; الإسلام والقومية (۲) من (۸) الظهير الحامي للفكر الصليبي | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام والقومية (۲) من (۸) الظهير الحامي للفكر الصليبي

الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود

تاريخ النشر السبت 19-فبراير-2005

مشاهدات 62

نشر في العدد 1639

نشر في الصفحة 46

السبت 19-فبراير-2005

كانت الحلقة الأولى التي ينبغي تفكيكها في إطار المواجهة الصليبية الاستعمارية للإسلام هي حلقة الخلافة الإسلامية بقصد القضاء على النظام العام الذي يجمع المسلمين تحت راية واحدة، ويصنع منهم كتلة جامعة تتصدى للعدوان الصليبي الاستعماري.

 وكانت الخلافة العثمانية - وهي آخر نظام للخلافة الإسلامية، استطاعت عند قيامها أن تحقق حلمًا إسلاميًا قديمًا بإسقاط الهيمنة الأوروبية المتمثلة في الدولة الرومانية والبيزنطية من بعدها، فقد اصطلت شعوب الشرق قبل الإسلام، وبعده بحروب بشعة شنها الأوروبيون دون هوادة، وبلغت ذروتها في الحروب الصليبية التي استمرت قرونًا، ومازالت حتى اليوم.

فتح العثمانيون القسطنطينية، وتوغلوا في قلب أوروبا، وكان ذلك ردًا معنويًا على الهزيمة القاتلة التي لقيها المسلمون في الأندلس، حيث سقطت في يد الصليبيين الهمج بقيادة «فرديناند» «وإيزابيلا» وتبع ذلك السقوط الداوي وحشية غير مسبوقة حيث قام الصليبيون المتنصرون بمذابح بشعة ضد المسلمين، وأقاموا محاكم التفتيش، وأرغموا من بقي من المسلمين على أرض الأندلس على تغيير دينهم ولغتهم وملابسهم وعاداتهم وتقاليدهم، ليكونوا صليبيين تمامًا، وأطلقوا عليهم اسم «الموريسكيين»، تمييزًا لهم عن الصليبيين الغزاة!

ولا ريب أن الدولة العثمانية قامت بدور مهم في الدفاع عن بلاد الإسلام على مدى أربعة قرون، ولكنها لم تأخذ بأسباب التقدم والتفوق الأساسية، وهي العدل والمساواة والشورى والحرية والوعي بروح الإسلام وقيمه وأخلاقه، حيث سادت المظالم في شتى أرجاء الولايات العثمانية، فغزاها الضعف والوهن والعجز، وطمع فيها الأعداء المتربصون من قادة الاستعمار الصليبي الجدد «إنجلترا وفرنسا خاصة» واستطاع هؤلاء استعمار الشواطئ الإسلامية في البحر الأبيض والمحيط الأطلسي وبحر الهند والبحر العربي، ثم تغلغلوا إلى داخل الدول العربية والإسلامية، وفرضوا على مدى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر هيمنتهم على معظم أراضي الخلافة العثمانية، وفي الوقت ذاته تغلغل النفوذ اليهودي والصليبي داخل دوائر الحكم في إسطنبول «الأستانة سابقًا» فاهتز البنيان، وترنح وسقط مع هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى، وقام نظام علماني عميل يقوده »مصطفى كمال أتاتورك»، ينبذ الإسلام واللغة العربية والشريعة، ويؤسس لقومية طورانية تنعزل عن بلاد الإسلام. وتكرس التبعية للعالم الصليبي الاستعماري إلى الدرجة التي جعلته وهو يحتضر يفكر في إقامة السفير البريطاني في أنقرة حاكمًا لتركيا!.

أما على الساحة العربية، فقد أقنعت بريطانيا وفرنسا بعض الحكام العرب بإعلان الثورة ضد الدولة العثمانية عام ١٩١٦م، وإعلان الانفصال عن الدولة العثمانية، تمهيدًا لإعادة الخلافة الإسلامية إلى العرب، مع وعد باستقلال العرب عن الدول المستعمرة لبلادهم، ولكنه وعد المكر والخديعة. فما كادت الخلافة تنفصم عراها، وتتفكك إلى دويلات وإمارات، حتى أحكم الصليبيون المستعمرون قبضتهم على جميع الدول الإسلامية المحتلة. وأشعلوا فيها صراع القوميات والأعراق، وصار العرب دولاً شتى وإمارات متعددة، لا يجمعها جامع ولا يربطها رابط إلا رباط الذل والتبعية للصليبيين الغزاة. أنهدم البنيان الإسلامي الذي كان يجمع الألوان والأعراق والطوائف في تناغم باهر تحت راية «لا إله إلا الله محمد رسول الله» وفي الخرائب نمت الجراثيم الفتاكة والحشائش الضارة والزواحف القاتلة، وكانت ثورات و انقلابات ودماء وتغريب وسجون وإهدار أموال وطاقات، والعدو الصليبي الاستعماري يستمتع بالمشاهد الدامية الحزينة التي تعرض عليه، فهو ينزح ثروات المسلمين الضعفاء، ويسوق منتجاته في بلادهم، ويهيمن على حاضر المسلمين ومستقبلهم، ويصنع على عينه نخبة ثقافية موالية له ومتيمة به، كارهة لإسلامها، رافضة لتراثها المضيء، تردد ما يقوله العدو الصليبي الاستعماري، كما الببغاء لا تتوقف بعين العقل والنقد عن مقولاته أو تصوراته، بل تأخذها وحيًا مقدسًا، في الوقت الذي لا تكف فيه عن السخرية من قيم الإسلام ومقاصده وتشريعاته، هذه النخبة الثقافية كانت الظهير الذي يحمي الفكر الصليبي الاستعماري في بلاد المسلمين، وكانت الطليعة التي بيدها مقاليد الإدارة والتوجيه والقيادة في ربوع الإسلام!.

هناك من يقول: ومتى اتحد المسلمون على مدى التاريخ؟ إن الفترات التي توصف بالوحدة أو الاتحاد كانت محدودة زمنيًا، وتمت في ظروف استثنائية، أما الأصل أو القاعدة، فهي حروب دائمة، وصراعات مستمرة بين الدويلات والإمارات والولايات التي كانت تضمها الدولة الإسلامية، ويستشهدون بالصراع على الخلافة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وصراع الأمويين والعلويين أو العباسيين، وثورات الزنج والقرامطة، والخوارج قبل هؤلاء وأولاء، ثم حركات الاستقلال التي قام بها الولاة في شرق الخلافة وغربها على عهد الدولة العباسية وما بعدها.... إنهم يرون أن فكرة الخلافة لم تتحقق عمليًا على أرض الواقع تاريخيًا، وبالتالي لن يكون لها مستقبل.

وهذا كلام فيه تخليط وفساد فالدولة الإسلامية كانت قائمة، وكانت وحدتها حقيقة راسخة ولعلها أول من عرف ما يسمى الآن بالنظام الفيدرالي، الذي يمنح الولايات حرية العيش وفق الظروف المحلية والعادات والتقاليد التي لا تتناقض مع مفاهيم الإسلام وقيمه، ولكنها جميعاً، تخضع لقانون عام ونظام شامل، يركز على أمن الدولة وسيادتها وقدرتها الاقتصادية والثقافية، وهو ما جرى عليه العرف في الخلافة الراشدة، والأموية، والعباسية، والفاطمية والعثمانية، وما كانت الثورات أو الصراعات من أجل الاستقلال على أساس قومي أو عرقي أو وطني، ولكنها قامت بسبب خلل سياسي أو اقتصادي أو فكري أو قضائي أصاب الولاية أو أصاب جماعة من الناس على النحو الذي فصلته كتب التاريخ.

إن تفكيك الخلافة وفقًا للأسس القومية والقطرية، كان ترتيبًا صليبيًا استعماريًا هدفه استباحة الأمة الإسلامية والإسلام. والدليل على ذلك، أنه منذ انفراط عقد الخلافة، والدول الإسلامية التي تخلفت عنها عربًا وفرسًا وهنودًا وبنجالًا وبلوشًا وغيرهم لم يحققوا نجاحًا يذكر، وعاشوا هزائم غير مسبوقة عسكريًا واقتصاديًا وحضاريًا. 

الرابط المختصر :