; محمد أسد ومراد هوفمان: مسلمان ناطقان بالألمانية | مجلة المجتمع

العنوان محمد أسد ومراد هوفمان: مسلمان ناطقان بالألمانية

الكاتب محمد شاويش

تاريخ النشر السبت 12-يناير-2002

مشاهدات 62

نشر في العدد 1484

نشر في الصفحة 66

السبت 12-يناير-2002

قرأت كتاب محمد أسد «الإسلام على مفترق طرق» في التسعينيات، فأدركت أنه من الكتب ذات الأهمية البالغة التي لم تزل مهمة، مع أنه صدر في الثلاثينيات وترجمه الدكتور عمر فروخ في مطلع الخمسينيات على ما أظن، وقرأت أنا الطبعة الرابعة من الكتاب الصادرة عن دار العلم للملايين - بيروت ١٩٦٢٠م.

وبين هذه السنين المتباعدة تساءلت عن محمد أسد، أین أراضیه یا تری؟

في كتابه المذكور رأيته مقتنعًا قناعة كاملة بتفوق الإسلام كبديل حضاري، بل إنه لينتقد «المستنيرين» من المسلمين الذين يظنون أن بإمكانهم استعارة شكل الحضارة الغربية بدون استعارة مضمونها، ليس ثمة فائدة في أن تجادل -كما يفعل بعض المتنورين من المسلمين- ونزعم أننا لن نتعرض لعواقب «روحية» ما، فيما لو عشنا حسب هذا السبيل أو ذاك، أو فيما لو لبسنا ثيابًا أوروبية أو أسيوية، أو فيما لو كنا محافظين في عاداتنا أو غير محافظين.

«إن السطحيين من الناس فقط يستطيعون أن يعتقدوا أنه من الممكن تقليد مدنية ما في مظاهرها الخارجية من غير أن يتأثروا في الوقت نفسه بروحها». ص - ۸۱: ۸۲.

على أنه برغم ذلك لم يكن متفائلًا بالمستقبل القريب لانتشار الإسلام في المجتمع الغربي، ولم يكن يرى في حالات اعتناق بعض الأفراد من هذا المجتمع للإسلام برهانًا على أن انتشار الإسلام قريب، إذ إن البوذية أيضًا تكتسب بعض الأتباع في الغرب وغيرها من الطوائف أيضًا. وتبقى الحقيقة التي يذكر بها: «إننا لسنا من الثقافة على شيء، بينما النفوذ الغربي هو اليوم على أتم قوته في العالم الإسلامي». ص ٦٦.

فقدت شخصيًّا أثر هذا الكاتب النمساوي المتميز الذي أحسبه من أبلغ الكتاب المسلمين الذين كتبوا بالألمانية، حتى عثرت عليه في مذكرات كاتب مسلم آخر ألماني الأصل، هو الدكتور مراد هوفمان.

ولد مراد هوفمان عام ١٩٣١م في مدينة أشافنبورغ واعتنق الإسلام عام ۱۹۸۰م، وكان دبلوماسيًّا ألمانيًّا عمل في السفارات الألمانية في بلاد عديدة مثل باريس وفيينا والجزائر وبون والرباط، وقد درس الحقوق في ميونخ ثم في مدرسة هارفارد للقانون، وعمل في جملة أعماله مديرًا للإعلام في مركز الناتو في بروكسل. وقد اشتهر هوفمان عند القارئ العربي فيما أعتقد عندما كان سفيرًا لألمانيا في المغرب.

وهأنذا أنقل للقارئ ما كتبه عن لقائه مع أسد في صفحة من كتاب مذكراته:

«لشبونة ٢١ سبتمبر ۱۹۸۳م».

«أخيرًا ها نحن أولًا نلتقي مع محمد أسد وزوجته الأمريكية بولا حميدة في فندق تيفولي.

الرجل صاحب الخمسة والثمانين عامًا يقود السيارة بتحكم مثالي، كفاءته باللغة الألمانية كما كانت منذ عقود لم تصدأ، على أن المرء يستطيع أن يتحدث معه أيضًا بالبولونية والعبرية والعربية والبرتغالية والإنجليزية طبعًا.

ها نحن أولًا نتكلم عن العمل المتألق الذي أنجزه في حياته وعن آماله الكبرى في الثلاثينيات في أن الإسلام سيبزغ من النوافذ حالما يفلس الإلحادان الغربي والشيوعي.

لقد أفلسا كلاهما ولكن الإسلام ما انتبه إلى كونه البديل، لأنه ما من بلد إسلامي عرض البديل الجذاب ذا المصداقية.

السيد الهرم، بعينيه اليقظتين المتشككتين -اللتين لا تفوق أهميتهما في استعادة الإسلام عافيته إلا أخلاقه العالية وتواضعه- لا ينزلق الآن أيضًا في تفكير حلمي بعيد عن الواقع رغم مرارة الاستنتاجات التي تسوقه إليها تحليلاته للوضع الراهن.

إنه يرى كم هو كبير مقدار المهام المتوجب إنجازها قبل أن يصبح صعود الإسلام أمرًا يمكن التفكير فيه كاحتمال واقعي.

ولكنه يقتادني إلى الفرض الواجب ﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ﴾ (البقرة: 153).

وعلى الله لا شيء يستحيل».

قرأت وصف الدكتور هوفمان لهذا اللقاء وعدت من جديد إلى شعوري نفسه باستفقاد محمد أسد -إن كان لا يزال حيًّا- وماذا عساه يقول الآن بعد هذه المقابلة الأخيرة التي جرت منذ ثمانية عشر عامًا!

هذان الأخوان: هوفمان وأسد أوروبيان على كل حال، فهما أقرب إلى منطق الحساب البارد الذي يجعلهما فيما أعتقد لا يريان أن هذا الخيار الحضاري الذي هما مقتنعان به قريب من أن يصل إلى أن يصبح خيارًا يمكن التفكير به، ولكننا نحن العرب أكثر اعتيادًا على فكرة التقلبات التي تأتي بلا مقدمات كالمطر في يوم صاف.

ولعمري كما قال الدكتور هوفمان: لا شيء على الله مستحيل، ولكننا لو تتبعنا سنن الله في الحضارة وحدها في الميزان لعدنا نردد مع أسد قوله في الثلاثينيات: «لسنا من الثقافة على شيء، والنفوذ الغربي لا يزال على أتمه في العالم الإسلامي».

وأعود فأسأل نفسي: هل الآلية التي قادت هذين الرجلين إلى اعتناق هذا الدين يصعب أن تستعاد في لحظة ما، فتقود أغلبية المجتمع الغربي في الاتجاه نفسه؟

ليس ذلك على الله بمستحيل طبعًا، على أننا يجب أن نبني ما دعاه هوفمان وأسد في لقائهما «البديل الجذاب ذو المصداقية».. وهكذا ترجع المهمة من جديد إلينا.

ولندع إلى ربنا دومًا بالحكمة والموعظة الحسنة، ولنجادل بالتي هي أحسن، ولنكن نحن دومًا أبناء هذه الثقافة العظيمة الأكثر إنسانية وعدالة مع الخصوم قبل الأصدقاء.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 11

119

الثلاثاء 26-مايو-1970

حدث هذا الأسبوع - العدد 11

نشر في العدد 247

93

الثلاثاء 29-أبريل-1975

المجتمع الإسلامي (247)

نشر في العدد 1143

207

الثلاثاء 28-مارس-1995

«تايسون» والإسلام