; الزحف الصليبي.. إلى أين؟ | مجلة المجتمع

العنوان الزحف الصليبي.. إلى أين؟

الكاتب مجلة (الغرباء)

تاريخ النشر الثلاثاء 30-يناير-1979

مشاهدات 78

نشر في العدد 430

نشر في الصفحة 22

الثلاثاء 30-يناير-1979

• قال لي أحد المحافظين في دولة العلم والإيمان:

في المستقبل القريب سوف يكون الخطر المحدق بالإسلام وديار الإسلام هذا الزحف الصليبي الذي تدعمه أمريكا، وتؤيده بعض دول أوربا الغربية، ولن يكون الخطر الصهيوني إلا خطرًا متواضعًا للغاية إزاء الخطر الصليبي الذي لم يعد اليوم خافيًا على أحد..

في مصر مثلًا بدأت الصليبية تخرج من قماقمها، بعد أن أصبحت مصر ولاية أمريكية، لتكتسب امتيازات لم تكن تحلم بها، ولن يكون آخر امتياز ما منحته أخيرًا في وادي النطرون: ألف فدان بحجة استصلاح أرضها. هذا بالإضافة إلى وجود الدير هناك مستعمرة مستقلة ودولة داخل الدولة، وإلى الأراضي الشاسعة التي اشتراها النصارى هناك..

ولم يعد خافيًا على أحد أن أقباط مصر قد أصبحوا يمتلكون سلاحًا، ولم يتوقف شراؤهم للأسلحة، ومنذ شهور ضبطت أسلحة في أحد الأديرة بأسيوط تقدر بخمسة ملايين جنيه، وقد قال الرئيس السادات في إحدى خطبه بالإسكندرية: نحن سنبني ديرًا لإخواننا الأقباط؛ لكن أرجو لا يتاجروا بهذا الدير.. ربما كان يقصد الإشارة إلى الأسلحة التي ضبطت في أحد الأديرة.

إن عقدة النصارى في مصر تتركز في ادعائهم أن مصر بلدهم، وأن المسلمين الذين يمثلون ٩٥٪ من السكان غرباء دخلاء، وسلالة الغزاة العرب هؤلاء الذين فتحوا مصر منذ زهاء أربعة عشر قرنًا؛ وعلى هذا الأساس أصدروا جريدتهم «وطني»، وقد أصدروها في عهد الثورة -غير المباركة- وكانت لهم من قبل جريدة اسمها مصر، كان يدعمها سلامة موسى الذي هلك منذ زهاء عشرين عامًا، وكانت هذه الجريدة لا تعني إلا ببث الفتن والغمز في عروبة مصر..

وجريدة «وطني» اليوم تقف بالمرصاد في مصر لأية محاولة تسعى لمجرد التفكير في تطبيق الشريعة الإسلامية، أو لعودة جماعة الإخوان المسلمين رسميًّا إلى الحياة السياسية.

وبينما تفرض الرقابة المحكمة المتعنتة على مجلتي الدعوة والاعتصام، لا تفرض هذه الرقابة -على الإطلاق- على جريدة وطني، ولا على المجلات الأسبوعية أو الشهرية التي تصدرها الكنيسة في القاهرة..

في مصر قبل الثورة لم يكن يمثل الأقباط إلا وزير واحد، ولكن اليوم يمثلهم أكثر من وزير، ولم يكن من قبيل المصادفة أن يظل منصب وزير الخارجية شاغرًا، وأن يشغله بالنيابة سليل الخيانة لمصر بطرس غالي؛ فأبوه هو الذي يوم أن كان رئيسًا للوزارة المصرية هو الذي باع قضية مصر والسودان للإنجليز بلا مقابل، ولقي جزاءه رصاصات أودت بحياته سددها إلى صدره الخائن الشهيد الورداني الذي أعدمه الإنجليز. وقد أصدر الشيخ على الغاياتي ديوانه «وطني» وأشاد بقصيدة بالورداني، وكتب مقدمة الديوان رئيس الحزب الوطني «محمد فريد» الذي حكم عليه بالسجن سنة أشهر من أجل المقدمة، أما الشيخ الغاياتي فقد فر إلى سويسرا، وأصدر هناك جريدة «منبر الشرق» باللغة الفرنسية، ولما عاد إلى مصر أصدرها باللغة العربية حتى لقي ربه سنة ١٩٥٨، وتوقفت الجريدة التي دافعت عن الإخوان في محنتي ١٩٤٨/ ١٩٥٤، ونسيت مصر الورداني والشيخ علي الغاياتي، وتجاهل المسلمون جريدة منبر الشرق. وقد زرت الشيخ الغاياتي في مرض موته بالمستشفى وأوصاني خيرًا بالجريدة، وحاولت العمل على مواصلة إصدارها، وفشلت كل محاولاتي.

ويبدو أن أمريكا لها هيمنة على السياسة المصرية، ولهذه الهيمنة اعتبارها، وليس من قبيل المصادفة تعيين فكري مكرم عبيد أمينًا عامًّا للحزب الوطني الديمقراطي في مصر، فأمريكا حريصة على أن يمثل أقباط مصر تمثيلًا جذريًّا في السياسة، وقد أصبح فكري مكرم عبيد هو مركز الثقل في الحزب الوطني الحاكم، يطوف بالبلاد من أقصاها إلى أقصاها، تنصب له الزينات، وتقام له المهرجانات، وقد زار أخيرًا قرية على جانب شارع الهرم -أو شارع الكباريهات- اسمها نزلة البطران، وقد قال لي أحد المواطنين: لقد تكلف السرادق والزينات والأضواء خمسة عشر ألفًا من الجنيهات من دم الشعب المصري المكدود والمطحون...

والشطر الثاني من وادي النيل أقصد السودان..

في زيارتي الأخيرة سمعت من بعض المواطنين ما أقلقني وأقض مضجعي، فالزحف الصليبي أصبح سافرًا سفورًا وقحًا، فيه أوقح التحدي لمشاعر المسلمين، فمثلًا الإرساليات التبشيرية ضاعفت من نشاطها، وامتلاك الأراضي أصبح يسير على قدم وساق، وتحويل هذه الأراضي إلى مستعمرات مسيحية، أما مجلس الكنائس العالمي فقد أصبح له في السودان نفوذ مطلق غير محدود، وقد أصبح من المألوف أن تهبط الطائرات على المستعمرات المسيحية، فتنزل القساوسة والمبشرين والنشرات التي تدعو إلى نشر المسيحية والنيل من الإسلام.

والنظام الحاكم في السودان لا يعنيه الأمر في قليل أو كثير، فالمهم لديه أن يعيش، ومهما رفع من شعار الإسلام أحيانًا فليس هذا إلا من قبيل الاستهلاك والتحذير، ولكن أبعاد المأساة أكبر وأخطر مما نتصور، فالنشاط المسيحي لم يتوقف عند حدود شطر السودان الجنوبي، ولكنه امتد إلى الشمال بشكل مثير للفزع، أن السياسة الصليبية لدى أمريكا بكل مؤسساتها التبشيرية، وفي مقدمتها هيئة الكنائس العالمية، تسعى جاهدة إلى تأسيس مركز بمثابة منطلق للمسيحية في إفريقيا، وبالمثل في الشرق الأقصى، وقد اختارت إندونيسيا في هذا الشرق الأقصى، وتركز على السودان ومصر في إفريقيا، ولما كانت مصر صعبة المنال، فأصبح التركيز على السودان بصفة خاصة، ولا سيما أن الشطر الجنوبي منه قد سقط بأسره في أيدي المسيحية، وأن الحبشة المتاخمة للسودان، سواء أكانت بوجهها الأحمر الشيوعي، أم بوجهها الصليبي، لا بد أن تتعاون مع الفتح المسيحي الجديد في السودان.

يبدو أن التفكير كان من قبل يتجه إلى الاعتماد على لبنان ليكون ركيزة المنطلق المسيحي في الشرق الأوسط، وبالتعاون مع إسرائيل والمنطلق الصهيوني يمكن تطويق الإسلام ووضعه بين فكي الكماشة، فلا يستطيع بعد ذلك حراكًا. ولكن أحداث لبنان الأخيرة أثبتت أنه من المستحيل وجود قاعدة مسيحية في لبنان، وقد صرحت الجبهة الصليبية -المارون والكتائب-: أن لبنان مستعد لاستبعاد مسيحيي الدول العربية مقابل تهجير مسلمي لبنان، وهذا يبرهن على أن مسألة وجود ركيزة للمسيحية في الشرق الأوسط مسألة جادة، والهدف في النهاية هو تطويق الإسلام.

إن تفكير الأنظمة الحاكمة في ديار مسلمي الشرق الأوسط هو أقل من أن يوصف بالتفاهة، فالواقع يقول: إن الحرب في لبنان حرب صليبية، والحاكمون بأمرهم يقولون: لا، إنها حرب سياسية، بل لقد كان جمال عبد الناصر يقول: إن الحروب الصليبية لم تكن حروبًا دينية، بل كانت سياسية اقتصادية. وهو معذور بجهله، وترفض وسائل الإعلام في مصر وصف الحرب في لبنان بالدينية، وعلى النقيض نصح رئيس مجلس الشعب المصري السابق سيد مرعي الأعضاء الذين طالبوا في مذكرة بتطبيق الشريعة الإسلامية، نصحهم بأن الوقت غير مناسب، والحرب الطائفية على أشدها في لبنان.

أقول: إن الحكام الأباطرة لا يشغل أذهانهم الخطر الصليبي المحدق بالإسلام وديار الإسلام؛ وإنما يشغلهم فحسب بقاؤهم في مراكزهم، وما دامت هذه إرادة أمريكا وهم عملاء لها، وهم يجهلون أن السياسة الأمريكية لا تتورع عن التضحية بعملائها إن قريبًا وإن بعيدًا. إن أمريكا لا يهمها أن يسقط أصدقاؤها، بل كل ما يهمها هو: كيف تستفيد من سقوط أصدقائها؟ وإن غدًا لناظره قريب.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 11

124

الثلاثاء 26-مايو-1970

قضية الحرب والسلام!

نشر في العدد 17

119

الثلاثاء 07-يوليو-1970

أنا شعب مسلم