العنوان الالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بين الأفراد والسلطة
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 01-أغسطس-1978
مشاهدات 60
نشر في العدد 406
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 01-أغسطس-1978
﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران: 104)
من المسؤول عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ وهل مسؤولية ذلك فردية أم جماعية؟
إن المجتمع المسلم لا يتحقق فيه الإسلام إلا بتحقيق التشريع الإلهي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مفهوم صدر عن خالق الوجود سبحانه، وهذا يعني أنه لا بد للجماعة الإسلامية في أي مجتمع من فئات تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، ونقول بأن لا بد من سلطة في الأرض تقوم بتحقيق ذلك والذي يقرر أنه لا بد من سلطة تقوم بهذا الواجب هو مدلول النص القرآني المنزل من عند الله، فهناك دعوة إلى الخير، ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير.. وهناك أيضًا أمر بالمعروف وهناك نهي عن المنكر: «يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ». وإذا أمكن أن يقوم بالدعوة إلى الخير غير ذوي السلطان، فإن الأمر والنهي لا يقوم بهما إلا ذوو السلطان، إذًا فلابد من سلطة مسلمة تأمر وتنهي، وتدعو إلى الخير وتنهى عن غيره، ويجب أن تقوم هذه السلطة على ركيزتين أساسيتين لكي يتحقق منهم الانصياع للأمر والنهي، الأولى: الارتباط بحبل الله الوثيق، والثانية: بناء المجتمع على أساس مفهوم الأخوة بالله فقط.
أما الدعوة إلى الخير فتحدث بتعريف الناس بمحتوى المنهج الإسلامي متكاملًا، ويستطيع الأفراد أن يقوموا بهذا الواجب. لكن هل يملك الفرد سلطة الأمر والنهي؟ لا، إن ذلك يقتضي سلطة واجبها الأمر بكل ما يندرج في المعروف، والنهي عن كل منكر أو ما يمت إلى المنكر بصِلة، وبهذا يتحقق مفهوم الطاعة لله، وقد أعطى الله سبحانه سلطة الأمر والنهي للرسل، كما أعطاها للحاكم المسلم الذي ينفذ ما جاء به الرسول من الله، قال تعالى: ﴿ومَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (النساء:64).
إن المنهج الإلهي ليس مقصورًا على الوعظ والإرشاد فحسب، بل يجب تحقيق المعروف ونهي المنكر من المجتمع ومن الحياة البشرية قاطبة، وعليها صيانة تقاليد الجماعة المسلمة من أن يبعث بها كل ذي هوى وكل ذي شهوة ومصلحة، ومن واجبها أيضًا حماية المفاهيم الإسلامية من أن يقول فيها امرؤ برأيه وبتصوره زاعمًا أن هذا هو الخير والمعروف والصواب، على أن الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تكليف ليس بالهين ولا باليسير، ونحن إذا نظرنا إلى طبيعته وإلى اصطدامه بشهوات أناس ونزواتهم ومصالح بعضهم ومنافعهم، وغرور بعضهم الآخر وكبريائهم وفيهم الجبار الغشيم والحاكم المتسلط، فإننا نجد أن هذه المسؤولية مسؤولية ضخمة يجب تستند إلى مقدار ضخم من رصيد الاعتقاد والتوحيد، ومعلوم أن الأمة الإسلامية لا تسود إلا بتفهم معاني الخير كما أرادها الله، وإلا أن يكون المعروف معروفًا والمنكر منكرًا، وأعود فأقول إن كل هذا يقتضي سلطة تأمر وتنهي وتطاع.
إن القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ضرورة من ضرورات الحياة الإسلامية ورسوخها واستقرارها، ذلك أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما الوسط الذي يتحقق فيه المنهج الإسلامي بصورة واقعية، وهو الخير المتكامل المتعارض على دعوة الخير، والمعروف فيه هو الخير والفضيلة والحق والعدل، والمنكر فيه هو الشر والرذيلة والباطل والظلم، عمل الخير فيه أيسر من عمل الشر، والفضيلة فيه أقل تكاليف من الرذيلة، والحق فيه أقوى من الباطل، وفاعل الخير فيه يجد على الخير أعوانًا، وصانع الشر فيه يجد مقاومة وخذلانًا، ومن هنا تأتي قيمة الأمر والنهي، بحيث يصبح المجتمع بيئة لا ينمو فيها الشر والباطل إلا بعد مشقة وعناء، لأن كل ما حوله يعارضه ويقاومه الإيمان والأخوة في الله، الجماعة التي ترجع إلى ميزان واحد تقوم به كل ما يعرض لها في الحياة، وتتحاكم إلى شريعة واحدة هي شريعة الله وتتجه بولائها كله إلى الفئة الموالية لله العاملة على الحكم بما أنزل الله، وبهذا يمكن أن تنال الأمة ثمرة الدعوة التي قررتها الآية الكريمة بمفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما يمكن بذلك أن يقوم كيان الأمة على الحب والتكافل الذين تختفي في ظلالهما مشاعر الأثرة، وتتضاعف بهما مشاعر الإيثار، الذي يدعم لبنات المجتمع المسلم بالتعاضد والتماسك.
والله ولي التوفيق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل