; هل انتهت مشاكل لبنان بعد خروج منظمة التحرير؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل انتهت مشاكل لبنان بعد خروج منظمة التحرير؟

الكاتب جمال الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 24-يناير-1984

مشاهدات 59

نشر في العدد 655

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 24-يناير-1984

• الفلسطينيون كانوا ضحية التآمر، ولم يكونوا سببًا في أحداث لبنان.

• السيف بلا عقيدة مادة جامدة والعقيدة بلا سيف قوة كامنة.

منذ بداية الصراع الدامي في لبنان رفع الكتائبيون شعار «تحرير لبنان من الغرباء! ولقد كانوا يقصدون بالغرباء الفلسطينيين. ولقد استعانوا ببعض العرب على الفلسطينيين فكانت مذبحة تل الزعتر ثم استعانوا باليهود الذين ألقوا بكل ثقلهم العسكري أثناء حصار بيروت. ثم استعانوا بالقوات متعددة الجنسيات التي أسهمت في إخراج منظمة التحرير من بيروت ثم انسحبت القوات المتعددة بسرعة مذهلة أعقبتها مجزرة في صبرا وشاتيلا بالتعاون بين اليهود والكتائبيين. ثم عادت القوات المتعددة بعد المجزرة لحماية من تبقى على قيد الحياة من اللاجئين الفلسطينيين أو هكذا قيل!

ثم بسط الجيش اللبناني ذو القيادة الكتائبية ظله على بيروت الغربية المسلمة التي نعمت بشيء من الحرية والتخلص من الأخطبوط الكتائبي الصليبي لعدة سنوات أثناء تواجد الفلسطينيين المسلحين واعتقلت قوات السلطة كما اختطفت قوات الكتائب عددًا كبيرًا من الفلسطينيين واللبنانيين المسلمين بعد دخول بيروت الغربية ولم يعرف مصير كثير من هؤلاء المعتقلين والمختطفين حتى الآن.

ثم بدأت قوات منظمة التحرير تتواجد في بقاع لبنان وشماله فرفع الكتائبيون شعار «انسحاب القوات الأجنبية» من لبنان. ودارت الدائرة على القوات الفلسطينية المقصودة بالدرجة الأولى فمزقت شر ممزق في البقاع والشمال بمؤامرة غاية في الخبث والدهاء. ثم خرج عرفات وقواته من طرابلس إلى دول عربية متعددة» وبعيدة عن خطوط التماس مع العدو اليهودي. ولم يبق في لبنان من وجود عسكري فلسطيني إلا ما هو تابع لسوريا وتحت سيطرتها. بمعنى أنه لا يملك حرية الحركة بمعزل عن القرار السوري. فهل استقرت الأوضاع في لبنان واستتب الأمن في ربوعه؟

واقع الحال يؤكد أن لا شيء من هذا قد تحقق وأن المقولات السابقة التي كانت تعزو أسباب الاضطراب في لبنان إلى تواجد الفلسطينيين وبالذات المسلحين منهم، هذه المقولات قد سقطت الآن نهائيًّا بعد استمرار التوتر والقتال بل وازدياده في كثير من الأحيان. كما سقطت مقولة أن قوات العدو اليهودية قد احتلت لبنان لتحقيق الأمن للجليل أي لشمال فلسطين وتحرير لبنان من الفلسطينيين الغرباء، فقد خرج الفلسطينيون الأصلاء وبقي اليهود الغرباء في لبنان. وبالمثل سقطت أيضًا مقولة أن السوريين دخلوا لبنان كقوات ردع عربية لتحقيق التوازن الطائفي في لبنان والمحافظة على صيغة لبنان العربي إذ إن الطائفة الوحيدة التي لا تجد من يدعمها في لبنان هي طائفة المسلمين السنة والقوة العسكرية الوحيدة التي كانت سندًا للمسلمين السنة هي القوات الفلسطينية التي أخرجت من لبنان. أما بقية الطوائف فقد وجدت لها ظهرًا وظهيرًا وعونًا ومعينًا.

• الجهل بحقيقة الصراع

ومما يؤسف له أن بعض الأصوات المحسوبة على المسلمين في لبنان كانت تردد جهلًا أن الصراع الحقيقي في لبنان لم يكن صراعًا بين مسلمين وكتائبيين وإنما هو بين كتائبيين وفلسطينيين وأن المسلمين وجدوا أنفسهم داخل دائرة الصراع وليس ذلك باختيارهم، ولا هو من مصلحتهم، ويوم يخرج الفلسطينيون من لبنان تنتهي المشاكل

ووجدنا في الطرف الآخر- طرف الفلسطينيين- من يردد جهلًا أن الصراع في لبنان يدور بين قوى وحدوية وقوى انعزالية ولا علاقة للطائفية ولا للمذهبية في ذلك.

وقلنا منذ البداية: إن الصراع في لبنان امتداد للصراع في فلسطين وإن الذين خططوا لإقامة الكيان اليهودي في فلسطين على حساب المسلمين هم أنفسهم الذين خططوا لإقامة الكيان الكتائبي في لبنان على حساب المسلمين.

وإن ما يجري في لبنان اليوم هو حلقة في سلسلة المخطط الرهيب- طويل المدى متعدد المراحل- الذي يستهدف إقامة كيانات طائفية. ومثلما كان ملوك الطوائف نذير انهيار الدولة الإسلامية فإن الكيانات الطائفية التي أقيم بعضها اليوم والبعض الآخر في الطريق إنما الهدف منها منع إقامة الكيان الإسلامي الواحد الذي يحقق للمسلمين عزتهم في الدنيا والآخرة.

ومثلما ينظر كثير من العاملين في منظمة التحرير الفلسطينية إلى الإسلام نظرة هامشية سطحية ينظر كثير من العاملين في الحقل الإسلامي إلى هؤلاء نظرة الريبة والشك واللامبالاة. ومن نتيجة ذلك أن يكون الانفصام بين السيف والعقيدة فالسيف بلا عقيدة مادة جامدة والعقيدة بلا سيف قوة كامنة.

لقد فرحنا حين التحمت حركة التوحيد الإسلامي في طرابلس مع حركة فتح فتحركت الأيدي الخفية بسرعة للفصل بينهما وعاد السيف في جهة والعقيدة في جهة أخرى، فضعف الاثنان معًا.

وعادت لبنان مسرحًا للصراع الطائفي بل ميدانًا لتثبيت أقدام طائفة على حساب طائفة أخرى. ومع أن المسلمين في لبنان هم الكثرة إذ يزيدون عن ٦٠ % من عدد سكان لبنان إلا أن بذور المذهبية ومنذ زمن بعيد جعل منهم طوائف متعددة وجعل الموارنة الذين لا يزيدون عن ٣٠ ٪ من السكان هم السادة والمنفذون في كافة المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية. هكذا أريد للبنان أن يكون منذ البداية، ليسهل انسلاخه عن الأمة الإسلامية في الوقت المناسب، ولذلك تحركت هذه الأيام أصوات تنادي بالحياد، حياد لبنان على النمط السويسري أو النمساوي وبذلك ينسلخ عن محيطه العربي الإسلامي رسميًّا.

ويجد الدعاة إلى الحياد سندًا لهم في ميثاق الجامعة العربية غير الملزم لأي عضو من أعضائها بتنفيذ مقررات لا يوافق عليها أو لا تتفق مع مصالحه الخاصة. كما نصت على ذلك المواد الخامسة والسادسة والسابعة من ميثاق الجامعة العربية.

• لمن السلطة في شرق بيروت

ولعل الأمر المحرج بالنسبة للسلطة اللبنانية التي تطالب ببسط سيطرتها على كل لبنان هو عجزها عن بسط سيطرتها على بيروت «الكبرى» وبالتحديد شرق بيروت، إلا إذا اعتبرنا أن الكتائبيين والسلطة شيء واحد، وفي هذه الحالة يصعب على الدروز والشيعة قبول هيمنة الكتائب عن طريق الواجهة السلطوية

أما المسلمون السنة في غرب بيروت فقد جردتهم القوات الإسرائيلية ثم اللبنانية ثم متعددة الجنسية من سلاحهم فأصبح رفضهم العلني المسلح متعذرًا ولذلك لجأوا إلى وسائل أخرى.

• خطة كيسنجر:

وفي الوقت نفسه فإن الولايات المتحدة التي كانت تسعى إلى سيطرة الكتائب على كل لبنان يبدو أنها بدأت تعود إلى اقتراحات كيسنجر اليهودي الخبيث الذي كلف ذات يوم بحل مشاكل المنطقة فأعلن لعدد من قادة لبنان والعرب عن رأيه في ضرورة تقسيم لبنان.

واليوم فإن تقسيم لبنان من الناحية الواقعية قائم، ففي الجنوب دولة سعد حداد الهالك في مرج عيون ذات الـ ۳۰۰۰ مسلح بالإضافة إلى اليهود.

وفي النبطية دولة للشيعة يسيطر عليها اليهود وفي المختارة دولة الدروز الذين يشكلون ١٠٪ من سكان لبنان وقد جلا اليهود عن منطقتهم. وفي زغرتا دولة للمردة بقيادة سليمان فرنجية تحميها قوة مؤلفة من ۱۰۰۰ مسلح. وفي بكفيا دولة للكتائبيين بقيادة بيير الجميل الذي أسس حزب الكتائب عام ١٩٣٦م على نمط الشبيبة المسلحة في إيطاليا وأسبانيا في ذلك الحين ويعتبر حزب الكتائب أقوى الأحزاب المارونية ولكنه لا يقاتل معتمدًا على نفسه فقد اعتمد على السوريين ثم على اليهود ثم على القوات الأمريكية وهو يحاول جاهدًا أن تكون له الكلمة العليا على كل أرجاء لبنان وإلا فلتكن له دولته الخاصة به أي أنه لا يقبل المساواة مع الطوائف الأخرى فإن فشل في الهيمنة عليها فليبتعد عنها بكيانه الخاص. وهو يتحالف مع أي كان ويفك ارتباطه بأي كان في سبيل تحقيق أهدافه. وإذا كان اليهود يسيطرون على حوالي ٤٠ ٪ من أرض لبنان في الجنوب فإن السوريين يسيطرون على ما يقرب من هذه النسبة في شمال شرق لبنان ويتواجد لهم حوالي ٣٠ ألف جندي.

أما السلطة اللبنانية التي تملك الآن حوالي ٣٤ ألف جندي فإن الجزء الوحيد الذي تسيطر عليه سيطرة تامة فهو بيروت الغربية التي انسحبت منها القوات الفلسطينية والتي يسكنها المسلمون السنة أما بيروت الجنوبية فهناك قوات أمل الشيعية التي يجري القتال بينها وبين القوات اللبنانية سجالًا عنيفًا في بعض الأحيان كما حصل مؤخرًا بعد انسحاب القوات الفرنسية من مناطق صبرا وشاتيلا ومحاولة قوات السلطة وقوات أمل السيطرة عليها ثم حسم الأمر مؤخرًا على ما يبدو لصالح قوات السلطة. وأما بيروت الشرقية فهي تحت السيطرة الكاملة للكتائبيين وكذلك مدينة جونية القريبة من بيروت.

• المسلمون في طرابلس:

وأما المسلمون السنة في طرابلس فهناك محاولات تجري هذه الأيام لتجريدهم من سلاحهم الذي حصلوا عليه من قوات عرفات بدءًا من السلاح الثقيل كمرحلة أولى حيث يطلب منهم تجميعه في أماكن محددة واستعماله في حالة هجوم «إسرائيلي أو غيره!» ولقد عاد الحزب الشيوعي إلى مكاتبه في طرابلس. وأما الحزبان الآخران: حزب البعث السوري، وحركة ٢٤ تشرين فيشترطان للعودة ضمانات وشروطًا معينة منها تحديد المسؤولية عن طردهما وتصفيتهما.

وقد وصل رشيد كرامي إلى طرابلس مباشرة بعد خروج عرفات وقواته وحمل تعهدات سورية بعدم دخول المدينة وطالب بجمع السلاح الثقيل وفي هذه الأثناء انفجر الموقف من جديد بين «الفرسان الحمر» وحركة التوحيد الإسلامي أي بين العلويين أنصار سوريا وبين الطرابلسيين المسلمين فعاد التوتر من جديد وما زالت المساعي مستمرة لتحقيق «المصالحة الوطنية» في طرابلس وما زال خطر اشتعال الوضع في المدينة لتصفية البقية الباقية من المسلمين المسلحين قائمًا.

ويبدو أن قوات «أمل» التي تلقت ضربة قوية عن طريق الطيران اليهودي بعد إفراج السوريين عن الطيار الأمريكي روبرت غودمان بواسطة القس المرشح للرئاسة الأمريكية جيسي جاكسون يبدو أن قوات أمل بعد تلقي هذه الضربة أخذ الشك يساورها في حلفائها الذين ربما وقعوا في على صفقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل؛ نفس الشك بدأ يساور الدروز الذين تحالفوا مع أعداء عرفات بعد أن كانوا حلفاءه بالأمس. وحين تعلن «حركة الجهاد الإسلامي» الشيعية عن مسؤوليتها عن اغتيال مدير الجامعة الأمريكية ببيروت وعن اختطاف القنصل السعودي في بيروت وعن وساطة دمشق في موضوع القنصل فإن هناك تطورات جديدة قادمة على الساحة اللبنانية ربما كان فيها شيء من تغيير التحالفات لكن ذلك كله لن يخرج عن إطار الخطة العامة للكبار في التلاعب بمصير الأمم عن طريق الصغار.

وسيظل لبنان في هذه المرحلة مجال التجارب لتحقيق أنجع السبل لقيام الكيانات الطائفية وتثبيت الكيان اليهودي. وليس هناك من حل يعيد الأمور إلى نصابها إلا إعلان الجهاد الإسلامي وظهور المسلمين المجاهدين ﴿ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ أَعۡظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِۚ . (التوبة:20).

﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمۡ يَرۡتَابُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ. (الحجرات:15).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل