العنوان الأخيرة: من هو "الرجعي"؟ ومن "التقدمي"؟
الكاتب ا. د. عماد الدين خليل
تاريخ النشر السبت 03-ديسمبر-2011
مشاهدات 62
نشر في العدد 1979
نشر في الصفحة 66
السبت 03-ديسمبر-2011
تقسيمات تقوم على الظن والتحيّز والهوى، اعتمدت بشكل اعتباطي عبر القرن الماضي، ولا تزال، وأصبحت "النوتة" السائدة في أوركسترا الصراع الحزبي والمذهبي، وفي سوح الأفكار والفلسفات والسياسات، فيما يذكرنا بلعبة اليمين واليسار حذوك النعل بالنعل.
ومن عجب أن الظاهرة لم تقف عند حدود الصراعات السياسية والحزبية بين الناس العاديين، وإنما اعتمدت حتى من قبل بعض الفلاسفة والمفكرين.. الجميع مارسوا اللعبة بالحرارة نفسها، ولشدة تكرارها والتأكيد عليها أصبحت بالنسبة لهم أشبه بالعقيدة التي تنطوي على قدر كبير من القدسية.
وعلى سبيل المثال، كان الفيلسوف الألماني "هيجل" يرى في "مثاليته" التي تقوم على جدل الأفكار واصطراع النقائض في ميدان العقل، بإرادة فوقية مما أسماه العقل الكلي الذي يتجلى في هذا البطل أو ذاك، وعبر هذا العرق الممتاز أو ذاك.
كان يرى العرق الألماني بما ينطوي عليه من تفوق وروح عسكرية هو العرق الذي يمثل أكثر الحالات التاريخية تقدماً؛ لأنه التعبير الكامل عن إرادة العقل الكلي وتجليه في العالم.
وبغض النظر عن أن هذه الرؤية قادت ألمانيا، وأوروبا، والعالم معها، إلى سلسلة من الحروب والويلات وحمامات الدم فيما بلغ أقصى درجات حدته في الحرب العالمية الثانية التي أشعلها الرايخ الألماني الثالث، والتي وجدت تبريرها الفلسفي في معطيات "هيجل"، بغض النظر عن هذا، فإن الذي حدث أن ألمانيا سحقت، وأن ذلك قادها إلى أن تتنكر لفلسفة "هيجل"، وتنقلب عليها، وتعتبرها أمراً رجعياً أصبح في ذمة التاريخ!!
أما "ماركس" و"إنجلز" فكانت دعاواهما تقوم على أن الماديتين الديالكتيكية والتاريخية اللتين قالا بهما في تفسيرهما للكون والعالم والحركة التاريخية تمثلان أقصى الحالات تقدمية وأطلقا على الاشتراكية المتمخضة عنها اسم "الاشتراكية العلمية"، أي تلك التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها ، وأصبح الإنسان الشيوعي هو الإنسان التقدمي الوحيد في هذا العالم، وأن الآخرين جميعا اختاروا برفضهم الماركسية، أن يضعوا أنفسهم في خانة الرجعية.
وبمرور الوقت، أخذ يتبين كم أن الماركسية كانت فكراً رجعياً بمعنى الكلمة، لأنها ربطت وجودها واستنتاجاتها بمعطيات القرن التاسع عشر، فلما مضى هذا القرن، وشهد القرن الذي يليه متغيرات خطيرة وشاملة لم تخطر على بال "ماركس" و"إنجلز"، لم يعد الفكر الماركسي يستوعب هذه المتغيرات، لأنه فكر رجعي يرتبط بعصر مضى.. ثم ما لبثت حركة التاريخ التقدمية أن أطاحت بالماركسية وباشتراكيتها العلمية، وبالدولة السوفييتية التي قامت عليها.
ترى كم من المذاهب والفلسفات الوضعية ادعى أصحابها أنهم هم التقدميون واتهموا خصومهم بالرجعية، دون أن يفكروا لحظة بأنه ما من معطى بشري بمقدوره استشراف المطلق، ووضع نفسه وأتباعه بالتالي على نقطة البداية الصحيحة، والانطلاق - وفق رؤية تقدمية - إلى الأمام!
والحق أن التقدمي الوحيد في هذا العالم هو المسلم، لأنه يستمد معاييره المطلقة من الله سبحانه الذي أحاط بكل شيء علما، والذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، والذي هو أدرى بما خلق ومن خلق سبحانه وتعالى.
المسلم هو التقدمي الوحيد بانتمائه إلى عقيدة شاملة تتجاوز التحيّز والظن والهوى، وتعلو على المصالح والرؤى المحدودة والنسبيات.. وتضع المسلم في حالة وفاق مع سنن العالم ونواميس الكون، فيما يزيد من قدراته على الحركة والتقدم والعطاء والإنجاز.
المسلم، باستخلافه على العالم الذي سخر له ابتداء لأداء مهمته العمرانية، يجد نفسه بالضرورة في حالة "تقدمية" تسعى إلى إعادة بناء العالم وإعماره وترقيته من أجل أن يكون البيئة الصالحة لعبادة الله سبحانه ، بالمفهوم الحضاري للكلمة.. وهي حالة مطلقة لا ترتبط بعرق ما ، أو يأسرها زمن أو مكان، كما حدث في الفلسفتين المثالية والماركسية اللتين آل بهما الأمر إلى أن "ترجعا" إلى الوراء بعد سقوط كل دعاواهما التقدمية!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل