; من أعلام الحركة الإسلامية المعاصرة (٨): الشاعر المجاهد محمد محمود الزبيري | مجلة المجتمع

العنوان من أعلام الحركة الإسلامية المعاصرة (٨): الشاعر المجاهد محمد محمود الزبيري

الكاتب المستشار عبدالله العقيل

تاريخ النشر الثلاثاء 31-أغسطس-1993

مشاهدات 68

نشر في العدد 1064

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 31-أغسطس-1993

لقد كنت شغوفًا بالأدب والشعر في مراحل مبكرة من حياتي الدراسية، وكان إعجابي الكبير بشعر أبي الطيب المتنبي، وشعر معروف الرصافي، كما كنت مولعًا بأدب مصطفى صادق الرافعي، حيث حفظت الكثير من شعر الأول والثاني واستظهرت الكثير من نصوص أدب الثالث.

وحين توجهت إلى مصر سنة ١٩٤٩م للدراسة الجامعية شرعت في القراءة للكثيرين من الأدباء والشعراء القدامى والمحدثين، وأحببت مجالسة المعاصرين للسماع منهم مباشرة من خلال الندوات الأسبوعية التي أحرص على حضورها والاستمتاع بها، والاستفادة مما يدور فيها من مساجلات أدبية ممتعة، وقصائد شعرية رائعة.

وكانت مصر إذ ذاك تضم الكثير من أحرار العرب ورجالات العروبة والإسلام، ومن هؤلاء الشاعر اليمني الكبير الأستاذ المجاهد محمود الزبيري رئيس اتحاد أحرار اليمن، وقد رغبت في التعرف إليه وزيارته والالتقاء به بعد قراءتي لقصيدته العصماء التي يعرض فيها أوضاع المسلمين وأحوالهم ومعاناتهم ومنها قوله:

مَن هؤلاءِ التائهونَ الحائرون؟ أفهؤلاءِ المسلمون؟

أبدًا تكذبني وترجمني.. الحوادثُ والظنون... إلخ

وحين توثقت الصلة أدركت أن الرجل ليس شاعرًا فحسب، بل قائد متمرس ومجاهد صلب وسياسي بارع، ومثقف واعٍ، له اطلاع واسع على مجريات الأحداث وأوضاع العالم العربي والإسلامي ومشكلات المسلمين وقضاياهم.

مأوى الأحرار ومنارة الشورى

لقد كان الأستاذ الزبيري من العاملين بجد وإخلاص لرفع الظلم عن الشعوب، وإقامة العدالة بين الناس، وتحقيق الشورى بين الحاكم والمحكوم، وقد جعل من مقر الاتحاد ومن منزله مأوى للوافدين إلى مصر من أحرار اليمن الذين فروا من الظلم والاضطهاد، وانتصبوا لمحاربة الجور والطغيان، وكانوا يمثلون شرائح من المجتمع اليمني، فيهم الأديب المثقف، والزعيم السياسي، والعالم الديني، والشباب والشيوخ على حد سواء.

وهم جميعًا ينظرون إلى المجاهد الزبيري نظرة التجلة والاحترام والإكبار والتقدير، ويكثرون من مشورته وينصتون إلى آرائه وتوجيهاته.

وكان -رحمه الله- طلق المحيا، يهش في وجوه الجميع ويتناول القضايا والمشكلات بأسلوب متوازن من حيث بسطها ودراسة جوانبها وتشخيص عللها وبيان طرق علاجها، فيستمع إلى آراء الجميع وينحاز إلى الرأي الذي يعضده الدليل وقوة البرهان، ويفند الرأي المرجوح ويبطل مقولته، فيخرج الجميع برأي واحد عن قناعة ورضى وتسليم.

والأستاذ الزبيري له اتصالات واسعة، ومعارف كثيرون معظمهم من العاملين في حقل الدعوة الإسلامية، كالأستاذ الإمام حسن البنا، والأستاذ الفضيل الورتلاني، والأستاذ عبدالحكيم عابدين، والأستاذ عمر بهاء الأميري والأستاذ علي أحمد باكثير وغيرهم.

صراع ضد التجهيل والاستبداد

وحين كان الزبيري في بلده اليمن، سعى بكل طاقته لإخراج بلاده من عزلتها، وفتح آفاق المعرفة أمام أبنائها، واطلاعهم على ما وصل إليه العالم المتحضر من تقدم علمي تكنولوجي في مجالات شتى، يحسن الاستفادة منها، لأن "الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها"، غير أن المشكلة تكمن فيمن بيدهم الأمر في ذلك الوقت، الذين يريدون تجهيل الشعب، وعزله عن العالم، لئلا يفتح عينيه وينظر فيما حوله، فهم في واد والشعب اليمني في واد آخر، حتى استشرى الظلم وزاد الطغيان فضج الناس وكان الطوفان بسبب هذا التزمت المقيت الذي لا أصل له من الدين، ولا صلة له بالإسلام.

حيث بلغ التعصب أقصى مداه وانتشر الجهل وعم الفقر وساد الظلم، وتحول الشعب إلى طبقة من المسحوقين والعبيد المسخرين لخدمة فرد على حساب الأمة بكاملها.. كل هذه الآفات من الظلم والجهل والجوع والفقر والمرض، فضلًا عن الكبت والتضييق والحرمان من إبداء الرأي أو تقديم النصيحة وإبداء المشورة، جعلت الأستاذ الزبيري وإخوانه الأحرار المخلصين والمسلمين العاملين يبحثون لهم عن مكان يلتقون فيه وإخوان يشدون أزرهم ويقفون إلى جانبهم لإنقاذ أمتهم وتحرير شعوبهم من القيود التي تكبلهم وتثقل كاهلهم.

مصر المقر والإسلام المنهج

فكانت مصر هي المقر وكان رجال الحركة الإسلامية فيها هم الأنصار الذين شدوا أزر إخوانهم اليمنيين، ووقفوا إلى جانبهم وقدموا كل ما يلزم من المال والرجال، وأخذوا بكل الأسباب المستطاعة والإمكانات المتوفرة، وإذا كان ما حصل في اليمن من إرادة التغيير التي لم يكتب لها النجاح، قد انعكس بآثار سلبية زادت من حجم المعاناة وشردت الكثير من الأحرار الشرفاء والرجال المخلصين، فإن الإرادة الصلبة التي تميز بها الأستاذ الزبيري، والعمل الدؤوب الذي هو طابعه بالليل والنهار، والإصرار العنيد على تحقيق الهدف، قد جعلت من الزبيري وإخوانه نماذج متميزة في النشاط والحركة.

بحيث استقطبوا الكثير من رجال اليمن وشبابها، للسير معهم في طريق الدعوة الإسلامية، باعتبار أن الإسلام هو المنهج الأمثل لحياة الأمم والشعوب والأفراد والجماعات والدول والحكومات، ومن ثم فلابد من توحيد كل الجهود لاستئناف الحياة الإسلامية وفق منهج الكتاب والسنة، وما أجمع عليه سلف الأمة مما لم يرد فيه نص.

زينة رجال اليمن

وقد وفق الله تعالى الأستاذ الزبيري وإخوانه إلى قطع مراحل طيبة في هذا السبيل، حيث كان التجمع اليمني يتخذ الإسلام أساسًا لتحركه، ويلتزم أفراد منهج الإسلام خلقًا وسلوكًا وعقيدة وشريعة ونظام حياة للأفراد والمجتمعات والدول، فكان هذا الشباب المسلم اليمني في صفائه ونقائه يمثل أهل اليمن الأصلاء الذين قال رسول الله ﷺ فيهم: «جاءكم أهل اليمن ألين قلوبًا وأرق أفئدة»، وقال: «الإيمان يمانٍ، والحكمة يمانية».

ذلكم هو الأستاذ الزبيري زينة رجال اليمن الذي اجتمعت عليه القلوب، ووثق به الناس لإخلاصه وصدقه ونزاهته وطهارته، فكان يتحرك بالإسلام وللإسلام وفي سبيل الله وابتغاء مرضاته، رحمه الله رحمة واسعة وأفاض عليه من شآبيب رحمته، ورزق الله أهل اليمن التوفيق للالتفات حول نظرائه من قادة الحركة الإسلامية المعاصرة في اليمن السعيد.

اقرأ أيضًا: 

الشعر الإسلامي المعاصر يرسم صورة الحاكم الطاغية وأثره على أمته

الرابط المختصر :