; الشيخ صلاح أبو إسماعيل: لماذا جمدت عضويتي في حزب الوفد؟ | مجلة المجتمع

العنوان الشيخ صلاح أبو إسماعيل: لماذا جمدت عضويتي في حزب الوفد؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 12-يونيو-1984

مشاهدات 49

نشر في العدد 675

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 12-يونيو-1984

تجربتي مع المبدأ

ظللت طوال حياتي أنادي على المنابر وفي المحاضرات وفي الجامعات وفي شتى بقاع الأرض... بالمبدأ الإسلامي الشامل... ولقد آمنت بأن هذا النداء عبر المنبر والمحاضرة قد يغير مفاهيم المستمعين، ولكنه لا يغير من قوانين المجتمعات شيئًا، ولذلك ناديت بأن يدخل دعاة الإسلام السلطة التشريعية لأنها هي التي تدفع بالقوانين إلى السلطة القضائية، وتحكم السلطة القضائية بمقتضى هذه القوانين فتدفع بإحكامها إلى السلطة التنفيذية، وقد خضت غمار التجربة بنفسي مرتين وهذه هي المرة الثالثة، والحمد الله فقد أيدني الله بنصر من عنده، على الرغم من كل وسائل التزييف والتزوير، ولذلك أعتبر نجاحي بنعمة الله هو النجاح، بينما نجاح الآخرين ممن ينافقون ويتزلفون إنما هو نجاح صنعته القوى الغاشمة.

الانتخابات البرلمانية الأخيرة

هناك فرق بين انتخابات «1984م» وما قبلها. كانت الانتخابات قبل ذلك فردية، وكان الإنسان يستطيع أن يدخل كمرشح مستقل، ولكن استحدثت قوانين تمنع المستغل أن يغشى المعركة وتمنع أن يقوم حزب على أساس من العقيدة، ولقد كدت أعتزل هذا اللون من النشاط نتيجة لما وضعوه من القيود، ولكني فكرت فلم أجد أمامي طريقًا إلا أن أدخل حزبًا من الأحزاب لكي أواصل رسالتي لكن القيود الموضوعة على الإسلام تجدها حتى داخل الأحزاب، فهناك قانون يحظر قيام أي حزب إلا إذا اعترف بتطبيع العلاقات مع «إسرائيل»، وشاء الله أن يكون حزب الوفد الجديد قد نجا من هذا الشرط، وقد تعجبون إذا سمعتم قانونًا في مصر يقول لا يجوز لأحد حتى ولو كان من رجال الدين أن يقول ولو على سبيل النصيحة قولًا يعارض فيه قرارًا إداريًا أو قانونًا، وهذا يعني أنه لا يجوز لي أن أعترض على الخمر- حتى داخل المساجد- لأن الخمرة مباحة بقانون، ولا يجوز لي أن أعترض على الربا لأنه مباح بقانون، ومن فعل ذلك فإنه يدفع «500» جنيه غرامة، فإن رفض دفعها مضاعفة ودخل السجن.

الدخول في حزب الوفد الجديد

إذا لا أستطيع أن أخدم ديني عن طريق المنابر والمساجد، ومن هنا كان دخولي في حزب من الأحزاب أمرًا اضطراريًا باعتباره قناة شرعية إلى حق قيدوه وكبلوه، ولم أجد أمامي سوى حزب الوفد، فدعوت إخواني من الإخوان المسلمين وأنا منهم لبحث هذا الأمر، ورحت أقنعهم وأصارحهم... وقد وجدت في هذا عنتًا شديدًا حتى اقتنعوا فكان الوفد لهم قناة شرعية، وكانوا له قوة شعبية، فالنفع إذا متبادل، وقد نجح من الإخوان الآن عشرة دخلوا مجلس الشعب، وكان الإمام الشهيد حسن البنا- رضي الله عنه- وأرضاه يتطلع إلى مثل هذا فلا يجد الطريق في وقت عز عليه أن يشق هذا الطريق، لكن ليس معنى هذا أننا وصلنا إلى كل ما نبتغي لا شك أن الطريق مليئة بالعقبات والأشواك.

تجميد العضوية في حزب الوفد

لعلكم

قرأتم أنني جمدت عضويتي بحزب الوفد، وسبب هذا التجميد أنني كنت المتحدث الوحيد في مجلس الشعب في شهر فبراير الماضي، فمن يوم صدور الحكم للحزب بالعودة اتصل بي رئيس الحزب الأستاذ فؤاد سراج الدين من ألمانيا وطلب إلي أن أتحدث بلسان الحزب، وأن أرأس هيئته في البرلمان، ثم كتب حزب الوفد بهذا إلى رئيس مجلس الشعب، واستطعت بعلاقاتي بفضل الله سبحانه وتعالى أولًا وأخيرًا أن أستقطب ثمانية أعضاء انضموا إلى الوفد من كبار النواب، فمن الحزب الوطني انضم المرحوم عبد المنعم عثمان ومن حزب العمل انضم الأستاذ سالم شنب، ومن الأحرار انضمت ممثلته الوحيدة السيدة ألفت كامل واستقطبت المستقلين كلهم كالأستاذ ممتاز نصار، والدكتور إبراهيم عوارة والأخ حسن الجمل، والأستاذ فكري الجزار، وكادت تنتهي إلينا زعامة المعارضة لولا أن مدة المجلس قد انتهت والجلسات قد رفعت، ثم فوجئت يوم الثلاثاء «5» رمضان الجاري باجتماع الهيئة العليا لحزب الوفد -وأنا عضو فيها- وكان مما طرح من أمور... اختيار الأستاذ ممتاز نصار المتحدث الرسمي باسم الحزب ورئيس الهيئة البرلمانية وزعيم المعارضة، والواقع أنه لا يعنيني في قليل ولا كثير أن أكون في هذا الوضع أو لا أكون، فالأستاذ ممتاز نصار رجل عظيم فعلًا، وله من اسمه نصيب كبير فهو رجل يقظ ومتحدث لبق وبرلماني ممتاز، لكن الذي أغضبني- حقيقة- أن يأتي هذا العدول عني في لحظة أنا فيها هدف لسهام العلمانيين وغير الإسلاميين، ولعلكم قرأتم وعلمتم أن مجرد دخولي للوفد شكل منعطفا فكريًا في مسيرة هذا الحزب الذي كان الناس يتهمونه بأنه حزب علماني يفصل بين الدين والدولة، وكنت قد ظللت ملحًا على فؤاد سراج الدين رئيس الحزب وطارحًا له أن مجد الحزب قديمًا أنه كان يدافع عن الدستور، الآن تغير الدستور في مصر وأصبحت المادة الثانية تنص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للقوانين، فدفاعكم عن الدستور في هذه المادة الثانية سوف يكسبكم شعبية فوق شعبيتكم، وطلبت إليه أن يصدر الوفد بيانًا يعلن فيه أنه حرب على العلمانية المنادية بفصل الدين عن الدولة، لأن العلمانية تتناقض مع الدستور، والوفد في تاريخه الطويل بطل الدستور، مع إضافة أن الوحدة الوطنية بين المسلمين والأقباط كانت وما زالت عقيدة الوفد، وبينت أن الأقباط لن يتضرروا من تطبيق الإسلام، وقدمت على ذلك أمثلة من موقف النبي- صلى الله عليه وسلم- من يهود المدينة، وموقف عمر من نصارى الشام وموقف عمرو بن العاص من نصارى مصر، لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون، وظللت به ساعات طويلة حتى اقتنع وأصدر بيانًا في يوم «11» مارس «1984م» يعلن فيه أن الوفد حرب على العلمانية، وأن الوفد يتبنى الدستور، ولا سيما المادة الثانية المنادية بتطبيق الشريعة الإسلامية، وأن الوفد يتبنى مبدأ الوحدة الوطنية.

ثورة العلمانيين

ومنذ أعلن هذا الإعلان ثارت ثائرة العلمانيين، فكتب لويس عوض.. وكتب محمد أنيس... وكتب فرج فودة... وكتب مكرم محمد أحمد... وكتب يونان لبيب.... وكتب موسى صبري: أن الوفد يتنكر لماضيه، وأعلن من كان في حزب الوفد من هؤلاء خروجه من الحزب... مدعين أن الوفد كان يقول بالأمس: أن الأمة مصدر السلطات، أما الآن فيقول أن الإسلام مصدر السلطات وأن الله مصدر السلطات، وادعى العلمانيون أن هذا عدول عن ماض مجيد وتاريخ عريق... وكان أن خرج هؤلاء من الوفد بسبب مناداته بتطبيق الشريعة الإسلامية... وكم هناك من كاتب يقول: أن الشيخ صلاح أبو إسماعيل بآرائه المعلنة سوف يصير بالقريب العاجل عبئًا على الوفد، وكم هناك من قائل أنه لا يتصور أن يستمر هذا التآلف وهذا التحالف بين الوفد والإخوان، وكم هناك من قائل أن هذا التحالف ضد التاريخ، فحاولت أن أرد عليهم بمقالات دفعت بها إلى الصحف المسماة بالقومية فلم تنشر فذهبت بها إلى جريدة الوفد فلم تنشر أيضًا!! وقلت لهم: إن الذين يحتجون على التحالف بين الوفد والإخوان أنه ضد التاريخ، عليهم أن يذكروا أن الإخاء الذي صنعه الرسول- صلى الله عليه وسلم- بين الأوس والخزرج كان ضد تاريخهم الجاهلي، وأن دخول مكة في الإسلام كان ضد تاريخ مكة قبل الفتح، وأن التاريخ لا يحتج به أبدًا، فمواقف الأمس لا تحكم قضايا اليوم، ومصطفى النحاس نفسه هو الذي أبرم معاهدة «1936م» بظروف، وهو بنفسه الذي ألغاها في ظروف أخرى، ... وهنا أحسست أن هناك شيئًا ما سيجد بعد المعركة الانتخابية، وكان أن عدل الوفد عني.. وعين الأستاذ ممتاز نصار... وإنني أعتقد أن العدول عني ليس عدولًا عن شخص، فأشخاصنا لا تساوي شيئًا في سبيل مبادئنا، ولكنه عدول عن اتجاه أنا رمز عليه، وهذا الذي انقدح في نفسي، كما أن الأمر لا يمكن أن يكون عدولًا عن قدرة محدودة إلى قدرة أعظم في مقام البرلمان- وأذكر لكم هذا على استحياء- فاستجواباتي ومشروعات القوانين التي قدمتها... ومواقفي البرلمانية قد لا يسلم معها الإدعاء العدول كان عدولًا عن قدرة محدودة إلى قدرة أكثر أو ما إلى ذلك. 

وعمومًا فأنا وجدت أنهم لم يمكنوني من الرد... وأنهم لم يردوا بدورهم على العلمانيين، وعلى غير الإسلاميين وأنهم رأوا في العدول عني فيها راحة لهم في مرحلة أصبح الاستغناء عني يعد عليهم أسهل من العدول- قبل المعركة الانتخابية- هنا اتخذت قراري بتجميد عضويتي في حزب الوفد... ولم أقدم استقالتي كي أحتفظ بمقعدي في المجلس... وهذا يستدعي... أن أكون في حزب... ويعتبر التجميد قوة الاستقالة... لكنه ليس استقالة... فالمطلوب ألا أخرج نهائيًا من الحزب لكي أحافظ على الأساس الذي قامت عليه عضويتي في مجلس الشعب.

الرابط المختصر :