العنوان لبنان إلى أين؟ الطرح الإسلامي للقضية يلقي الضوء على حقيقة الأحداث وأسبابها وخلفياتها (الحلقة الأولى)
الكاتب عبد الرحمن الناصر
تاريخ النشر الثلاثاء 28-فبراير-1984
مشاهدات 64
نشر في العدد 660
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 28-فبراير-1984
قبل تسع سنوات أي في العام 1975م، قام مسلحون نصارى بتوقيف سيارة ركاب كانت تقل بضع عشرات من الفلسطينيين المقيمين في بيروت ثم قاموا بقتل جميع الركاب، ومنذ ذلك الحين وحتى هذه اللحظات كان القتل هو الشعار الذي التقى عنده جميع اللبنانيين، وكانت حربهم الأهلية تلك من أعظم المآسي التي شهدها العصر الحديث، ويكمن عظم المأساة كون اللبنانيين لم يكتفوا بالقتل المتبادل فيما بينهم، بل وجهوا الدعوات للآخرين للمشاركة في تلك العمليات، ومن هنا كان دخول الفلسطينيين والسوريين واليهود والأمريكان والفرنسيين، وبذلك عاش لبنان خلال هذه السنوات كرنفالًا مستمرًا للقتل والتدمير والخطف والذبح،، لم يشهد التاريخ المعاصر له مثيلًا، لهذا كله كان من حقنا وواجبنا أن نصرخ في كل الوجوه المشاركة والصامتة.
لبنان.. إلى أين؟
لبنان والتضليل الإعلامي
إن المتتبع لما تنقله وسائل الإعلام المختلفة عن القضية اللبنانية منذ بدايتها وحتى الآن يلاحظ مدى التضليل الذي تمارسه هذه الوسائل الإعلامية في عرضها للأحداث اللبنانية على الرأي العام الدولي والإسلامي والعربي على حد سواء، ونتيجة لمبدأ التضليل الذي انتهجته الوسائل الإعلامية كان التخبط والتناقض واضحين كل الوضوح في عرضها للأحداث، مما أدى إلى انعكاس هذا التخبط الإعلامي على الرأي العام الذي وقع في حيرة كبيرة أمام هذه القضية، وسوء فهم يكاد يكون كاملًا للأحداث اللبنانية وأسبابها وخلفياتها، ويكمن هذا التضليل في نوعية الطرح الذي كانت تطرحه وسائل الإعلام في تفسيرها وتحليلها للأحداث اللبنانية..
ونستطيع أن نحدد ثلاثة اتجاهات لتلك الوسائل الإعلامية التي تصدت لعرض الأحداث اللبنانية، وسنعرضها باختصار يتناسب مع المقالة المحددة.
أولًا: الاتجاه الغربي: والذي تمثله وكالات الأنباء الغربية والصحف والإذاعات الغربية، ومن يدور في فلكها من وسائل وأجهزة إعلام مختلفة في العالم الثالث والعالم العربي، وهذا الاتجاه يحاول تفسير الأحداث على أنها صراع بين المدافعين عن الديمقراطية الغربية وبين دعاة الفوضوية والشيوعية.
ثانيًا: الاتجاه اليساري: الذي تمثله وسائل الإعلام لدول المعسكر الشرقي، وهذا الاتجاه يحاول تفسير الأحداث وفق النظرية الماركسية من حيث ادعاء وجود تناقضات في المجتمع اللبناني أدت إلى الصراع بين الرأسمالية اللبنانية عميلة الغرب وبين الحركة الشعبية اللبنانية.
ثالثًا: الإعلام العربي: وهذا الإعلام لا يعتبر إعلامًا منفردًا بذاته، لكونه إعلامًا تابعًا لأحد الاتجاهين السابقين، فالإعلام العربي ليس إعلامًا مستقلًا، إنما هو إعلام يتأرجح ما بين الولاء للغرب والولاء للشرق، لذلك كان طرحه للقضية اللبنانية يدور في هذا الفلك أو ذاك.
لبنان والطرح الإسلامي
لقد كان الطرح الإسلامي للقضية اللبنانية هو الطرح الوحيد الذي ألقى الضوء على حقيقة الأحداث وأسبابها والخلفيات الكامنة وراء تلك الأحداث، وقد كان الطرح الإسلامي منطلقًا من حقائق قرآنية، ووقائع تاريخية، وأحداث ووثائق سياسية، لهذا كله جاء التفسير الإسلامي للأحداث اللبنانية معبرًا عن حقيقة القضية.
فما هو هذا التفسير؟؟
- الحقيقة الأولى التي انطلق منها الطرح الإسلامي في تفسيره للأحداث تكمن في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: 120)
وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ (المائدة: 51)
هذه الحقيقة القرآنية تعطي حكمًا قطعيًّا ثابتًا إلى يوم القيامة، يقضي بحتمية الصراع المستمر بين الباطل الذي يمثله اليهود والنصارى وبين الحق الذي يمثله الإسلام.
- الحقيقة الثانية: وتكمن في الوقائع التاريخية التي لا يستطيع منكر إنكارها أو مبتغٍ للحقيقة إغفالها، هذه الوقائع يمكن تحديدها وباختصار فيما يلي:
* التوجه الصليبي نحو المنطقة متمثلًا بالحملات الصليبية المتوالية خلال القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلادي.
* احتلال الصليبيين لعدد من المراكز والثغور الإسلامية في المنطقة، وعلى رأسها القدس، حيث ارتكبوا مجازر دموية رهيبة ذهب ضحيتها ما يقرب من 70 ألفًا من المسلمين.
* حملات التنصير والتبشير المستمرة من خلال الإرساليات المعروفة.
* الهجمة الاستعمارية الأوروبية على المنطقة ابتداء من حملة نابليون وانتهاء بتقاسم الدول الأوروبية للمنطقة وتقسيمها إلى كيانات تابعة للنفوذ الأوروبي.
* مساهمة النصارى في قيام الكيان اليهودي في قلب العالم الإسلامي فلسطين.
هاتان الحقيقتان القرآنية منها والتاريخية كونتا المنطلق الأساسي للطرح الإسلامي للقضية اللبنانية، ثم تأتي بعد ذلك المنطلقات الأخرى المتعلقة بالأحداث والوثائق السياسية، وهنا لابد لنا لتوضيح هذين المنطلقين من أن نتعرض لمواقف العناصر المؤثرة والفاعلة المتواجدة على الساحة اللبنانية مثل النصارى - الدروز - العدو الصهيوني، إلخ.
النصارى:
بداية نحب أن نؤكد على أن جميع المظاهر الخلافية بين الطوائف النصرانية اللبنانية هي حقيقة قائمة لا يمكن إنكارها كما هو الحال في جميع أنحاء العالم النصراني، حيث الخلافات المذهبية تمتد عبر التاريخ النصراني، ومن هنا فإننا نجد تباينًا ملحوظًا في المصالح بين هذه الطوائف، يصل أحيانًا إلى حد الصراع الدموي والتصفيات الجسدية، إلا أننا مع كل هذه المظاهر لابد لنا أن نؤكد أيضًا على حقيقة ثابتة أخرى، وهي الأهم بالنسبة للعالم الإسلامي، هذه الحقيقة تتمثل في أن جميع الطوائف النصرانية على اختلافها وتصارعها فيما بينها إلا أنها تلتقي وبشكل يصل إلى حد التلقائية على كراهية الإسلام والمسلمين.
ومن هنا فإن جميع الميليشيات النصرانية ابتداء بكتائب الجميل إلى نمور شمعون إلى مردة فرنجية إلى حراس الأرز إلى ميليشيات سعد حداد إلى.. إلخ، تصب كلها في اتجاه واحد هو العداء المتأصل للإسلام والمسلمين، ومن هنا فإن مواقفهم كلها كانت تنطلق من هذه الحقيقة.
ولا نريد هنا ونحن نتحدث عن لبنان الآن أن نذهب بعيدًا عبر التاريخ اللبناني لتعذر ذلك في هذه العجالة الصحفية، لذلك سنكتفي بعرض مواقفهم تلك خلال السنوات الماضية مع بداية الحرب الأهلية.
(يتبع في العدد القادم)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل