العنوان الزمان القصصي
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر السبت 08-ديسمبر-2007
مشاهدات 113
نشر في العدد 1780
نشر في الصفحة 40
السبت 08-ديسمبر-2007
(*) أستاذ الأدب والنقد
القصة القرآنية : طبيعتها وصفاتها
الزمن القرآني لم يحدد في الغالب تحديدًا زمنيًا دقيقًا.. أما الزمن الروائي فإنه يستغرق وقتًا ضيقًا بحكم القفزات القصصية.
القصة القرآنية: طبيعتها وصفاتها أما الزمان القصصي في القرآن الكريم، فهو مفتوح مع أنه يركز على الماضي غالبًا في قصص الأنبياء والمرسلين سرد مع أقوامهم، وكثيرًا ما تبدأ القصة بقوله تعالى واذكر... مشيرة إلى ماض بعيد جرت فيه أحداث القصة القرآنية مصحوبة بالعبرة من تاريخ الأولين أو السابقين.
وسوف نجد في مادة الذكر التي تشير إلى الماضي دلالة لا تخفى على قارئ القرآن بعامة، والقصة القرآنية بخاصة لأنها تنبه المشاعر وتوقظ الأحاسيس بما جرى في الماضي، فإن كان حسنًا، فإن استمراره حسن وإن كان غير حسن فوجوده غير مقبول.
إن سورة مثل مريم تبدأ بعد حروفها الأولى: ﴿كهيعص(١)﴾ بالذكر في إشارة إلى قصة زكريا عليه السلام، ومن بعده يحيي ومريم ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) ﴾ (اسم السورة: مريم1: 4)
فالإشارة هنا إلى أن الحق سبحانه ينبهنا إلى أن ما سيقوله محمد هو ذكر الرحمة الله سبحانه لعبده زكريا الذي بلغ أرذل العمر.
ولم يتحقق أمله بمولود ولد له ولم تغنه كفالته لمريم وتربيتها عن شوقه لغلام يرث علمه ويرث الكتب المقدسة من آل يعقوب فضلًا عن أن يكون هذا الغلام ناصرًا له وحاميًا من الموالي والأقارب، وتستمر السورة في ذكر رحمة الله لزكريا، ونعمته عليه بميلاد يحيى يرث. الكتاب. أي التوراة. ويؤتيه الله الحكمة، وهو صبي، ويكون رؤوفًا بوالديه ورحيمًا، فضلًا عن طهارته وتقواه الله وخوفه من الذكر من التذكار، الذي يعود إلى ما حدث في الماضي، وسوف نجد أن قصص معظم الأنبياء في سورة مريم تبدأ بمخاطبة الرسول ﷺ بقوله: ( واذكر) على سبيل المثال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾( مريم: ١٦).
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ ۚ أِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا﴾ (اسم السورة: مريم: ٤١). ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَىٰ ۚ إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا ﴾( اسم السورة: مریم: ٥١). ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا﴾ (اسم السورة: مريم: ٥٤) فعل الأمر، اذكر يرتبط بالفعل الماضي بعده، لأن الزمان هو الماضي البعيد وهو ما يسمى في النقد الأدبي الحديث بالزمان التاريخي الطويل، أما الزمان القصصي أو الروائي، فقد يستغرق وقتًا ضيقًا، بحكم الإيجاز والتركيز، أو القفزات القصصية التي سنشير إليها، في مجال بناء القصة من حيث الحبكة.
ويلاحظ أن بعض الآيات تربط الإتيان بالقصص القرآني، بوصفه ذكرًا، أو وحيًا. يجب اتباعه لأنه يتجاوز مجرد العظة والعبرة إلى ضرورة الإيمان والطاعة، وهذا ما نجده في قوله تعالى: ( كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ ۚ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا (99) مَّنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (100) ﴾ ( اسم السورة: طه). وقوله تعالى: ( وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ ۖ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (اسم السورة: الأنبياء: ٧).
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ (اسم السورة: الأنبياء: ١٠، ١١).
الذكر إذًا: يمثل محورًا زمنيًا مهمًا في القص القرآني، تتسع دلالته لأهل العلم والوحي والتشريع والتذكير بما جرى للسابقين ومنهم بسبب بعدهم عن الذكر وعدم التزامهم بمضمونه بيد أن الذكر أو التذكير يبدأ غالبًا بالفعل الماضي الذي تؤكده إن أو قد على سبيل المثال للدلالة على مصائر المشركين الذين يدعوهم محمد ﷺ في زمانه أو بعد زمانه بحكم وراثة الدعوة لن تختلف عن مصائر سابقيهم، وخاصة إذا كانوا ظالمين في سورة القصص تبدأ قصة فرعون وموسى بقوله تعالى: ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ( اسم السورة: القصص: ٤).
وفي سورة طه ، تبدأ قصة آدم بقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ (اسم السورة: طه: ١١٥). وإذا كانت قصة فرعون مع موسى وقصة آدم تبد آن بتوكيد الفعل الماضي، فهناك العديد من القصص تأتي مباشرة، وكان الماضي يحكم روايتها، ويؤسس لاستمرارها وبقائها صالحة لكل الأزمان والأماكن تأمل مثلًا ما يرد عن إبراهيم، ولوط ونوح وسليمان، وإسماعيل وإدريس في سورة الأنبياء ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ ( اسم السورة: الأنبياء: ٧١). ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ ﴾ ( اسم السورة: الأنبياء: ٧٦) ، ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ ﴾ (اسم السورة: الأنبياء: ٧٨)، ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ ۖ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ﴾ (اسم السورة: الأنبياء: ٨٥). ومع ذلك فهناك قصص قرآن يأتي في سياق المستقبل، أو الآخرة. تأمل مثلًا قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106) لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (107) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ ۖ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (108) يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (109) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110) ﴾( اسم السورة: طه) ومهما يكن من أمر ، فإن الزمن القصصي القرآني وإن لم يحدد في الغالب تحديدًا زمنيًا دقيقًا. كما تعودنا في الزمن التاريخي المحدد بسنوات وشهور وأيام فإنه يفسح المجال أولًا لخصوصيته القرآنية.
وثانيًا لإثبات إعجازه الإلهي على مدى الزمان كله، وثالثًا لاستيعاب العظة والاعتبار والحكمة والتوجيه نحو السلوك الرشيد الذي يخدم المسلم في الدنيا والآخرة ومع ذلك، فلدينا على سبيل المثال تحديد زمني ضيق في بعض القصص القرآني تتأكد فيه الخصائص السابق ، كما ترى مثلًا في قصة أصحاب الجنة التي وردت في سورة القلم..
فالقصة لم يستغرق زمنها إلا سواد الليل، فقد أثمرت الجنة أو الحديقة وحان قطافها أو حصادها، وأراد أصحابها أن يحرموا الفقراء والمساكين من زكاتها، فتواعدوا بالليل على أن يحصدوها قبل أن يستيقظ الناس وحين ذهبوا للحصاد كانت النهاية الفاجعة بالنسبة لهم. حيث لم يجدوها، وتصوروا أنهم ضلوا طريقهم إليها، ولكنهم لم يعلموا أنه قد طاف عليها طائف من الله وهم نائمون أي نزل بلاء أحاط بالحديقة أو الجنة وأضاع ثمرها وعندما أفاقوا من الصدمة أخذوا يتلاومون، ثم يعترفون بذنبهم، ويتوبون إلى الله ﴿عَسَىٰ رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَا إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾ (اسم السورة: القلم: ٣٢) (انظر الآيات التي قبلها).