العنوان الإجهاض.. دينيًّا وعِلميًّا
الكاتب د. حسان حتحوت
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يونيو-1972
مشاهدات 89
نشر في العدد 104
نشر في الصفحة 8
الثلاثاء 13-يونيو-1972
محاضرة الدكتور حسان حتحوت عن:
الإجهاض.. دينيًّا وعِلميًّا
في الساعة التاسعة من مساء السبت الموافق ٣ يونيه ۱۹۷۲ بقاعة المحاضرات بمبنى جمعية الإصلاح الاجتماعي، ألقى الدكتور حسان حتحوت «رئيس وحدة بمستشفى الولادة» محاضرة قيّمة عن «الإجهاض علميًّا ودينيًّا» نحاول تلخيصها الآن.. ولعل هذا العمل تعم فائدته لو نشر كاملًا.. وفي نية الدكتور ذلك في القريب إن شاء الله.
تطور التشريعات بالنسبة للإجهاض
منذ القدم وحتى الأمس القريب كان الإجهاض العمد عملًا مقيتًا في كل المجتمعات.. ومنذ فجر التاريخ الطبي كان إجراء الإجهاض عملًا منهيًّا عنه، بل إن «قسم أبقراط» الذي يعتبر من موروثات المهنة جيلًا بعد جيل حتى عصرنا هذا، ليشتمل على فقرة يقسم الطبيب فيها ألا يقدم لأحد سمًّا، ولا يصف دواءً يجهض به حاملًا.
وما كانت إباحة الإجهاض في عمومها، إلا مبنية على دواعٍ طبية قاهرة تعترف بها القوانين، وتعد الإجهاض في غيرها جريمة ذات عقوبة منصوص عليها في قانون العقوبات.
الموجة الجديدة
بيد أن العالم اليوم تهب في أرجائه موجة تشريعية بإباحة الإجهاض، لغير الأسباب الطبية المتعارف عليها.. وهي إنقاذ حياة الأم إن كان استمرار الحمل يسبب خطرًا عليها!
وتلمست هذه الموجةَ دواعٍ كثيرة، قلبت بها المفاهيم المتعارف عليها وتوسعت في مدلول الأفكار والنصوص، بدرجة أخلت بمبناها ومضمونها.. حتى وصلت في نهاية المطاف إلى صرخات قوية عديدة، ظهرت منذ سنوات وما زالت تحاول تحقيق انتصارها كما حققته في بعض الدول، مثل هنغاريا والاتحاد السوفياتي، وثلاث ولايات أميركية هي ألاسكا، وهاواي، ونيويورك.. بالإجهاض حسب الطلب.
قانون الجزاء الكويتي
وقانون الجزاء الكويتي ينص في المواد ١٧٤ إلى ١٧٧ عـلـى أن:
كل من أجهض امرأة حاملًا برضاها أو بغير رضاها، عن طريق إعطائها أو التسبب في إعطائها عقاقير، أو مواد أخرى مؤذية، أو باستعمال القوة، أو أية وسيلة أخرى قاصدًا بذلك إجهاضها.. يعاقب بالحبس مدة لا تجاوز ۱۰ سنوات، ويجوز أن تضاف إليها غرامة لا تجاوز ۱۰۰۰۰ روبية.
فإذا كان من أجهضها على النحو السالف ذكره طبيًّا أو صيدليًّا أو قابلة، كانت العقوبة الحبس مدة لا تجاوز خمس عشرة سنة، ويجوز أن تضاف إليها غرامة لا تجاوز ١٥٠٠٠ ألف روبية.
خلفيات الموجة
* والواضح أن الدعوة لإباحة الإجهاض لم تصدر عن الدوائر الطبية، بل إنها سخرت الهيئات التشريعية لإصدار تشريعات، ما زالت الدوائر الطبية تحتج عليها إلى الآن، فقد أعلمنا الأستاذ الدكتور سیر توماس جنكويت «الرئيس الحالي للجمعية الملكية لأطباء الولادة وأمراض النساء» في صراحة على أمواج الإذاعة البريطانية فقال:
- إن قانون الإجهاض لسنة ١٩٦٧، قد احتضنته مجموعة من المشاغبين قليلة العدد، ولكن قوية التنظيم!!
غزت الرأي العام والرأي البرلماني بالدعاية وبتحريف الحقائق.. فأثاروا العواطف بالأوهام لا بالوقائع، وهولوا في خسائر الإجهاض غير القانوني، مع أن إحصاءات هذه الخسائر معروفة، وسخروا الصحافة في غسل مخ الأمة بشعار «الإجهاض عند الطلب»، وبأموال مجلوبة من الخارج، طبعوا وروجوا كتيبًا يشرح القانون الجديد بأسلوب مغرض وعبارة موجهة.. وعندما عرضت الهيئات الفنية استعدادها للمساهمة في بحث التشريع الجديد، قال أحد أعضاء البرلمان: لسنا هنا لنسمع لرأي الفنيين ونصحهم.. إننا هنا لنشرع!!
•• واستمر الدكتور حسان في عرض مفصل لتطور التشريعات في هذا الموضوع.. ثم أوضح الخلفية الأخلاقية لهذه الموجة فقال:
• اجتاحت العالم بعد الحرب العالمية الأولى فلسفتـــــــان جديدتان أو لعلهما ذراعـــــــان لفلسفة واحدة.
- الأولى: تنكر الله أساسًا وتنكر الدين، متهمة إياه بأنه أفيون الشعوب.. وتدعي أن الأنبياء كانوا مصلحين اجتماعيين، أرادوا أن يغروا الناس باتباعهم، فوعدوهم بمغانم لم يكونوا يملكونها.. ولهذا أحالوهم إلى مصرف وهمي يسمى النعيم في الآخرة.. وقد هدفت من البدء إلى إخلاء النفس من الله، وشغلها ببديل عنه!!
- أما الذراع الأخرى فقد امتدت إلى العالم المتدين، وشقت طريقها بالتدريج في العالم الغربي المسيحي.
وبدأت بمذهب جديد اسمه «الفضيلة الجديدة».. تمجد العقل وتدعو إلى تبجيله.. فما وافق العقل فهو الصواب، وما خالفه فهو الخطأ.
وكان طبيعيًّا أن العقل وقد أصبح السلطة العليا في الحياة الإنسانية، أخذ يختار من جديد ما يوافق عليه، ويستبعد ما لا يبصر الحكمة فيه من تعاليم!!
- وقامت تساند هذه الحركة حركة فكرية أخرى، منفصلة عنها في الظاهر، ولكنها متسقة معها في الأثر، هي حركة «فضيلة بلادي».
• وأوضح الدكتور حسان أن الحافز والدافع وراء الحركة، هي أنها جزء من حركة أوسع منها بكثير، دائبة على هــــــدم التراث الخلقي والديني الإنساني، وتيسير الأمور أمام الإباحة الجنسية ورفع العقبات أمامها واحدة واحدة!!
رياح الموجة
والخشية أن تجتاح هذه الحركة البلاد الإسلامية، تحت شعار حرية المرأة في أن تستبقي الجنين!!
ولكنها في وجه السيل الجارف لا يمكن أن تتأتى، ما لم ينشط المصلحون والمخلصون لتوعية الشباب بمبادئ الحرية الحقة والإنصاف الصادق.. فالفضيلة «طب وقائي» لا في مجال الطب فحسب، ولكن على نطاق أوسع بكثير.
تطورات الجنين
منذ يصل حيوان منوي من الرجل إلى البويضة التي خرجت من المبيض، وبدأت رحلتها إلى الرحم في قناة تفضي إليه، يلتحم الحيوان المنوي بالبويضة ليكونا خلية واحدة.. وفي ثلاثين ساعة -هي أطول فترة انتظار في حياة الجنين- تحدث داخلها تغيرات تؤدي إلى قسمة الخلية إلى اثنتين، ثم تتوالى الانقسامات بسرعة إلى أربع ثم ثمانٍ ثم ست عشرة وهكذا.. وتبلغ هذه المضغة الرحم بعد أيام ثم تغرس نفسها داخل بطانته.. وهي من قبل ومن بعد في انقسام يستمر حتى تصبح الخلية من البدء إلى الميلاد، من واحدة إلى مائتي مليون خلية، ويزداد حجمها ثلاثة ملايين مرة، ويزداد وزنها ستة آلاف مليون مرة، وتتحزب الخلايا كل جماعة في طريق لتكون قطاعًا من الجنين، ثم الأعضاء في هذا القطاع.. كل هذا في نشاط دائب لا يتوقف.
وتعجز العين عن تتبع هذا النشاط الجم.. ولكنها تتبين استطالة الجنين في أسبوعين، وتستبين طرف الرأس من طرف الذيل، وبدء ظهور قطاعاته الأربع والأربعين بين ١٩ و٢١ يومًا، وفي سن ثلاثة أسابيع، تبدأ في الظهور فصوص المخ والأعصاب وحفرة الفم، وبداية الأنف والأذنين، وبداية الأحشاء والأوعية الدموية، التي يدفع فيها الدم قلب بدائي نابض، وفي يسر وانسياب يزداد شكل الجنين وضوحًا وأحشاؤه نضوجًا.
أما جنين الشهر الثالث، فهو عمليًا إنسان صغير.
ولقد كان يظن في الماضي البعيد أن إحساس المرأة بدبيب الجنين على جدار رحمها، سببه دبيب الحياة في الجنين «وهو ما يسميه الغزالي وغيره نفخ الروح»، ولكن علم الأجنة أظهر أن الجنين يتحرك من قبل ذلك بزمن طويل.. ولكن لا تحس الحامل بحركته إلا في وقت لاحق.. لأنه يعيش في كيس غشائي مليء بسائل يسمى السائل الأمنيوسي، يتمتع فيه الجنين بحرية الحركة.. بل إن في المستشفيات الآن أجهزة تستطيع بها أن تسمع دقات قلب الجنين ذي الأسابيع الثمانية.. وإن يكن القلب أيضًا يدق من قبل ذلك.
- وقد أصبح الآن لدى علماء الأجنة علم يقين، بأن الجنين يتحرك قبل شعور الأم بحركته بوقت طويل، وأن تطوره التدريجي من خلية إلى وليد، هو تطور ناعم مستمر، دون وجود فواصل علمية أو خطوط واضحة تحسم طورًا عن طور.
تحريم الإجهاض
• وعرض الدكتور لآراء بعض فقهاء المسلمين نذكر منها بعضها:
- ورأى آخرون أنه حرام، وأوجبوا الدية أو الغرة حسب تفصيل في ذلك، وقالوا: إن فيه حياة محترمة «أي الجنين» هي حياة النمو والإعداد.. ومن هؤلاء الإمام الغزالي الذي عرض لهذه المسألة مفرّقًا بينها وبين «العزل لمنع الحمل» قائلًا: إن ذلك جناية على موجود حاصل.
- أما صاحب الخاتمين «من علماء الحنفية» فيقول:
«ولا أقول بالحل، إذ المحرم لو كسر بيض الصيد ضمنه لأنه أصل الصيد، فلما كان يؤاخذ بالجزاء، فلا أقل من أن يلحقها إثم هنا، هذا إذا أسقطت بغير عذر».
ويقول الأستاذ «الزرقا» وممارسة الإسقاط في هذه الصورة، أي بعد التخلق وقبل مضي مائة وعشرين يومًا على الحمل، تعد في نظر الشارع جرمًا يوجب احتمال الخطيئة ديانةً، واستحقاق التعزير بالعقاب قضاءً، سواء كان الفاعل أبًا أو أمًّا أو أجنبيًّا عنهما.. ويترتب أيضًا على إسقاطه مسؤولية مدنية أي ضمان مالي على تينك المسؤوليتين الدينية والجزائية.. فيجب على من يسبب إسقاطه دية الجنين المسماة «غرة».
وهذه الغرة يرثها ورثة الجنين المسقط.. لكن من تسبب للإسقاط إذا كان من ورثة الجنين يغرم الغرة ولا يرث هو منها.. هذا كله إذا لم يكن هناك عذر مبرر لإسقاطه.
ثم عقب الدكتور على هذه الآراء:
- ولا عذر إلا العذر الطبي الذي تنجو به حياة الأم.. أما خشية رضاع لبن «الغيل» أي لبن المرأة الحامل، ومالية الأب لا تساعد على استئجار مرضع، فهو عذر لا مكان لــه الآن، لإمكان منع الحمل ابتداءً أو التغذية باللبن الصناعي، بل إن العلم لا يمانع في أن يرضع المولود لبن الحامل بإعطائها مقويات من كالسيوم وحديد وفيتامينات، وهي تعطى مجانًا في رعاية الحوامل.. وتوفر لها أيضًا اللبن الصناعي.
من كانت له حقوق في الإسلام، فبداهة أن يكون له حق الحياة، وللجنين في الإسلام:
أ- حق المحافظة على حياته، بدليل إرجاء القود من الحامل حتى تضع.. وتأجيل رجم الزانية حتى تضع «مما يدل على أن حمل السفاح ليس عذرًا للإجهاض».
ب- وقف نصيب من الميراث للجنين.
ج- يرث الجنين الحي ويورث.
د- إخراج زكاة الفطر عن الجنين... إلخ.
كل هذا يعني أن الجنين في كل أدواره له أساسًا حق الحياة، الذي لا يهدره إلا اصطدامه بحق الأم في الحياة.
•• وإذا كان الدكتور حسان قد استطاع في هذه المحاضرة، أن يفتح أبصارنا على غبار هذه العاصفة، التي يسعى مثيروها لأن يغبش نور حياتنا الإسلامية النظيفة، ويتلمسوا في مجتمعاتنا روح التقليد اللاواعية، فإنه قد أصبح لزامًا على كل مسلم أن يبني لنفسه وإخوانه المسلمين سدًّا منيعًا، يرد غبارها عن أرضنا وسمائنا بالفهم الواعي لديننا.. فإنا نستنجز وعده لنا بالكتاب الوافي ليكون تحت أيدينا زادًا للدعاة إلى الله على بصيرة.
والله من وراء القصد.