرجال الذين يحملون مشاعل الإيمان: ﴿وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعۡدِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَا تَجۡعَلۡ فِي قُلُوبِنَا غِلّٗا لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٞ رَّحِيمٌ﴾ (الحشر: 10).

هؤلاء الذين يجيؤون بعد المهاجرين والأنصار ،ولم يكونوا قد وجدوا عند نزول الآية بعد، ولكنها تبرز خصائص وطبيعة الأمة المسلمة على الإطلاق في جميع الأوطان والأزمان وصورتها الوضيئة في هذا الوجود، وتتجلى تلك الأصرة القوية الوثيقة التي تربط أول هذه الأمة بآخرها، وآخرها بأولها في تضامن وتكامل وتواد وتعاطف، وشعور بوشيجة القربى التي تعلو على الزمان والمكان والجنس والنسب، وتتفرد وحدها في القلوب تحرك المشاعر خلال القرون الطويلة، فتذكر المؤمن أخاه المؤمن بعد القرون المتطاولة كما يذكر أخاه الحي أو أشد في إعزاز وكرامة وحب، ويحسب السلف حساب الخلف، ويمضي الخلف على آثار السلف، صفًا واحدًا كالبنيان المرصوص، وكتيبة واحدة على مدار الزمان، واختلاف الأوطان، تحت راية الله، داعية من كل قلبها لإخوانها أن يوثق الله رابطتها ، ويديم ودها، ويهديها سبلها، ويملأها بنور الإيمان الذي لا يخبو.

فانظر يا أخي: أفلا تحتاج الإنسانية اليوم إلى مثل هذه الأخوة التي أتاها بها محمد بن عبد اللهﷺ؟ أليس بهذا هو رحمة للعالمين؟ ألا تحس أن الشعوب لا تهدأ إلا إذا ذاقت حلاوتها؟ والإنسانية لا تستريح إلا إذا رضعت حليبها؟ فيا أخي كم تظلم نفسك بهذا التيه.. فتضيع وتضيع.. وتذل وتذل.. وأنت معك الخير.. دواؤك فيك وما تشعر... ودواؤك منك وما تبصر، وكم تحجب عن الإنسانية دواء هي في أمس الحاجة إليه بعدما لهثت وراء المذاهب والنظريات التي زادتها إرهاقًا، وأرقتها نفسًا وأتعبتها أعصابًا فتقدم برسالتك برغم الأعاصير والله معك؛ ﴿وَيَوۡمَئِذٖ يَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ(4) بِنَصۡرِ ٱللَّهِۚ﴾ (الروم:5:4).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 195

80

الثلاثاء 09-أبريل-1974

أخوة رغم الأعاصير

نشر في العدد 420

112

الثلاثاء 21-نوفمبر-1978

قراؤنا يكتبون (العدد 420)

نشر في العدد 1502

125

السبت 01-يونيو-2002

مفهوم الاخوة في الإسلام