; تقرير حول ندوة العمالة الأجنبية في أقطار الخليج العربي | مجلة المجتمع

العنوان تقرير حول ندوة العمالة الأجنبية في أقطار الخليج العربي

الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي

تاريخ النشر الثلاثاء 25-يناير-1983

مشاهدات 55

نشر في العدد 605

نشر في الصفحة 12

الثلاثاء 25-يناير-1983

  • الآثار الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للعمالة الأجنبية

  • لماذا تواجد الأجانب خاصة فى كل قطاعات النشاط الاقتصادي؟

عقدت في الكويت ندوة هامة للغاية ما بين ١٥-۱۸ كانون الثاني/ يناير ۱۹۸۳ في فندق شيراتون، تحت إشراف المعهد العربي للتخطيط بالكويت ومركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، موضوعها «العمالة الأجنبية في أقطار الخليج العربي». وقد شارك في الإسهام بالندوة بحثًا وتعقيبًا وتعليقًا لفيف كبير من المهتمين بشؤون أقطار الخليج العربي، وللأهمية نذكر أسماءهم: 

د. إبراهيم سعد الدين- منتدى العالم الثالث في القاهرة، أحمد بهاء الدين- محرر في جريدة الأهرام د. أحمد سليم خليل- خبير التخطيط الزراعي في المعهد العربي للتخطيط، د. أحمد النعمة من قطر، د. أحمد مراد- مدير الدراسات في مركز الوحدة العربية، د. أسعد عبد الرحمن- قسم العلوم السياسية جامعة الكويت، د. إسماعيل سراج الدين من جامعة جونز هوبكنز في الولايات المتحدة، د. باسم سرحان من المعهد العربي للتخطيط، باقر النجار من قسم الاجتماع جامعة درهام في المملكة المتحدة، د. جاسم فرحان- المعهد العربي للتخطيط، جاسم عبد العزيز القطامي عضو مجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية، د. جهينة سلطان العيسى- قسم الاجتماع جامعة قطر، د. جودة عبد الخالق- كلية الاقتصاد جامعة القاهرة، د. جورج قصيفي من الأمم المتحدة اللجنة الاقتصادية لغربي آسيا، د. حسام مندور- المعهد العربي للتخطيط، د. حسن حمود- قسم الاجتماع جامعة الكويت، د. حيدر إبراهيم- قسم الاجتماع جامعة الإمارات، خضر القبندي- وزارة التخطيط، خلف أحمد خلف- مكتب المتابعة لمجلس وزراء العمل والشؤون الاجتماعية بالدول العربية الخليجية، د. خليل الطيار- مركز البحوث والمعلومات في بغداد، د. خير الدين حسيب- المدير العام لمركز دراسات الوحدة العربية، د. دارم البصام- المعهد العربي للتخطيط، د. روبرت مابرو من جامعة أوكسفورد، د. ریاض طبارة- برنامج الأمم المتحدة للتنمية، د. سعاد الصباح- جامعة ساري المملكة المتحدة، د. سعد الدين إبراهيم- الجامعة الأميركية في القاهرة، د. سليم نصر- مركز الدراسات والأبحاث عن الشرق الأوسط المعاصر، سليمان المطوع- شركة نفط الكويت، د. شملان العيسى- قسم العلوم السياسية جامعة الكويت، د. عبد الرحمن الحبيب- قسم الاقتصاد جامعة الكويت، عبد الرحمن الدرهم- وزارة العمل قطر، عبد الرزاق الفارس- جامعة الإمارات، د. عبد الفتاح ناصف- معهد التخطيط القومي القاهرة، د. عبد الله النفيسي- قسم السياسة جامعة الإمارات، عبد الله محمد علي- مدير المعهد العربي للتخطيط، عبد الله النيباري- عضو مجلس إدارة الجمعية الاقتصادية الكويتية، د. عبد المالك التميمي- جامعة الكويت، عبد المحسن حسن قطان- عضو مجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية، د. عبد المؤمن العلبي- الصندوق العربي للإنماء بالكويت، د. عبد الوهاب رشيد- المعهد العربي للتخطيط، عبيد المطيري- الاتحاد العام لعمال الكويت، د. عزيزة حلمي- الصندوق العربي للإنماء، د. علي أبو القاسم- المعهد العربي للتخطيط، علي العوني- منظمة العمل العربية، على الكندري- الاتحاد العام لعمال الكويت، علي الموسى- الكويت، فهمي هويدي- مجلة العربي، د. فيصل السالم- مندوب الكويت في اليونيسكو، فيصل مدوه- مجلس التعاون لدول الخليج، د. مجيد سعيد- المعهد العربي للتخطيط، محسن خليل- مركز البحوث والمعلومات بغداد، محمد الأمين فارس- منظمة العمل العربية، محمد شريف داود- الاتحاد الدولي لنقابات العمال العرب، محمد صالح الكواري- قطر، محمد عبيد غباش- الإمارات، د. محمد العوض جلال الدين- المعهد العربي للتخطيط، د. محمد الرميحي- مجلة العربي رئيس التحرير، د. محمود السيد محجوب- المعهد العربي للتخطيط، د. مرفت بدوي- الصندوق العربي للإنماء، د. مصطفى خوجلي- جامعة الكويت. د. مكرم صادر- مركز دراسات الشرق الأوسط المعاصر، د. نادر فرجاني- جامعة أوكسفورد، د. نعيم الشربيني البنك الدولي، د. نوال صقر- وزارة القوى العاملة، الهادي الغزي- جامعة الدول العربية، هاني الهندي عضو مجلس أمناء مركز دراسات الوحدة العربية، د. وليد مبارك- قسم العلوم السياسية- جامعة الكويت. د. نادر فرجاني.

تلخيص عام للندوة:

وبعد أن استمرت الندوة أربعة أيام كاملة أُلقي فيها عدة أبحاث وتعقيبات قدم د. نادر فرجاني تلخيصًا عامًّا للندوة، التي لسبب أو لآخر قد أحاطتها الصحافة اليومية المحلية بسياج مخيف من التعتيم، وإلى القارئ التلخيص العام:

نأتي إلى ختام ندوة «العمالة الأجنبية في أقطار الخليج العربي» بعد أربعة أيام قدم إلينا خلالها أربع عشرة دراسة، تعرضت لشتى جوانب الموضوع وأغنيت بخمسة وثلاثين تعقيبًا، كما دار النقاش العام حولها في الجلسات لأكثر من عشر ساعات. 

ولئن كان من جامع بيننا طوال هذه الفترة، فيقيني أنه كان الحرص الشديد على بلدان العرب المطلة على الخليج، والرغبة الأكيدة في ضمان ازدهارها وصولًا إلى التقدم في الوطن كله. كان هذا همنا، وإن اختلفت الاجتهادات. وعلينا أن نتذكر أن للمجتهد أجرًا وإن لم يصب. لقد بدأ التخطيط لهذه الندوة من فرضية أن خصائص العمالة الأجنبية في أقطار الخليج العربي تثير إشكاليات تتعلق بآثارها على البناء الاجتماعي- الاقتصادي واحتمالات التنمية في الخليج العربي، مما يوجب دراستها بعمق من منظور قومي. وقد ركزت أبحاث الندوة ومناقشاتها على البلدان الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي.

وقد أسفرت دراسات الندوة ومناقشاتها في تقديري عن حقائق ثلاث جوهرية: 

الأولى: أن العمالة الأجنبية في بلدان الخليج العربي ظاهرة مركبة تمتد جذورها أسبابًا وآثارًا إلى كافة أبعاد هذه المجتمعات. فالعمالة الأجنبية لا توجد في فراغ، وإنما نشأت في رحم الاقتصاد- السياسي للمنطقة في مفصله الداخلي وعلاقاته العربية وارتباطاته الدولية. كما أنها ما فتئت تؤثر في الوضعية الاقتصادية- السياسية لأقطار الخليج العربي وتتأثر بها في تفاعل جدلي؛ مما يكاد ينشئ للعمالة الأجنبية آلية مجتمعية تلقائية.

الثانية: أن التلاحم الوثيق لمشكلة العمالة الأجنبية مع النسيج الاجتماعي- الاقتصادي لبلدان الخليج العربي يرجع حلها النهائي إلى الإطار الشامل نفسه، ولكن توجد على الطريق إلى هذا الحل علامات كثيرة ربما كان أولها في المجال الفكري هو التعرف الدقيق على أبعاد المشكلة بأسلوب علمي رصين، ونشر الوعي الجاد بها من منطلق الالتزام بالتقدم والوحدة في الوطن العربي. 

الثالثة: أن معرفتنا بظاهرة العمالة الأجنبية في كليتها قاصرة عن متطلبات العمل الفكري اللازم لمجابهتها. ويعود هذا إلى عدم توافر الإحصاءات عن النواحي المختلفة لقوة العمل والسكان وارتباطاتها الاجتماعية- الاقتصادية من ناحية، والى قرب الغياب التام للبحث الميداني المضبوط في نواحي الظاهرة التي لا تغطيها عادة بيانات الأجهزة الإحصائية. ومن أسف أن الاتجاه هو حتى لتضييق نشر ما يجمع من بيانات إحصائية وهو بالأساس قليل وللحد من البحث الميداني. 

ومن الصعوبات التي واجهها المعهد العربي للتخطيط في إعداد «ملف المعلومات» لهذه الندوة دليل على هذا. وفي تقديرنا أنه لم يصدر عن المشاركين بالندوة مطلب أكثر إلحاحًا من جمع ونشر البيانات الضرورية للدراسة المتعمقة لظاهرة العمالة الأجنبية في الخليج العربي، وتشجيع القيام بالدراسات الميدانية المصممة لإجلاء الغموض عن دقائقها.

  • هوية الوافدين

ورغم ضعف قاعدة المعلومات فإنه يمكن توضيح حجم خصائص العمالة الأجنبية في الخليج بصورة تقريبية. فيقدر أن قرابة مليون ونصف عامل وافد كانوا يشكلون زهاء نصف قوة العمل في أقطار الخليج العربي في منتصف السبعينيات. كما تراوحت نسبة المواطنين في قوة العمل من حد أدنى حول 15 بالمائة في قطر ودولة الإمارات إلى حوالي الثلثين في السعودية، وكان أكثر من ثلث هؤلاء الوافدين من غير العرب. 

وقد ترتب على هذا أن تواجد الوافدون والأجانب خاصة في كل قطاعات النشاط الاقتصادي، وإن تركزوا في قطاعات التشييد والخدمات، كما لم يخلُ القطاع الحكومي من عمالة وافدة، وحتى أجنبية كبيرة الوزن النسبي، وبين الأجانب مَثَلَ الوافدون من شبه القارة الهندية حوالي الثلثين. كما تواجدت أقلية من أوروبا الغربية وأمريكا. وانقسمت الأقطار الخليجية بين صنفين، يغلب في القوة العاملة الوافدة في أولهما مواطنون عرب مثل الكويت والسعودية، بينما اعتمدت باقي الأقطار على عمالة أجنبية. وتتسم العمالة الوافدة- خاصة الأجنبية- بازدياد نسبة الذكور في سن العمل بها، إذ أنها بالأساس قوة عمل غير مستقرة. وترتب على وجود العمالة الوافدة ومعوليها أن وصلت نسبة الوافدين من سكان الأقطار العربية الخليجية إلى حوالي الربع، وتراوحت هذه النسبة بين الثلثين في قطر والإمارات إلى أقل من الخمس في السعودية والبحرين.

وتدل مؤشرات السنوات الأخيرة على تزايد نسبة الوافدين في كل من قوة العمل والسكان في جميع الأقطار العربية الخليجية، وعلى زيادة نصيب غير العرب حتى في البلدان التي اشتهرت بتغليب العمالة العربية، كذلك نشأ وتدَّعم منذ منتصف السبعينيات تيار هجرة جديد من شرق آسيا، ارتبط بصيغة «مجمعات العمل» في تنفيذ المشروعات الكبرى، وتزايدت مساهمته باضطراد في قوة العمل الأجنبية.

لقد استفحل تواجد العمالة الأجنبية في بلدان الخليج العربي رغم وجود شروط تفضيلية للعمال العرب على الأجانب في قوانين العمل ببعضها على الأقل، ورغم السيطرة الشديدة التي تفرضها السلطات الحكومية على حركة القوى العاملة الوافدة إليها.

  • أسباب وعوامل

فلماذا إذن انتشرت العمالة الأجنبية في الخليج العربي؟ لقد قدم العديد من الأسباب في أبحاث ومناقشات الندوة. فهناك التواجد التاريخي للآسيويين من شبه القارة الهندية في بعض مناطق الخليج وما ترتب من روابط تقليدية. وهناك الخلل الهيكلي في سوق العمل الذي نشأ عن الإنفاق العام المتفجر. وهناك منظم القطاع الخاص المعفي من تحمل التكلفة الاجتماعية التي تترتب على قرارات الاستخدام التي يتخذها، والذي يفضل في سعيه لتحقيق أقصى ربح ممكن تشغيل عمالة آسيوية أقل أجرًا وأكثر طاعة، وتبني فن إنتاجي كثيف العمالة. وهناك مضاعف العمالة الأجنبية ذو الأوجه المتعددة. وهناك سمات قيم الاتكالية والترفع التي تنامت استجابة لبعض التوظيفات الاجتماعية لعائدات النفط في صورة ريوع. وهناك تأثير النمط الاستهلاكي الترفي، والمباهاة الاجتماعية في استخدام العمالة في مجال الخدمة الشخصية، والاستخدام المبدد لسلعة رخيصة وهي العمل المأجور، وهناك قصور سوق العمل العربي عن توفير حاجات بلدان الخليج من العمالة، إما لعدم توفر الكفاءات المطلوبة أو لغياب آلية فعالة لتيسير تبادل الأيدي العاملة. 

ويمكن القول إنه قد سادت قناعة بأن هذه العوامل كلها تتضافر في شبكة سببية تنهض أساسًا لتفسير ظاهرة انتشار العمالة الأجنبية في بلدان الخليج العربي، بحيث يصعب فصل واحد منها نرجع له الظاهرة برمتها. ولكن البحث المعمق للإطار «الاجتماعي- الاقتصادي» لانتشار العمالة الأجنبية في الخليج العربي يمكن أن يؤدي إلى وضع أولويات تمكننا من تحديد نقاط اقتحام ناجعة في العمل على الحد من العمالة الأجنبية. ولا شك أن للعمل المجتمعي القائم بالأساس على السياسات الحكومية دورًا حاسمًا في هذا المجال.

  • ظروف العمل والمعيشة

ومن مزايا ندوتنا هذه أنها تطرقت لظروف عمل ومعيشة العمال الأجانب في أقطار الخليج العربي. ورغم مصاعب التوثيق والتدليل فإن هذه الظروف، باختصار، قاسية بالنسبة للعمالة الآسيوية التقليدية، سواء من حيث شروط التعاقد والتزام صاحب العمل بها، أو من حيث الأجر وساعات وعلاقات العمل ومكانه أو من حيث طبيعة السكن وخصائصه أو التحاق العائلات بذويها، أو التمتع بالخدمات العامة. ومدى التكيف الاجتماعي المتاح. كذلك أشير إلى ارتفاع معدل الإصابات المهنية ووقوع الأمراض العصبية والنفسية بين العمال الأجانب، ومجمل هذه الأوضاع ممارسة المجتمعات العربية الخليجية لنوع من العزل الاجتماعي، في ظروف معيشة وعمل متدنية مما يولد إحساسًا بالاغتراب والقهر الاجتماعي عند فئات عريضة من العمال الأجانب.

  • آثار على البناء الاجتماعي والاقتصادي:

وقد استأثرت معالجة آثار العمالة الأجنبية على البناء الاجتماعي- الاقتصادي لبلدان الخليج العربي باهتمام خاص في الندوة.

وبداية فإنه يجب عدم اختزال الوافدين إلى مجرد باحثين عن المال، فهم بشر لهم طموحاتهم، وقدرة على تحمل المشاق هي في النهاية محدودة، وإضافة إلى ظروف العمل والمعيشة السابق الإشارة إليها يتعرض العمال الأجانب لعمليات استغلال ومعاملة تفريقية؛ تنشئ تضاربًا في المصالح الأساسية بينهم وبين المواطنين خاصة أصحاب الأعمال، وهذا التضارب يمكن أن يطفو إلى السطح بأشكال من السلوك الانحرافي. كما أنه يؤكد الشعور باغتراب العامل الأجنبي، ويزيد من احتمال تبلور صراع اجتماعي ما زال حتى الآن كامنًا، وإن كان يقلل من فرص تبلوره حالة عدم الاستقرار التي يشعر بها العامل الأجنبي، ولو طالت مدة بقائه، ولكن الأمر لا يخلو من وجود بعض المتغيرات التي قد تنشط حركة الصراع الاجتماعي. ولعل من أهم الاستخلاصات التي توصلت إليها الندوة هي أن تكريس الاستغلال والتفرقة في أي مجتمع يضر بكلا طرفي الممارسة. والتخوف أن تتماسك هذه الأوضاع في تشكيل اجتماعي من طبقة من المواطنين لها نسقها التفريقي الخاص، ولكن تعزل عنها طبقة البروليتاريا الوافدة، ومن ثم تعزل نفسها، خاصة إذا كبرت الفئة الوافدة لتشكل الأغلبية. وهذا التكوين الاجتماعي ينفي عن البروليتاريا الوافدة- بدرجات متفاوتة- صفة الانتماء، ويهدر إمكانية ائتلاف مكوناته في مشروع تنموي حق.

 كذلك نوقشت آثار العمالة الأجنبية على الأسرة العربية وبخاصة في التنشئة الاجتماعية، حيث انتشر استخدام المربيات الأجانب اللواتي يعتمد عليهن بشكل رئيسي في تربية النشء. ونظرًا للخلفية الثقافية وتدني المستوى الاجتماعي لغالبية المربيات، فإن تأثيرهنَّ على لغة الطفل والعادات والقيم الاجتماعية يعد سلبيًّا. ولكن تفشي عمالة الخدمة الشخصية في بلدان الخليج العربي له أيضًا مضار تتصل بتهميش أدوار أفراد الأسرة، خاصة ربة البيت ونشر قيم الاتكال والتعالي.

آثار على الثقافة:

 وتدارست الندوة بعض آثار انتشار العمالة الأجنبية على الثقافة العربية من حيث تهجين اللغة العربية بكلمات أجنبية، وتداعى التركيب اللغوي السليم باستباحة التعامل بها، وتدعيم قيم اجتماعية سلبية. وقد ظهر من المناقشات أن التأثير الملاحظ على الثقافة العربية وخطورته، يعودان إلى وهن الثقافة العربية في الآونة الحاضرة. كما يجب مراعاة أن العمال الأجانب يحملون إلى منطقة الخليج العربي ثقافة هامشية لا يخشى منها إلا في حال غلبة العمالة والمكونات السكانية الأجنبية، وهذا للأسف حادث في بعض أقطار الخليج العربي. وفي النهاية تأكدت الإشارة إلى أن الثقافة الغالبة التي تشكل التهديد الحقيقي للحضارة العربية والآسيوية الوافدة- على حد سواء- هي الثقافة الغربية.

  • تجربة متميزة:

ولا شك أن للعراق تجربة متميزة في هجرة القوى العاملة ذات دلالة بموضوع الندوة. والخاصية الأساسية لهذه التجربة هي تحرير هجرة العرب والتقييد من هجرة غيرهم، إلا في أضيق الحدود. فالقوانين السائدة تعامل العربي الوافد كالمواطن العراقي، بل وتقدم له بعض الميزات. وقد اجتذبت العراق نتيجة لذلك عددًا كبيرا من المصريين تراوحت تقديراته بين أقل من المليون إلى ثلاثة ملايين، والاستخلاص الواضح هنا هو أن توجه السلطة له تأثير كبير على تركيبة العمالة الوافدة حسب الجنسية. 

ويمكن القول إن تقييم المصادر العراقية للهجرة المصرية هو إيجابي عمومًا. ولكن هناك تساؤلات كثيرة تدور وتثور حول مدى تواؤم الهجرة المصرية إلى العراق مع حاجة برامج الإنماء من ناحية، وحول العائد المترتب للعمالة المصرية المهاجرة من ناحية أخرى. ولكن مرة أخرى لا تتوفر أي معلومات شافية عن التجربة العراقية.

  • حلول:

وقد قاربت مداولات الندوة حل مشكلة العمالة الأجنبية في إطار التوجه التنموي العام. وقد سادت قناعة بأن تنمية حقة لا يمكن أن تقوم في الخليج العربي في الأجل الطويل إلا في إطار تكامل عربي. ولكن المحاور العملية للحد من الاعتماد على العمالة الأجنبية تتمثل أولًا في التقليل من الطلب الكلي على العمالة الوافدة، بالعمل على تخفيض معدل النمو الاقتصادي وطبيعته ونوعية الفن الإنتاجي المستخدم. وثانيًا في حث المواطنين على القيام بدور أكثر فعالية في العمل المنتج عن طريق تعديل نسق الحوافز المجتمعي في هذا الاتجاه وتطوير نسق التعليم والتدريب. أما المحور الثالث فيتضمن العمل على إحلال عمالة عربية عوضًا عن قطاعات من العمالة الأجنبية تدريجيًّا.

ونأتي إلى موضوع التعاون العربي في الحد من العمالة الأجنبية في أقطار الخليج العربي، وفيه نجد صعوبات جوهرية في سبيل تطوير مثل هذا التعاون، ويعود هذا من ناحية إلى تردي العمل العربي المشترك كله، وإلى خصوصيات سوق العمل العربي من عجز في المهارات وضعف الأطر المؤسسية، قطرية وقومية.

 وكل هذه الأمور بحاجة لتغيير جوهري حتى يمكن قيام تعاون حقيقي بين الأقطار العربية للحد من العمالة الأجنبية في الخليج العربي. ومنتهى المراد في هذا الصدد هو تضافر جهود البلدان العربية في مشروع قومي لتطوير الطاقات البشرية العربية المطلوبة للتنمية العربية.

  • خيط فكري:

لقد تخلل مناقشات الندوة خيط فكري قلق يقابل بين ما سمي بالتصور القومي- الذي يتخوف من غلبة العمالة والمكونات السكانية الأجنبية في مجتمعات الخليج العربية- وبين ما وصف بالتصور الاجتماعي الذي يدعو للتضامن بين المستضعفين في هذه المجتمعات. ولم يتبلور هذا الخيط إلى موقف عليه اتفاق، إلا أنه سادت قناعة بأن الموقف القومي التقدمي لا ينكر على إنسان يسهم في العملية الإنتاجية بمجتمع ما التمتع بالحقوق الإنسانية والرعاية المجتمعية.

لا ريب أنه كان لهذه الندوة حصيلة فكرية متميزة فيما يتصل بقضية العمالة الأجنبية في ارتباطها بالبناء الاجتماعي- الاقتصادي في أقطار الخليج العربي، لقد تطورت المعالجة الموضوعية للقضية عن طريق النقاش الذي دار وازدادت معرفتنا بتبادل الآراء، والحاجة ماسة لاستمرار الدراسة والبحث الجاد.

الرابط المختصر :