; على هامش التطورات السياسية الأخيرة بالمغرب- هل بدأ العد العكسي للارتداد عن المد الديمقراطي؟ | مجلة المجتمع

العنوان على هامش التطورات السياسية الأخيرة بالمغرب- هل بدأ العد العكسي للارتداد عن المد الديمقراطي؟

الكاتب مصطفى الخلفى

تاريخ النشر الثلاثاء 16-يناير-2001

مشاهدات 96

نشر في العدد 1434

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 16-يناير-2001

  • المحاكمات والاعتقالات الواسعة ضد العدل والإحسان رد مؤجل على مطالبتها استرجاع ثروة الملك الراحل السداد ديون البلاد

  • رسالة الفقيه البصري عن ضلوع اليوسفي في محاولة أو فقير الانقلابية تطرح تساؤلات خطيرة عن موقف الاشتراكيين من النظام الملكي

  • منع الصحف الثلاث من الصدور جاء لقطع الطريق على حملاتها الناجحة التي كادت تهز ثقة الملك في حكومة اليوسفي... ولتأديبها على المطالبة بالتحقيق مع منتهكي حقوق الإنسان من الجنرالات والمتنفذين.

  • تقارير غربية تتحدث عن الخطر الإسلامي والحاجة إلى شبكة أمان عسكرية على شاكلة النموذج التركي.. هل يتدخل الجيش للإمساك بزمام الأمور؟!

  • تطورات الأوضاع المتسارعة زادت من حالة التذمر في الداخل، وولدت أزمة مصداقية خارجية

تعرض المغرب طيلة الأسابيع الماضية لأزمة سياسية حادة مازالت تفاعلاتها مستمرة، وقد بدأت الأزمة بنشر رسالة للمعارض السابق الفقيه او١٠ي أواخر نوفمبر المنصرم تكشف تورط بعض قيادات قوى اليسار الحكومي وعلى رأسهم رئيس الوزراء الحالي عبدالرحمن اليوسفي في المحاولة الانقلابية الفاشلة التي قام بها الجنرال و١٠قير عام ۱۹۷۲م، ثم تطورت إلى منع ثلاث أسبوعيات في بداية هذا الشهر لتستكمل بعد ذلك بالتدخلات الأمنية القوية لمنع التظاهرات التي دعت لها كل من جماعة العدل والإحسان في ثمان مدن والجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالرباط وذلك بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان يومي ٩ و ١٠ ديسمبر الماضي.

كيف تطورت الأزمة؟ ما خلفياتها؟ وما تأثيرها؟ على الاستقرار السياسي بالمغرب وأي أفاق لها؟

1-   أزمة متعددة الخلفيات:

تضافرت عدة عناصر في الأسابيع الماضية لتكشف عن هشاشة الاستقرار السياسي بالمغرب وتتمثل هذه العناصر في أربع نقاط هي: • منهج التعاطي مع ملفات الماضي السياسي للمغرب وخصوصًا المتعلقة بتسوية ملفات الاعتقال التعسفي والاختطاف والتعذيب التي جرت في السبعينيات. • نزوعات الهيمنة الحزبية لقوى اليسار الحكومي. • منع ثلاث أسبوعيات. • في تطور مواز للعناصر الثلاث السابقة نجد تصاعد وتيرة العمليات الهادفة لتحجيم الفاعل الإسلامي بمختلف فصائله والحد من حركته في المجتمع.

إلا أن نشر الرسالة الآنفة الذكر وما تلاها من منع الأسبوعيات الثلاث شكل المحور في الأزمة بالنظر لتفاعلاته على صعيد التوازنات السياسية بالبلاد من جهة والصورة الخارجية للمغرب من جهة ثانية خصوصًا بعد استغلال هذه الأحداث من طرف الإعلام الغربي والفرنسي على وجه التحديد الترويج فكرة عدم رضا الجيش عما يجري استعدادًا للتدخل حتى لا يتكرر ما حصل في الجزائر في العقد الماضي.

وبغية الوقوف بدقة على هذه التطورات ستعرض في البداية لقضية الرسالة.

في ٢٥ نوفمبر المنصرم، نشرت أسبوعية لوجورنال، الصادرة باللغة الفرنسية ملفًا من تسع صفحات فضلًا عن الافتتاحية، يتضمن إعادة قراءة لأحداث الانقلاب الفاشل عام ۱۹۷۲م والذي قام به وزير الدفاع آنذاك الجنرال أوفقير ومدى ضلوع بعض القيادات السياسية والحزبية في المحاولة.

يرتكز الملف في هذه القراءة الجديدة للانقلاب الفاشل على رسالة بعثها في سنة ١٩٧٤م المعارض السياسي السابق محمد الفقيه البصري إلى كل من عبد الرحيم بوعبيد الزعيم الراحل لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وعبد الرحمن اليوسفي الكاتب الأول لهذا الحزب والوزير الأول المغربي في الائتلاف الحكومي الحالي.

الرسالة تثير تورط قيادات الحزب في الانقلاب ومساهمتهم فيه، وهو ما اعتبر بمثابة معطى جديد يسلط الضوء على الجانب السياسي في الانقلاب، وهو جانب حرص الملك الراحل على نفيه وإبراز الانقلابيين كمجرمين وقطاع طرق.

الأسبوعية توصلت للرسالة منذ حوالي خمسة أشهر من طرف عمر السغروشني، وهو مناضل من الحزب المتورط والذي سبق أن سلمتها له شخصية سياسية معارضة كلفها صاحب الرسالة بإرسالها إلى المعنيين، إلا أنها احتفظت بنسخة منها، وعلى فراش الوفاة سلمت هذه الشخصية الرسالة العمر السفروشني على أساس نشرها عندما تبرز الحاجة إليها.

تمثل الرسالة/ الوثيقة مراسلة حزبية صادرة عن أحد قيادات الحزب بهدف عرض وجهة نظره حول سير الحزب ومواقفه، كما تعلن الرسالة المكتوبة بخط اليد في بدايتها، أن الأداة السياسية أي الحزب في حاجة إلى مراجعة جذرية ونقد صارم ومحاسبة حازمة لكل الممارسات السلبية الثورية، والفقيه البصري إذ ينخرط في هذه المراجعة آنذاك، بحكم كونه كان مسؤولًا عن العلاقة ببعض التنظيمات داخل الجيش.

في سياق هذه المراجعة يقدم الفقيه البصري المعطيات التالية للدراسة والتحليل، وهي المعطيات التي أحدثت ضجة سياسية في البلاد:

·    أن عبد الرحيم بوعبيد الزعيم السابق لحزب الاتحاد الاشتراكي صاحب الأغلبية في الحكومة المغربية الحالية عرض في بداية ۱۹۷۲م أو أواخر ۱۹۷۱م على الفقيه البصري وعبد الرحمن اليوسفي والمهدي العلوي مشروعًا لاستلام الحكم اتفق عليه هو والجنرال أوفقير وإدريس السلاوي (مستشار سياسي للملك الراحل) على أساس مساهمة الحزب بعبد الرحيم بوعبيد، عبد الرحمن اليوسفي، حسن الأعرج في تشكيل سلطة جديدة بعد الإطاحة بالحكم.

·    أن اتصالات الفقيه البصري بالضباط الصغار في الجيش ارتبطت بمشكل نقص الأسلحة وأن التركيز اتجه على كيفية مساعدة هذه التنظيمات في التسلح مع التأكيد على صعوبة التعامل مع أوفقير خصوصًا أن قضية اختطاف المهدي بن بركة (أحد زعماء الحزب والذي اختطف في ١٩٦٥م) لعب فيها أوفقير دور الشخصية الثانية.

تمثل هذه العناصر أهم مفاصل الرسالة في علاقتها بالأزمة السياسية التي تفجرت في الأسابيع الأخيرة الماضية، وذلك من حيث كونها تطعن في صدقية ولاء كل من حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وكاتبه الأول عبد الرحمن اليوسفي الذي يحتل حاليًا منصب الوزير الأول في الحكومة، وهو ما دفع المعارض السابق إبراهام السرفاتي إلى توجيه رسالة له يدعوه فيها إلى تقديم استقالته من الوزارة الأولى والكتابة العامة للحزب.

2-   تطور الأحداث وتفاعلات النشر:

استقطب الحدث تفاعلات قوية داخل الحزب المعنى توجت بإطلاق حملة إعلامية وسياسية مضادة استهدفت الجهة الناشرة، حيث اعتبر بلاغ صادر عن المكتب السياسي في ٢٨/ ١١ / ٢٠٠٠ م. أن ما نشرته أسبوعية لوجورنال يندرج في إطار هجمة تستهدف الوزير الأول والحزب وحلفائه والمؤسسات الدستورية للبلاد وأن هذه الحملة بلغت بما نشرته أسبوعية لوجورنال في عددها ١٤٥ المؤرخ في ٢٥ نوفمبر ۲۰۰۰م من ادعاءات ملفقة المصدر والمحتوى والإخراج، مستوى من الافتراء واللامسؤولية، إلى حد الكذب على التاريخ والمس برموز وطنية كبيرة، وبمؤسسة الدفاع الوطني وبالتنظيمات الحزبية والجماهرية للتشكيك في مدى وفائها للقيم الوطنية وإخلاصها الدائم للعرش والملك البلاد.

قرار المنع

انتقل الأمر بعد ذلك إلى المجلس الحكومي يوم ٢٠/ ١١/ ٢٠٠٠م، والذي بعد تنديده بالرسالة وتبنيه شبه الكامل لموقف الحزب، شكل لجنة من ثلاثة وزراء وكاتب دولة برئاسة الوزير الأول لمتابعة الأمر، ليقع بعد ذلك اتخاذ قرار منع الصحف التي نشرت الرسالة حرفيًا وهما: لوجورنال و الصحيفة، وهما تصدران عن المؤسسة الإعلامية نفسها، وذلك يوم السبت ٢/ ١٢/٢٠٠٠ فضلًا عن منع مجلة «دومان» التي أجرت حوارًا مع مدير الصحيفتين الممنوعتين ونشير هنا إلى أن هناك جرائد عدة تناولت الحدث ونشرت فقرات من الرسالة ولم يقع حجزها ولا منعها قرار المنع اعتبر ما نشرته الصحيفتان الآنفتا الذكر، من مقالات وتعليقات يستهدف الأسس السياسية للمغرب وذلك بافتراء أخبار لا أساس لها من الصحة، وقد عقدت ندوة صحافية من طرف الحكومة عشية اتخاذ القرار كشف فيها وزير الاتصال أن اليوسفي لا يعرف أي شيء عن الرسالة، إلا أن صاحبها أي الفقيه البصري أبلغ عبد الرحمن اليوسفي بأن الرسالة صحيحة وأنه بعثها من الجزائر، لكن لا علاقة له بمسألة نشرها..

نقل قرار المنع القضية إلى مرحلة فرضت على جميع الفاعلين الخروج عن صمتهم، وأتاحت للجهة الناشرة التعبير عن وجهة نظرها في ندوة صحفية يوم ٣/۱۲/۲۰۰۰ حيث اعتبر بوبكر الجامعي مدير النشر أن الحكومة حاولت إقحام الملك والجيش في المبررات التي استندت إليها من أجل المنع، ووضعت حزب الاتحاد الاشتراكي ضمن مقدسات البلاد التي لا تناقش، وأضاف أنهم سيلجئون إلى القضاء إلا أن العنصر المهم في الندوة هو توزيع بلاغ صحفي صادر عن الفقيه البصري لم ينف فيه نسبة الرسالة إليه، بل أعلن أن المؤتمر المقبل للحزب سيمكن من طرح جميع القضايا المثارة في الرسالة ومن وضع تجربة الحزب موضع المحاسبة، وإلى جانب ذلك أبرز عدم علمه بنشر الرسالة، كما انتقد الموقف الحكومي من النشر والتهديدات التي تتعرض لها الحريات العامة والصحافية على وجه الخصوص بالبلاد.

انتقادات حادة

وقد خلف قرار منع الأسبوعيات الثلاث انتقادات حادة للحكومة والحزب صدرت حتى من طرف حلفائه في الحكومة، حيث أقدمت أربع قوى حزبية في الأغلبية الحكومية وهي حزب الاستقلال وحزب التقدم والاشتراكية والتجمع الوطني للأحرار ومنظمة العمل الديمقراطي الشعبي على انتقاد الرسالة وأصدر بعضها بيانات تندد وتشجب قرار المنع، وهو ما رد عليه الاتحاد الاشتراكي بانتقاد هذه الازدواجية في الخطاب ما دام القرار اتخذ في إطار اجتماع الأحزاب الأغلبية الحكومية، وأدى ذلك إلى أزمة حزبية بين مكونات الأغلبية الحكومية وإلى طرح القضية في مجلس النواب حيث اتجه بعض أحزاب المعارضة إلى حد المطالبة بتشكيل لجنة تقصي حقائق حول الرسالة، إلا أن ذلك لم ينجح، وفي المقابل كشف وزير الاتصال والناطق الرسمي باسم الحكومة أن من الحيثيات التي أدت إلى المنع كون ما نشر يدفع للاقتناع بأن المتآمرين القدامى يمكن أن يكونوا متآمرين جدد، وهو ما يعني أن الحكومة -حسب هذا التصريح- استشعرت وجود تأثير سلبي للرسالة على الثقة الموجودة بين الوزير الأول عبدالرحمن اليوسفي والملك محمد السادس.

رغم مرور ما يزيد على خمسة أسابيع على المنع لم يتمكن ناشرو الأسبوعيات الممنوعة من استصدار تصاريح بإصدار أسبوعيات جديدة، بل إن الدعوى التي رفعوها أمام القضاء لإرغام السلطة على التصريح لهم بإصدار صحف جديدة فشلت وأصدر القضاء حكمه يوم الخميس 4 يناير الجاري برفض الدعوى.

بموازاة هذه التطورات تم التعامل بعنف مع المظاهرات التي دعت لها كل من الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالرباط يوم التاسع من ديسمبر الماضي، وجماعة العدل والإحسان في اليوم التالي، ومنع التظاهرات لم يكن عملًا طبيعيًا، بل تم من خلال تدخلات أمنية عنيفة نجمت عنها اعتقالات بلغت في البداية ما يزيد على ۷۷٠ معتقلًا ورغم الإفراج عن غالبيتهم فقد تم تقديم حوالي ١٣٦ من قيادات وأنصار جماعة العدل والإحسان للمحاكمة في الأسبوع التالي لكن أجل إتمام المحاكمات بما يزيد على شهر لامتصاص الضغط الإعلامي الناجم عن وحشية التدخلات الأمنية.

 

جمعية حقوق الإنسان

بالنسبة لمنع تظاهرة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان فقد كان مسألة متوقعة بالنظر لشعار الوقفة الاحتجاجية والذي يطالب بفتح تحقيق مع المسؤولين عن الانتهاكات التي عرفها المغرب في مجال حقوق الإنسان في العقود الماضية، كما يطالب بتشكيل لجنة تحقيق برلمانية في الموضوع مع لائحة أولية من ١٦ مسؤولًا تضم شخصيات قيادية في الجيش وتحتل مناصب حساسة في هرم السلطة بالبلاد، وقد سبق للجمعية أن وجهت رسالة الوزير العدل في الموضوع وأدى قيام مراسل وكالة الأنباء الفرنسية بالمغرب كلود جوفينال بتعميمها إلى طرده من البلاد، والجمعية من جهتها تصر على الاستمرار في تحريك هذا الملف وتعتبر أن الإنهاء الحقيقي لملف الاعتقال السياسي والتعذيب والاختطاف يستلزم مساءلة المسؤولين عن ارتكاب هذه المخالفات، وهو ما أثار بعض قيادات الجيش ودفعها للتحرك من أجل المطالبة بحل الجمعية، إلا أن وزير العدل رفض اتخاذ هذا القرار كما كشف بعض مصادر الجمعية، وما تزال القضية مرشحة للتفاعل في المستقبل.

أما بخصوص الفاعل الإسلامي فقد تنامت منذ الصيف الماضي التوجهات الداعية لضرورة تحجيمه والتحكم في فعاليته السياسية والاجتماعية وهو ما ظهرت بوادره في قرار منع المخيمات الإسلامية، مع بداية الموسم السياسي الحالي، كما تصاعدت فعالية الطلبة الإسلاميين في الجامعة وإعلان طلبة العدل والإحسان عن التحضير لعقد مؤتمر المنظمة الطلابية إزاء ذلك بدأ نوع من التوافق بين جل القوى العلمانية المتنفذة على ضرورة الحيلولة دون اكتساح الإسلاميين للانتخابات المقبلة وهو ما تم البدء في تنفيذه بالدرجة الأولى على صعيد جماعة العدل والإحسان عبر المنع غير المباشر لإعلام الجماعة، حيث صدرت الأوامر للمطابع بعدم طبع كل من جريدتي «رسالة الفتوة»، و«العدل والإحسان»، كما ضرب نشاط الجماعة في بعض الجامعات وقدم العديد من طلبتها للمحاكمة وآخرها ما حصل في كلية الحقوق بمدينة المحمدية ( ٧٠ كلم جنوب الرباط العاصمة) أواخر نوفمبر من السنة الماضية، حيث تمت محاكمة ١٤ طالبًا من الجماعة والحكم عليهم بسنتين سجنًا نافذة، وقد دخل الطلبة المعتقلون في إضراب عن الطعام بلغ إلى الأسبوع الماضي أكثر من شهر، وفي الثاني من شهر يناير الجاري شهدت محكمة الاستئناف بالدار البيضاء أجواء توتر حادة بسبب قيام الجماعة بإنزال جماهيري أمام المحكمة للتضامن مع الطلبة المعتقلين وقد ردت السلطة على ذلك باحتجاز المئات وفرض أجواء أمنية شديدة حول مكان المحكمة، على صعيد آخر قوبل طلب الجماعة بتنظيم مسيرات بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان بالرفض وعندما أصرت على تنظيم مسيراتها واجهتها قوات الأمن بعنف شرس وحصل اعتقال المئات قدم منهم حوالي ١٢٦ للمحاكمة وضمنهم أعضاء في مجلس الإرشاد وبعض أفراد عائلة مرشد الجماعة عبد السلام ياسين اعتبر الناطق الرسمي للجماعة فتح الله أرسلان أن هذه الأحداث عبارة عن سلوك انتقامي من الجماعة بسبب مذكرة إلى من يهمه الأمر والتي طالب فيها مرشد الجماعة الحكم أن يقوم بإرجاع ثروة الملك الراحل إلى البلاد وتسديد مديونية المغرب منها، فضلًا عن النقد الحاد الموجه لعهد الملك الراحل على مختلف المستويات بيان الجماعة الذي صدر بعد الأحداث دعا إلى إقالة وزير الداخلية أحمد الميداوي وأن يعتذر الوزير الأول عن الأحداث، وهو ما كشف عن وجود نفس تصعيدي مضاد عند الجماعة يؤشر لاستمرار منطق الشد والجذب بين الجماعة والسلطة.

خطة إدماج المرأة

على صعيد مغاير نسبيًا لهذا المسار، تم الامتناع عن طرح موضوع خطة إدماج المرأة في التنمية والذي استطاع الإسلاميون المغاربة بقيادة حزب العدالة والتنمية فرض تجميده في ربيع ٢٠٠٠م بسبب كونه تطبيقًا لتوصيات مؤتمر بكين حول المرأة، والملاحظ هنا أن طرح هذا الملف أضعف المصداقية الشعبية للحكومة وفضح علمانية أطرافها اليسارية وهو ما لا يخدم الاستراتيجية الانتخابية لهذه القوى، مما أدى لعدم الإقدام على إحياء خطة إدماج المرأة في التنمية من طرف الحكومة الحالية حتى لا تتضرر استعداداتها الانتخابية.

التفسيرات المقدمة لفهم سلوك السلطة تجاه الإسلاميين متعددة إلا أنها تجمع على وجود تحبيذ غربي لذلك من جهة أولى، وأن ذلك جزء من عمليات التحضير للانتخابات المقبلة من جهة ثانية، ومحاولة إرغام الجماعة على الاعتراف بالشرعية الدينية للملك إذا ما أرادت العمل في إطار الشرعية والاستفادة من امتيازات العمل القانوني.

3-   أبعاد الأزمة السياسية:

في تحليلنا أبعاد الأزمة السياسية سننطلق في بحثها من دراسة خلفيات قرار منع الأسبوعيات الثلاث فقد تعددت القراءات الباحثة في الأسباب الحقيقية للمنع فهناك من اعتبرها مرتبطة بتصفية حسابات سياسية حزبية ذات علاقة بالتحضير للمؤتمر المقبل للاتحاد الاشتراكي خصوصًا عند استحضار توقيت نشر الرسالة، وهناك من ربطها بوجود تبرم من الضغوط التي تمارسها الصحافة المستقلة بالمغرب، وأن هذه الضغوط من شأنها أن تربك الخطوات الجارية للإعداد للاستحقاقات السياسية والانتخابية المقبلة، بل هناك من يضيف أن الصحف الممنوعة تتبنى مواقف معارضة للتوجهات الرسمية فيما يتعلق بقضية الحل الثالث لمشكلة الصحراء المغربية وهي مواقف أحرجت السلطة والتي تستعد الآن لعرض مشروعها لهذا الحل على المبعوث الأممي جيمس بيكر، تفسير ثالث طرح ويركز على وجود مخطط لإسقاط الحكومة عبر ضرب ثقة الملك فيها، وهناك من ذهب أبعد من ذلك عندما أدمج حزب العدالة والتنمية في هذا المخطط مستغلًا تصريحًا لأمينه العام عبدالكريم الخطيب أوحى فيه بأن اليسار الموجود في الحكومة يحاول السيطرة على الحكم من خلال دخوله للحكومة بعد أن فشل في ذلك بالطرق الانقلابية رأي رابع نورده رغم ضعف صحته، يربط نشر الرسالة بمحاولة جهات غربية أوروبية إضعاف الموقف الحكومي الرافض لتجديد اتفاقية الصيد البحري مع الاتحاد الأوروبي خصوصًا أن نشر الرسالة تم قبيل زيارة الوزير الأول المغربي لألمانيا والاستعداد لبدء جولة من المفاوضات حول الموضوع.

إلا أن الرأي الراجح يربط هذه التطورات بخلفيتين، الأولى انخراط الصحف الممنوعة في حملات مضادة للحكومة والاتحاد الاشتراكي وأن هذا الأخير بدأ يحس بخطورة هذه الحملات على ثقة الملك في الحكومة والحزب، أما الخلفية الثانية فهي ضغط جهات أمنية وعسكرية في الحكم من أجل تأديب هذه الصحف على متابعتها وتغطيتها المطالبة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بالمساءلة القضائية والجنائية لعدد من المسؤولين عن انتهاكات الماضي ذات العلاقة بالاختطاف والتعذيب والاعتقال وضمن هؤلاء المسؤولين شخصيات كبرى وعليا في الجيش، وما يؤكد صحة هذا التحليل هو استمرار رفض التصريح لهذه الصحف بالصدور من جديد ولو بأسماء جديدة.

انعكست هذه التطورات بسلبية حادة على الصورة الخارجية للمغرب، خصوصًا على صعيد فرنسا وإسبانيا حيث انطلقت حملات تضامنية مكثفة مع الصحف، وعلى صعيد آخر انخرط الإسلاميون المغاربة عمومًا في حملة مناهضة قرار المنع واعتبروه ضربًا للحريات العامة والصحافية، وبداية تشكل عقلية الحزب الوحيد بالمغرب.

تكشف التطورات المتعلقة بالرسالة من جهة وقرار المنع من جهة أخرى عن هشاشة عملية الانتقال الديمقراطي بالمغرب، بل إن البعض اعتبرها مقدمة لحالة ارتداد على التوسيع الجزئي للحريات، أو بعبارة أخرى موجة مضادة للمد الديمقراطي تهدف لاحتواء الأزمة السياسية الحكومية المتنامية والتي نلاحظها على المستويات التالية:

- أزمة العلاقة بين المؤسسة الملكية والقوى الحزبية المهيمنة على الحكومة، ورغم أن هذا المستوى هامشي في الأزمة بحكم التمكن من احتوائه عن طريق التلويح بفكرة علم الملك الراحل بمعطيات الرسالة وأن التوافق الذي تم مع الوزير الأول اليوسفي استحضر فيه طي مخلفات الماضي فضلًا عن تغليف الحكومة لقرارها بأن ملف «لوجورنال»، تضمن مسًا بالمؤسسة الملكية، إلا أن تورط الإعلام المحسوب على الحكومة وخصوصًا الاتحاد الاشتراكي -صحيفة حزب الوزير الأول- في نشر جزء من معطيات الرسالة على لسان أحد الضباط الذين شاركوا في المحاولة الانقلابية لسنة ۱۹۷۱م والذي نشرت الجريدة مذكراته في فبراير المنصرم، أعطى الانطباع بوجود سعي عند بعض الجهات للعمل على الحد من الاختصاصات الواسعة للمؤسسة الملكية عبر نشر ملفات العهد السابق، يجعل هذا المستوى من الأزمة له إسهامه في الوضعية الحالية.

- أزمة العلاقات بين مكونات الأغلبية الحكومية بسبب سعي جل الأطراف للتبرؤ من قرار المنع والتنصل من تبعاته الشعبية، وهو ما رد عليه حزب الاتحاد الاشتراكي باتهام هذه الأطراف بالازدواجية في المواقف.

- أزمة مصداقية شعبية، ويعتبر هذا المستوى أخطرها حيث إن عموم الشعب لا علم له بالمغامرات السياسية لجزء من النخبة وقد أدى نشر الرسالة إلى كشف هذا البعد في السلوك السياسي لليسار المغربي، وأن هاجسه الأكبر هو الوصول للسلطة بأي ثمن أما الانكباب على معالجة الأزمة الاقتصادية، فهذه مسألة قوية من جهة أخرى أدى تزامن نشر الرسالة مع استمرار تفاقم الأزمة الاقتصادية- الاجتماعية إلى خلق أجواء تذمر في صفوف المجتمع من الحكومة ككل، ويؤكد هذا استمرار الإعلام الرسمي في شن حملات متواصلة على الرسالة وناشريها واتهامهم بأقبح النعوت.

- أزمة مصداقية خارجية، وهذا مستوى جد حساس بالنسبة لحكومة تراهن على صورتها الخارجية لجلب الاستثمارات الأجنبية وتقوية موقعها التفاوضي بخصوص كل من قضيتي الصحراء المغربية والصيد البحري في مواجهة كل من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وقد برز هذا بوضوح في الحملات التضامنية الواسعة والقادمة خصوصًا من إسبانيا وفرنسا، والتي وصلت إلى مستوى منح بعض الصحف الفرنسية لصفحاتها للصحف الممنوعة.

- هناك بعد خامس بدأ يطفو على السطح في الآونة الأخيرة بالمغرب، ويتعلق باختلال التوازن السياسي والأمني بعد نسب مواقف لأحد الضباط المقربين من الكولونيل العنيكري المسؤول عن جهات المحافظة عن التراب الوطني (الاستخبارات الداخلية) تقول بأن الجيش يتابع بقلق الأوضاع وأنه لن يترك السلطة تسقط في يد الإسلاميين بل سيتدخل للحيلولة دون ذلك، وقد نشر هذا التصريح الذي حاول بعض الأوساط الأمنية تكذيبه بشكل غير مباشر، في مجلة لونوفيل أوبسرفاتور الفرنسية في الأسبوع الأخير للشهر الماضي ولم يقع منع توزيعها في المغرب رغم تضمنها نقدًا للملك الحالي وضعفه إزاء التطورات الجارية في البلاد وهذا يمثل حسب بعض المتتبعين رسالة لجس نبض القوى السياسية إزاء احتمال تدخل الجيش في الحياة السياسية ونشير هنا إلى أن بعض التقارير الغربية أخذت تتحدث منذ الصيف الماضي عن الخطر الإسلامي بالمغرب والحاجة إلى شبكة أمان عسكرية على شاكلة النموذج التركي، وقد حصل استبعاد هذه الطروحات آنذاك إلا أن التطورات الأخيرة بدأت تعطيها نوعًا من المصداقية، وهو ما يطرح تساؤلات مقلقة عن مستقبل الحريات العامة بالمغرب.

على ضوء هذه الأبعاد الخمسة التي تبرز عمق الأزمة وحدتها، أي أفاق ممكنة؟

أي أفاق؟

لقد أفرزت هذه التطورات تبلور حالة من التوجس تجاه مستقبل الوزير الأول عبدالرحمن اليوسفي وبالتالي الحكومة ككل، لاسيما مع الأرقام التي أعلنت عنها كل من مديرية الإحصاء ومكتب الصرف، والتي أبرزت تراجع الاستثمارات الأجنبية بالبلاد مقارنة مع السنة الماضية بـ ٧٠% وتفاقم العجز التجاري بـ ٤٠% فضلًا عن ارتفاع نسبة الفقر إلى 19% بعد أن كانت في بداية التسعينيات ١٣% وهو ما يعني وجود ما يزيد على خمسة ملايين مغربي يعيشون تحت عتبة الفقر (دخلهم 11 درهمًا في اليوم أي في حدود دولار واحد في اليوم) وهو ما كشف هشاشة الحالة السياسية بالمغرب وانفتاحها على مسارات خطيرة في المستقبل إزاء هذه الوضعية تم التحرك بسرعة ومن أطراف عدة لامتصاص الأزمة قبل أن تخرج عن حدود السيطرة، أبرز هذه التحركات تمثلت في السعي لإنجاح عملية خصخصة ٣٥% من رأسمال شركة اتصالات المغرب المملوكة من طرف الدولة، وهو ما تم في ۲۳ ديسمبر المنصرم بعد موافقة شركة فيفيندي الفرنسية على شراء الأسهم المعروضة للخصخصة بما قيمته ٣.٢ مليار دولار وستوجه غالبيتها لسد العجز الحاصل في ميزانية الدولة، وفي اليوم نفسه استقبل الملك الوزير الأول وأعلن عن تجديد الثقة فيه وفي سياساته، وهو ما يعني الحرص على توجيه رسالة قوية للخارج فحواها استمرار الأهمية الاستثمارية للمغرب وعدم الخشية من اهتزاز الاستقرار السياسي به وهو ما تحقق بنسبة معينة.

وفي تقديرنا، فإن النجاح الجزئي في امتصاص الأزمة لا يعني التمكن من تجاوزها وذلك باعتبار استمرار الأسباب التي أدت إليها، والمتمثلة أساسًا في اهتزاز الثقة في الحكومة بسبب الرسالة، خصوصًا بعد إقدام صاحب الرسالة على توجيه رسالة إلى رئيسي غرفتي البرلمان، ورسالة ثانية إلى المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي تدعو إلى تشكيل لجان تحقيق في المواضيع المثارة واستعداده ليكون رهن إشارة التحقيق، كما أن إصرار الجمعية المغربية لحقوق الإنسان على متابعة المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الحقوقية واستمرار ملف جماعة العدل والإحسان مطروحًا بحدة على صانع القرار، ويضاف لذلك التلويح غير المباشر لقوى داخلية وجهات أجنبية بإدخال الجيش في العملية السياسية، كلها عناصر مغذية للأزمة الكامنة في البلاد مهددة بانفجارها في أي لحظة مما يفرض على القوى الوطنية بالمغرب تحمل مسؤوليتها في طرح مبادرة نوعية وشاملة لإنقاذ مسلسل الانتقال الديمقراطي قبل أن يقع الارتداد عنه كما حصل في بلدان مجاورة للمغرب.

الرابط المختصر :