; «فوبيا» الانتخابات والديمقراطية: لماذا أجَّل النظام المصري انتخابات المحليات؟ | مجلة المجتمع

العنوان «فوبيا» الانتخابات والديمقراطية: لماذا أجَّل النظام المصري انتخابات المحليات؟

الكاتب د. عصام العريان

تاريخ النشر السبت 25-فبراير-2006

مشاهدات 63

نشر في العدد 1690

نشر في الصفحة 28

السبت 25-فبراير-2006

وعود النظام تأتي دائمًا بعكس المقصود منذ أن عد مجلس قيادة الثورة في عهد عبد الناصر بإرساء حياة ديمقراطية سليمة

الصحافة الغربية قرار التأجيل جاء بسبب الخوف من الديمقراطية ومحاولة وقف صعود الإخوان المسلمين السياسيِّ

القرار جاء مكافأة للمفسدين.. وحرس الحزب الوطني والنظام منتفعون بالفساد الذي نخر كالسوس في الجهاز الإداري للدولة

فاجأ الرئيس مبارك الشعب المصري بإصدار قرار بقانون بتأجيل الانتخابات المحلية المقرر إجراؤها في أبريل ٢٠٠٦ لمدة عامين.. المفاجأة شملت الجميع بما فيهم الحزب الحاكم الذي كان أسعد القوى بسبب حالة الارتباك التي تسود أوساطه والاستعدادات للمؤتمر العام القادم الذي ينتظر الناس من خلاله تغييرات كبيرة خاصة بعد الفشل الذي مني به الحزب الانتخابات البرلمانية بعد حصوله على 31% فقط من المقاعد وزيادة هذا الرصيد إلى 75% بعد ضم المستقلين الذين رفضوا قرارات عدم الترشح.

كان هذا مؤشرًا على انقسام شديد بين الذين يسيطرون على القرار السياسي ويرشحون الأسماء للرئيس وبين قواعد الحزب التي ترى نفسها مؤهلة للعمل السياسي والبرلماني، وحصلوا على 44% من المقاعد مما كان يقتضي محاسبة المسؤولين الحزبيين وقيادة الحزب ولكن ذلك لم يتم بل كان التضحية بشخص واحد في حجم كمال الشاذلي لإرضاء الساخطين وإلهاء المتفرجين.

كانت الانتخابات المحلية فرصة لإعادة ترتيب الحزب من الداخل وإتاحة فرصة لتجديد دماء القواعد والمنافسة على أكثر من ٥٠ ألف مقعد في النجوع والقرى والمراكز والمدن والمحافظات.

قدمت الحكومة باسمها القانون الذي صدر خلال 4 أيام فقط في عملية سلق واستعجال تعود عليها النظام منذ عقود، في حين يفترض أن العملية التشريعية تقوم بها الأحزاب والقوى السياسية من خلال أعضائها في المجالس النيابية وأحياناً يتم تسمية القوانين باسمهم كما في أمريكا.

فسَّرت الحكومة مشروع القانون بمد عمل المجالس المحلية لعامين آخرين بأنها بصدد عمل تعديلات على قانون الإدارة المحلية ليعطي صلاحيات أكبر للمجالس ويكرس اللامركزية في النظام السياسي المصري.

وعود النظام المصري تأتي دائمًا بعكس صود، فها هو وعد عدم حبس الصحفيين منذ سنتين لم يتحقق ووعد الرئيس بإلغاء الطوارئ يهدده إصدار قانون جديد للإرهاب أقسى من قانون الطوارئ وهكذا منذ وعد مجلس قيادة الثورة بإرساء ديمقراطية سليمة بعد إدانة الديمقراطية الليبرالية قبل عام ١٩٥٢م وما زلنا ندرس خريطة الطريق إلى الديمقراطية، ووعد السادات بالرخاء بعد نصر أكتوبر وحوالي 25٪ من شعب مصر يعيش تحت خط الفقر الآن وتآكلت الطبقة الوسطى إلى حد مخيف.

السؤال: لماذا لم يتقدم النظام بهذا القانون الذي وعد به منذ قرابة عشرين عامًا؟!! وهل يستطيع أن يوفي في سنتين بما فشل فيه خلال عقدين؟ الصحف الغربية جميعًا دون استثناء قدمت تفسير واحدًا للقرار المفاجئ وهو: الخوف من الديمقراطية، الخشية من مواجهة الشعب في انتخابات جديدة، محاولة وقف صعود الإخوان المسلمين السياسي بعد فوزهم في الانتخابات الأخيرة، وكذلك بعد فوز حماس التاريخي في فلسطين.

هذا المشروع الصاعد بطرق ديمقراطية تتم مواجهته عبر عدة آليات منها: إشعال بؤر التوتر والصراع العرقي والمذهبي ومنها شغل جموع الشباب المسلم بحروب ضيقة ومستمرة عبر العنف المتزايد الذي يتم تصعيده كل فترة باستفزازات متكررة وكأنها desensitiz ation «نزع الحساسية» ومن خلال ذلك يتم دمغ المسلمين جميعًا بتهم الإرهاب والعنف وتشويه صورة الإسلام نفسه ورموزه في الذهنية الغربية، بل وحشد العالم كله من روسيا إلى الصين إلى الهند ضد المسلمين ومنها : دعم النظم الدكتاتورية منذ ستين عاماً وحتى الآن في باكستان وليبيا وتونس... إلخ، ومنها أخيرًا نظرية صدام الحضارات، وكذلك: إفشال المشروع نفسه حتى يتم القضاء على ما يتصوره البعض الحلم الأخير لنهضة شاملة في العالم عربي والإسلامي تقوم على الحلم الإسلامي، بعد فشل الحلم الليبرالي ثم الحلم الثوري ثم الحلم الاشتراكي ونهاية حقبة الدولة الوطنية القومية الحديثة لكي تدخل إلى عالم جديد تسوده العولمة العسكرية والاقتصادية في عالم ما بعد الحداثة.

الارتباك سببه الخوف من صعود الإسلاميين إلى السلطة، ثم تمكنهم فيها وقدرتهم على تحقيق معدلات تنمية معقولة مكافحة الفساد وزرع قيم الحرية عبر والعدل والعزة والكبرياء القومي الإسلاميِّ.

 القلق داخل النظام المصري أشد وأقوى لأن هندسة النظام لانتقال سلمي للسلطة مهددة بأي عملية ديمقراطية. لقد عاشت الجمهورية المصرية منذ إعلانها عام ١٩٥٣م. انتقالًا سلسًا عبر آلية محدودة وهي اختيار نائب للرئيس يتولى الرئاسة فور خلو المقعد الرئاسي، ونظرًا لاحترام الشرعية في مصر فقد اكتسب كل من عبد الناصر والسادات ومبارك شرعية فورية رغم علو الموجة الديمقراطية في منتصف الخمسينيات وعلو الموجة الاشتراكية في بداية السبعينيات ورغم وجود شخصيات قوية عند اغتيال السادات.

أزمة انتقال السلطة

اليوم ومع غياب نائب للرئيس وزيادة الطلب الشعبي والدولي على الديمقراطية والإصلاح والتغيير فإن هناك أزمة في انتقال السلطة.

ملف التوريث يطل برأسه كلما أصابت الرئيس إشاعة صحية وكلما أطلت قضية سياسية مثل انتخابات الرئاسة ثم البرلمان. الآن ومع اعتماد آلية الانتخابات الرئاسية والتعديل الخطيئة للمادة ٧٦ من الدستور ورفض أي إجراء يسمح بانتخابات حقيقية وليست ديكورية؛ حيث كان أمل المهندسين للانتقال أن يكون هناك منافسون ضعفاء من قيادات الأحزاب المرخص لها فقط وهم جميعًا تحت السيطرة ولا يمكن اعتبارهم منافسين في الحلبة، وكان الأمل الوحيد هو أن يتم السماح باعتماد آلية جمع خمسين ألف توقيع مواطن وكان يمكن أن تتفق المعارضة جميعًا على منافس قوى يفتح الآمال للإصلاح والانتقال السلمي من عصر إلى عصر بطريقة سلمية وسلسة.

ما البديل الذي يقدمه مهندسو الظل الذين يخططون للنظام؟

هل هناك فرصة للعودة إلى الوراء والنكوص عن الحريات الديمقراطية؟

هل يفكرون في تغيير جديد للمادة ٧٦ لقطع الطريق نهائيًا على أي انتخابات رئاسية حقيقية؟ وإذًا ما مستقبل مصر إزاء ذلك التفكير الظلامي؟

تحالف الاستبداد والفساد

ملف آخر فتحه قانون التأجيل وهو ملف الفساد.

هناك تحالف واضح لا تخطئه العين بين الاستبداد وبين الفساد أو قل بين السلطة وبين الثروة أو قل بين السياسة ومجال الأعمال.

 هذا التحالف ظهر مؤخراً في عملية إصلاح الحزب الوطني وبناء لجنة السياسات وأمانة السياسات التي يقودها جمال مبارك الذي تم تصعيده مؤخرًا لموقع أمين مساعد الحزب بجانب مواقعه الأخرى في لجنة السياسات.

جمال مبارك جاء أصلًا من مربع رجال الأعمال، لذلك كان طبيعيًا أن يدعم لجنته الجديدة السياسات بنخبة من رجال الأعمال بجانب أساتذة الجامعات الباحثين عن دور والمتطلعين إلى موقع.

قمة الهرم هنا تعبر عن قاعدته العريضة، وهي أعضاء المجالس الشعبية المحلية. هؤلاء هم حرس الحزب والنظام وهم منتفعون بمناخ الفساد العريض الذي نخر كالسوس في الجهاز الإداري للدولة حتى قال رئيس ديوان الرئاسة د. زكريا عزمي في مضابط مجلس الشعب إن الفساد وصل إلى الركب في الإدارة المحلية والمجالس المحلية.

هنا يأتي القرار بالتأجيل مكافأة واضحة للمفسدين والفاسدين المتهمين بتعطيل مصالح الشعب وهذا. ويا للعجب. يأتي ضد مصلحة الحزب الوطني الحقيقية التي تتمثل في تطهير صفوفه من جحافل المفسدين والفاسدين.

المشكلة وحلولها واضحة وهي تتمثل في الآتي:

- عدم وجود إدارة سياسية جازمة نحو الإصلاح السياسي والانتقال إلى الديمقراطية، مما يقتضي إلغاء حالة الطوارئ فورًا دون حاجة إلى قانون جديد للإرهاب بعد ذلك الذي تم إصداره عام ۱۹۹۲م وإلغاء قانون الأحزاب والسماح لكل القوى السياسية بتشكيل أحزابها السياسية وعدم التدخل في شؤون تلك الأحزاب والسماح بحريات للمجتمع الأهلي نقابات

عمالية ومهنية واتحادات طلابية وجمعيات أهلية حقوقية واجتماعية.

- إصدار قانون عاجل للإدارة المحلية يسمح بمزيد من اللامركزية ويعطي المجالس الشعبية الحق في امتلاك ميزانيات حقيقية والإشراف الفعلي على الإدارة المحلية التنفيذية وعدم التلكؤ في ذلك.

- قبول الإرادة الشعبية واحترامها ولو جاءت على عكس الإرادة الرئاسية أو ضد رغبات الحزب الوطني.

- التسليم بالانتقال السلميِّ للسلطة كمخرج للوطن من أزماته وضمانات جادة وحقيقية لحياة ديمقراطية سليمة تضمن دوران السلطة عبر الانتخابات الحرة النزيهة مع احترام السلطة القضائية والفصل التام بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية واحترام رقابة بعضها على البعض، هذا إذا صدقت العزائم وخلصت النيات.

الرابط المختصر :