العنوان مناقشة في مقالين حول: سلفية الإمام حسن البنا رحمه الله
الكاتب عبدالعزيز أبو طالب
تاريخ النشر الثلاثاء 05-أبريل-1983
مشاهدات 58
نشر في العدد 615
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 05-أبريل-1983
في
ذكرى استشهاد الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله نشرت «المجتمع» في العدد (٦٠٩)
مقالًا بعنوان «سلفية حسن البنا المفتري عليها» للمستشار سالم بهنساوي، وقد تلقت «المجتمع»
ردًا على المقال كتبه الأستاذ عبدالعزيز بوطالب. ورغبة منا في عدم الاستمرار بنشر
الردود على قضية سلفية حسن البنا رحمة الله عليه، فإننا طلبنا إلى الأستاذ
البهنساوي أن يبدي وجهة نظره في الرد على ما كتبه عن سلفية الإمام البنا لننشر
وجهتي النظر في عدد واحد، على أن نقفل النقاش في هذا الموضوع.. وبإمكان أصحاب
وجهات النظر المختلفة استكمال نقاشهم شخصيًا وذلك من خلال ما بينهم من الإخوة والود.
«المجتمع»
ردًا
على الأستاذ سالم البهنساوي:
التفويض في الأسماء والصفات ليس
عقيدة السلف
بقلم
الأستاذ/ عبدالعزيز بو طالب
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين﴾ (الصافات-182)
وبعد..
فإن تعلم التوحيد ومعرفة الله سبحانه بأسمائه وصفاته وألوهيته وربوبيته من أنفع
العلوم وأجلها، وإن شرف العلم بشرف المعلوم، ولما كان الأمر كذلك وجدنا على امتداد
العصور الإسلامية وقوف علماء السلف رضوان الله عليهم بشدة وحزم لا هوادة ولا لين
فيهما بوجه من أدخل في هذا الأصل العظيم من الاعتقاد ما ليس منه، كالإمام أحمد
وابن تيمية رضي الله عنهما، فالأول صبر على الحبس والسياط على يد أربعة من خلفاء
بني العباس في مسألة خلق القرآن، في الوقت الذي كان الروم على تخوم الشام يهددون
بغزو البلاد وكانت لهم بالفعل صولات مع الجيوش المسلمة ولم يتهم أحمد بالسفسطة
والهرطقة، بل أطلق عليه لقب إمام أهل السنة رحمه الله، أما ابن تيمية رحمه الله
فقد كانت جحافل التتار قد عاثت في بلاد المسلمين الفساد، وحصدت رؤوس مئات الألوف
من المسلمين، ولما أرادوا غزو الشام كان ابن تيمية البطل الحقيقي في صد الغزاة،
سواء بكتاباته إلى سلطان مصر طالبًا منه إرسال الجند، وبكتاباته للتتار يحذرهم من
مغبة دخولهم للشام، بل وحمله للسيف وقتاله في معركة شقحب الشهيرة، كل ما سبق لم
يمنع ابن تيمية من القيام بمحاربة بدع الصوفية والفرق الكلامية كالمعتزلة والجهمية
والأشاعرة الموجودة بكثرة في عصره، ولم يقل أحد رغم ذلك أن ابن تيمية يدعو إلى
الفرقة والخلاف بين المسلمين، بل أطلقوا عليه لقب شيخ الإسلام، هذه المقدمة أحببت
التذكير بها لأولئك الذين يقولون إن الدعوة إلى التوحيد تفريغ لطاقات الشباب في
غير محلها، وأن الدعوة إلى التوحيد وأعني به معرفة الله سبحانه بأسمائه وصفاته
وألوهيته وربوبيته إنما هي دعوة فلسفية لا نجني من ورائها سوى شق الصفوف، ولا أطيل
الكلام في تفنيد هذا الزعم سوى بإرجاع القارئ إلى سيرة المصطفى صلى الله عليه
وسلم قدوتنا وأسوتنا الحسنة، فقد قضى فترة بعثته صلى الله عليه وسلم في
الدعوة إلى التوحيد وسير الرسل والجيوش إلى فارس والروم، ولما حضرته
الوفاة صلى الله عليه وسلم كان قد جهز جيش أسامة لغزو الروم وحربهم، ومع ذلك
قال في آخر ما يذكر عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لعن الله اليهود
والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، وهذا توحيد، ولما انتقل إلى الرفيق الأعلى
كانت الجزيرة كلها على قلب رجل واحد، فالدعوة إلى التوحيد هي أصل رسالة الإسلام،
ومعرفة الله سبحانه بأسمائه وصفاته أسمى الغايات والأماني التي يسعى إليها المسلم؛
ولذلك كان النظر إلى وجه الرب جل وعلا للمؤمنين يوم القيامة خير من الجنة وما فيها
من نعيم سرمدي.
هذا
ولقد قرأت في مجلة «المجتمع» في عددها رقم ٦٠٩ موضوعًا بقلم سالم البهنساوي تعرض
فيه لنواحٍ شتى أهمها ما كان متعلقًا بمبحث الأسماء والصفات واعتقاد السلف فيه،
والتوسل إلى الله بالمخلوقين، وأخيرًا عن الصوفية وحقيقة النزاع فيهم. وفي الكلمات
التالية سأوضح بعض الملابسات التي وقع فيها الكاتب حيث نسب إلى السلف أنهم يقرون
بالتفويض في الأسماء والصفات بينما هم ليسوا كذلك كما سنرى، وكذلك سنتطرق للصوفية
وجواز التوسل إلى الله بخلقه وبيان الحق فيه بعون الله.
مبحث الأسماء والصفات:
نقل
الكاتب كلمات عن الإمام البنا رحمه الله كقوله: وضح أمامك طريقا السلف والخلف، وقد
كان هذان الطريقان مثار اختلاف شديد بين علماء الكلام من أئمة المسلمين، فلو ترك
كل منهما التطرف والغلو، وأن البحث في هذا الشأن مهما طال القول لا يؤدي في
النهاية إلا إلى نتيجة واحدة هي التفويض لله تبارك وتعالى. وأيضا نقل: ونحن نعتقد
أن رأي السلف من السكوت وتفويض علم هذه المعاني إلى الله تبارك وتعالى أسلم وأولى
بالاتباع حسمًا لمادة التأويل والتعطيل.
إن
ظاهر ما سبق يوهم بأن عقيدة السلف هي التفويض في معاني الصفات، فهل حقا أن السلف
يفوضون في علم المعاني أي كانوا يقرأون ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾
(طه-5)، وقوله: ﴿وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ
يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (المائدة-64)، وقوله: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ
وَيُدْعَوْنَ إلى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ (القلم -42) إلى آخره من آيات
الصفات في القرآن، ولا يعرفون معانيها، ويقولون هي من المتشابه الذي لا يعرف له
معنى محدد كقوله: ﴿طسم . حم. ألم﴾ إلى آخره من الحروف
المقطعة، فإن كان قصد الكاتب ذلك فهو مخطئ، فالسلف رضوان الله عليهم وعلى رأسهم
سيد ولد آدم الذي آتاه الله جوامع الكلم والصحابة والأئمة الأربعة والتابعون رضي
الله عنهم أجمعين لم يكونوا يجهلون معاني الكلمات التي تبين الصفات وهم أعلم الناس
بمراد ربهم من بعد نبيهم صلى الله عليه وسلم، والله يقول في كتابه: ﴿أَفَلَا
يَتَدَبَّرُونَ ٱلقُرآنَ أَم عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقفَالُهَا﴾ (محمد: 4)، وقوله:
﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ
وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (ص -29)، خصوصًا وأن القرآن نزل بلغتهم وهم
أهل بلاغة وفصحى، ولما سئل الإمام مالك رحمه الله عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَٰنُ
عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ (طه-5) قال: «الاستواء معلوم والكيف مجهول»، وقول
الإمام مالك رحمه الله «الاستواء معلوم» أي معروف في اللغة، وهو العلو والارتفاع،
والكيف مجهول أي كنه الارتفاع وشكله وكيفيته مجهولة، وهذا الكلام هو مجمل اعتقاد
السلف في صفات الله تعالى فهم يؤمنون بمعاني الصفات والمقصود منها، ولكن يدعون علم
الكيف لله تعالى، وفي ذلك تفصيل سيوضحه ما يلي: قال ابن تيمية في العقيدة الواسطية
ص ۲۰: ومن
الإيمان بالله الإيمان بما وصف به في كتابه، وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا
تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل يؤمنون بأن الله سبحانه ﴿لَيْسَ
كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى:11)، فلا ينفون
عنه ما وصف به نفسه، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه، ولا يلحدون في أسماء الله،
وآياته، ولا يكيفون، ولا يمثلون صفاته بصفات خلقه لأنه سبحانه لا سمي له، ولا كفء
له، ولا ند له، ولا يقاس بخلقه سبحانه وتعالى. قال الشارح محمد خليل هراس: ومن
جملة إيمان أهل السنة والجماعة بالأصل الأول الذي هو أعظم الأصول وهو الإيمان
بالله، أنهم يؤمنون بما وصف به نفسه وقوله من غير تحريف متعلق بالإيمان قبله، يعني
أنهم يؤمنون بالصفات الإلهية على هذا الوجه الخالي من كل هذه المعاني الباطلة
إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيها بلا تعطيل، والتحريف في الأصل مأخوذ من قولهم: حرفت
الشيء عن وجهه حرفًا، وتحريف الكلام إمالته عن المعنى المتبادر منه إلى معنى آخر
لا يدل عليه اللفظ إلا باحتمال مرجوح، فلا بُدَّ فيه من قرينة تبين أنه المراد.
وأما
التعطيل فهو مأخوذ من العطل الذي هو الخلو والفراغ والترك، ومنها قوله
تعالى: ﴿وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ﴾ (الحج:45) أي أهملها أهلها وتركوا وردها
والمراد به هنا نفي الصفات الإلهية، وإنكار قيامها بذاته تعالى، فالفرق بين
التحريف والتعطيل أن التعطيل نفي للمعنى الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة، وأما
التحريف فهو تفسير النصوص بالمعاني الباطلة التي لا تدل عليها، والنسبة بينهما
العموم والخصوص المطلق، فإن التعطيل أعم مطلقًا من التحريف، بمعنى أنه كلما وجد
التحريف وجد التعطيل دون العكس، وبذلك يوجدان معًا، فيمن أثبت المعنى الباطل ونفى
المعنى الحق ويوجد التعطيل بدون التحريف فيمن نفى الصفات الواردة بالكتاب والسنة
وزعم أن ظاهرها غير مراد، ولكنه لم يعين لها معنى آخر وهو ما يسمونه بـ«التفويض»
ومن الخطأ القول بأن هذا هو مذهب السلف كما نسب ذلك إليهم المتأخرون من الأشاعرة
وغيرهم، فإن السلف لم يكونوا يفوضون في علم المعنى ولا كانوا يقرأون كلامًا لا
يفهمون معناه، بل كانوا يفهمون معاني النصوص من الكتاب والسنة ويثبتونها
له عز وجل، ثم يفوضون فيما وراء ذلك من كنه الصفات أو كيفياتها، كما قال مالك
حين سئل عن كيفية استوائه تعالى على العرش «الاستواء معلوم والكيف مجهول» من هنا
يتبين أن منشأ التفويض هو التعطيل من غير تحريف، وليس هذا اعتقاد أهل السنة كما
وضح، قال الشارح: وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ
الْبَصِيرُ﴾ (الشوري:11) هذه الآية المحكمة من كتاب الله تعالى
هي دستور
أهل السنة والجماعة في باب الصفات، فإن الله عز وجل قد جمع فيها بين النفي
والإثبات، فنفى عن نفسه المثل وأثبت لنفسه سمعًا وبصرًا قبل هذا، على أن المذهب
الحق ليس هو نفي الصفات مطلقًا، كما هو شأن المعطلة، ولا إثباتها مطلقًا كما هو
شان الممثلة، بل إثباتها بلا تمثيل.
وقال
في موضع آخر: وقد يعبرون عن ذلك بقولهم تمر كما جاءت بلا تأويل.
ومن
لم يفهم كلامهم ظن أن غرضهم بهذه العبارة هو قراءة اللفظ دون التعرض للمعنى وهو
باطل، فإن المراد بالتأويل المنفي هنا هو حقيقة المعنى وكنهه وكيفيته. قال نعيم بن
حماد شيخ البخاري: من شبه الله بخلقه كفر ومن جحد ما وصف الله به نفسه كفر، وليس
فيما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله تشبيه ولا تمثيل.
قال
ابن تيمية في الواسطية ١٢٥: فهم -الفرقة الناجية- وسط في باب صفات الله
سبحانه وتعالى بين أهل التعطيل الجهمية، وأهل التمثيل المشبهة. قال الشارح: يعني
أن أهل السنة وسط في باب الصفات بين من ينفيها ويعطل الذات العلية عنها ويحرف ما
ورد فيها من الآيات والأحاديث عن معانيها الصحيحة إلى ما يعتقده هو من معان بلا
دليل صحيح ولا عقل صريح كقولهم: رحمة الله إرادته الإحسان، ويده قدرته، وعينه حفظه
ورعايته، واستواؤه على العرش استيلاؤه، إلى مثل ذلك من النفي والتعطيل التي أوقعهم
فيها سوء ظنهم بربهم وتوهمهم أن قيام هذه الصفات به لا يعقل إلا على النحو الموجود
في قيامها بالمخلوق.
مما
سبق يتبين لنا أن عقيدة السلف في فهم الصفات ليس التفويض كما توهم الكلمات التي
نقلها الكاتب، بل هم يثبتون صفات الرب كما تليق بذاته سبحانه بلا تحريف ولا تعطيل.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل