; الأخوة.. أساس بناء المجتمع | مجلة المجتمع

العنوان الأخوة.. أساس بناء المجتمع

الكاتب د. سعد المرصفي

تاريخ النشر الجمعة 30-مارس-2012

مشاهدات 48

نشر في العدد 1995

نشر في الصفحة 38

الجمعة 30-مارس-2012

شكلت الأخوة الإيمانية التي أقامها الرسول ﷺ في مهد الدعوة أساسًا متينًا من أسس بناء المجتمع الإسلامي وقوته وتماسك بنيانه، فكانت «وصفة» ربانية؛ ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الحجرات:10)، وهديًا نبويًا نقل العرب نقلة نوعية من حياة التفرق والصراع إلى حياة الأمن الأخوي والاستقرار النفسي. 

إنه الإخاء الذي تمحى فيه الأنانية، ويتحرك فيه الفرد بروح الجماعة وتطلعاتها وآمالها، فلا يرى لنفسه كيانًا دونها، ولا امتدادًا إلا فيها، ولا حياة إلا في ظلالها، ورحم الله حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين القائل: «المؤمن قليل بنفسه كثير بإخوانه»، إنها الجماعة المباركة التي استلهمت قيمة الأخوة وأسست بنيانها المترابط على معنى الأخوة، وجعلتها ركنًا ركينًا في بنائها التنظيمي، وقدمت للمجتمع مواقف مبهرة من الأخوة الصادقة.

الإخاء الذي تذوب فيه عصبيات الجاهلية، فلا حمية إلا للإسلام، ولا تمعر للوجوه إلا عندما تنتهك حرمات الله الإخاء الذي تسقط فيه فوارق النسب واللون، فلا يتحرك أحد أو يتقدم إلا بمروءته وتقواه؛ ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: ۱۳)، وليس الإخاء من أجل عنترية فارغة، أو اعتداء غاشم على النفس والمال انطلاقًا من عادات قبيحة، وموروثات ما أنزل الله بها من سلطان.

الرسول ﷺ وهو قدوتنا وأسوتنا إلى يوم الدين جعل الأخوة عقدًا نافذًا، ورابطة بنيوية بين المسلم وأخيه، لا ظلم فيها ولا خذلان، وإنما تلمس للحاجة وتفريج الكربة وستر للمعوزين، ويروي الشيخان وغيرهما عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يُسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة».

إن عواطف الإيثار والمواساة والمؤانسة، امتزجت في الأخوة الإسلامية الأولى فقدمت للإنسانية نماذج وشواهد نادرة، فقد امتدح الله الأنصار الذين رحبوا بإخوانهم المهاجرين وقد فتحوا لهم بيوتهم وصدورهم في مشهد أخوي غير مسبوق وغير معهود قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر:9)، فما أحوجنا في عصرنا الراهن إلى اقتفاء أثر هذه الثلة المؤمنة ووضعهم موضع السراج المنير الذي يضيء حياتنا ويكافح أمراض الأثرة والاكتناز والاحتكار.

روى الإمام البخاري في صحيحه من حديث أنس قال: قدم علينا عبد الرحمن بن عوف، وأخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع، وكان كثير المال فقال سعد: قد علمت الأنصار أني من أكثرها مالا، سأقسم مالي بيني وبينك شطرين، ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك فأطلقها، حتى إذا حلت تزوجتها، فقال عبد الرحمن بارك الله لك في أهلك دلني على السوق، فتأمل هذا السخاء والإيثار النادرين من جانب ابن الربيع، وهذه القناعة والحرص على كسب العيش بالعمل والعرق من جانب ابن عوف. 

لو حكى لنا أحد الناس أنه تنازل عن بعض ماله المحتاج لسحبنا عليه قيم الشهامة والمروءة والنبل فكيف إذا عزم بصدق على التنازل عن شطر ماله، وفراق إحدى زوجتيه إنها والله نفوس عالية وكبيرة لم تكن لتقدمها لنا إلا المدرسة النبوية الشريفة. الأخوة الحقة توجب الترابط بين أفراد المجتمع المسلم، بما يوسع دائرة التعاون بين الناس، والتآلف بما يقوي دوافع المحبة والصفاء، والتعاون والعطاء، والمودة والإخاء

والتعارف: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات:13)، فلا تناحر ولا خصام، وإنما تعارف ووئام. 

إن اختلاف الألسنة والألوان وتباين الطبائع والأخلاق، وتنوع المواهب والاستعدادات، يجب النظر إليها على أنها من مصادر قوة المجتمع، ومن عوامل التنوع والثراء والتعاون على البر والتقوى وتبادل الرأي للنهوض بالتكاليف، والوفاء بالحاجات وليست من معطيات النزاع والشقاق، وتفرق الأمة إلى شيع وأحزاب.

هذا التنوع لو أحسنا استثماره، ونظرنا إلى جوانبه الإيجابية من حيث كم الخبرات والآراء والتجارب لكان إضافة مهمة ومصدر غنى للأمة وليس مصدر قلق، خاصة أن الله سبحانه وتعالى لم يرد أن نكون أمة واحدة وجعل الاختلاف بيننا في الملل والنحل والعقائد والتوجهات قائمًا، قال تعالى:

﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ (هود:118)، وقال تعالى في موضع آخر: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ (يونس: ۹۹)، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في أخوتنا، ويظلنا تحت ظله إخوانًا متحابين في الله تعالى، متعاونين على البر والخير، متألفين في خدمة الدين والوطن والله الموفق والمستعان.

الرابط المختصر :