العنوان سورة «البقرة» (١٣).. النص القرآني التاسع بداية الحديث عن بني إسرائيل
الكاتب عمر الأشقر
تاريخ النشر السبت 16-أكتوبر-2010
مشاهدات 81
نشر في العدد 1923
نشر في الصفحة 54
السبت 16-أكتوبر-2010
أخبرنا ربنا عز وجل أنه أخذ العهد على بني إسرائيل في عهد موسى بوجوب
متابعتهم لنبينا محمد صلى ﷺ عند بعثته
أمر الله بني إسرائيل بذكر نعمه عليهم وعهده معهم وأن يرهبوه وحده كي
ترق قلوبهم ويكونوا أقرب إلى الإيمان والهدى والصلاح والمسارعة باتباع الرسول
الكريم ﷺ
كان الواجب على اليهود أن يسارعوا إلى الإيمان برسولنا لأنه مصدق
للتوراة ولو لم يبعث الله رسولنا على النحو الذي بعثه به لكانت التوراة كاذبة
هذه الآيات الكريمات التي حواها هذا النص هي بداية الحديث عن بني
إسرائيل وبنو إسرائيل أمة عريقة، أنزل الله عليها التوراة والإنجيل والزبور، وأرسل
فيها عددا كثيراً من الرسل والأنبياء ، كموسى وهارون وداود وسليمان وعيسى، وقد
اختارهم الله على علم على عالمي زمانهم، وقد أخذ عليهم العهود باتباع الرسول
الخاتم محمد ﷺ عندما يبعثه في آخر الزمان، وتصديق ما جاء به من عند الله.
فكانوا يبشرون به على مدار تاريخهم، وهاجرت قبائل منهم إلى جزيرة
العرب تنتظر مخرج هذا الرسول، فلما بعث من غيرهم كفروا به إلا قليل منهم، وأنزل
الله في كتابه الكثير من الآيات التي تتحدث عن بني إسرائيل، ورسلهم وأنبيائهم،
وكتبهم، وتبين ما في تاريخهم من سقطات وانحرافات، وتحدثت عن حالهم المزرية التي
صاروا إليها، وأظهرت آيات الكتاب كثيرا مما أخفوه من الكتاب ودعتهم إلى الهدى
والاستقامة، وقد أقاموا اليوم دولة لهم في بلادنا (فلسطين)، ونحن محتاجون إلى
العودة إلى القرآن في حربنا معهم، فقد أضل اليهود اليوم الكثير من الناس، وبقي في
مواجهة اليهود المسلمون الذين فقههم دينهم باليهود.
آيات هذا النص من القرآن الكريم
﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ
عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أَوفَ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ۞
وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ
كَافِر بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَليلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ۞
وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِل وَتَكتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ
تَعْلَمُونَ۞ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ
الرَّاكِعِينَ۞ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبَرَ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ
وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقَلُونَ۞ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ
وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لكبيرة إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ۞ الَّذِينَ يَظُنُّونَ
أَنَّهُم مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ۞ يَا بَنِي
إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا
نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ۞
وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا
شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ (البقرة:٤٠-٤٨).
المعاني الحسان في تفسير هذه الآيات
١- لماذا أطال القرآن الحديث عن بني إسرائيل؟
من علم ما أنزله الله في كتابه القرآن وجده قد أطال كثيراً في حديثه
عن بني إسرائيل، فقد ابتدأ الله الحديث عن بني إسرائيل في هذه السورة في هذا النص،
وأول آية منه هي الآية الأربعون، وقد امتد الحديث معهم متصلاً إلى الآية خمسين
ومائة، ولم تخل بقية السورة عن ذكرهم، وذكرهم موجود في سور كثيرة بعد هذه السورة.
وبنو إسرائيل في العهد النبوي، وعبر تاريخهم قبل ذلك تجربة ثرية فيها
كثير من العبر والعظات، وهي صالحة لعرض الصواب والخطأ، وصالحة لعرض نماذج تصلح
للتربية والتقديم.
والنماذج المتقدمة من بني إسرائيل فيها خير كثير، وفيها مواطن ضعف،
وهذه الأمة بحاجة إلى المواقف الراقية للتأسي والاقتداء، وتحتاج إلى معرفة مواطن
الضعف كي لا نسقط سقوطهم، ولا نزل زللهم.
وبنو إسرائيل يحملون في بقايا كتبهم البشارات بالرسول -صلى الله عليه
وسلم- وكتابه وأصحابه وأمته، ولكنهم يكتمون ذلك كفراً وحسداً، ولذلك فقد أقاموا من
أنفسهم أعداء للنبي وأمته، ونحن محتاجون إلى أن نعرف الخصم الذي نواجهه، وخير من
يحدثنا عنهم ويعرفنا بهم ربهم الذي كفروا به، ففي كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ هو حديث
واسع عن اليهود، يؤدي بنا إلى معرفة جيدة بهم، وبأحوالهم وأخبارهم، فالذي يعرف
خصمه يصرعه في مقام النزال، والذي يجهله يضله ويغويه، ومن هنا فإنَّ المسلمين
اليوم بحاجة إلى العلم الذي حدثنا به الله عن اليهود المتعالين على رب العالمين،
وعلى أمة الإسلام.
إن المسلم الذي يعلم عن الله ما أعلمنا به عن اليهود لا يهون في مجال
الصراع، فقصة اليهود واضحة بينة عنده بكل أبعادها في حال استقامتهم على أمر الله،
وفي ضلالهم وبعدهم عن الله، وهو يستطيع مواجهة اليهود
ومخاصمتهم وإسكاتهم بالحجة والبرهان إن المسلم في موقفه مع اليهود يقف
موقف المعلم الذي يأمر وينهى، ويعلم ويسدد، ويوجه، ويعرف في ذلك كله مواطن الضعف
عند الخصم، ولذلك فإن أكثر الناس قد انحنى لليهود اليوم إلا أتباع محمد صلى الله
عليه وسلم الذين فقهوا عن الله دينه حق الفقه.
۲- التعريف بإسرائيل وبنيه وذكر نعم الله عليهم:
نادى الله بني إسرائيل آمراً إياهم أن يذكروا نعمته التي أنعم بها
عليهم: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ وإسرائيل الذي نادى ربّ العزة أبناءه هو نبي الله يعقوب بن إسحاق بن
خليل الله إبراهيم عليهم جميعاً السلام، ومعنى إسرائيل: عبدالله، «فإسرا» عبد،
و«إيل» الله.
ونعم الله على بني إسرائيل التي أمرهم القرآن أن يذكروها كثيرة، وقد
ذكرها القرآن في مواضع كثيرة من سوره، فمنها ما أنزله على أنبيائه ورسله منهم،
ومنها ذلك العدد الكبير من الأنبياء والرسل الذين أرسلهم فيهم، ومنها إنجاؤهم من
فرعون وملئه، وإهلاك أعدائهم بإغراقهم في البحر، ومنها تظليلهم بالغمام في صحراء
التيه، وإنزال المنّ والسلوى عليهم ... إلى غير ذلك من النعم.
٣- مطالبة الله بني إسرائيل بالوفاء بعهودهم مع الله:
أمر الله بني إسرائيل في هذه الآيات بأن يوفوا بعهدهم الذي عاهدهم
الله عليه، ليوفي لهم بعهده الذي وعدهم به، ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾
(البقرة:٤٠).
وقد كثر في القرآن ذكر العهود التي أخذها الله على بني إسرائيل، فمن
ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ
لَتُبَيِّنُنَهُ للنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ (آل عمران:١٨٧)، ومن ذلك قوله: ﴿وإِذْ أخذنَا مِيثَاقَ إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (البقرة:۸۳). وقال: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ (البقرة:٦٣).
٤- تذكير الله بني إسرائيل بعهد الله إليهم أن يؤمنوا بمحمد
ويتبعونه: ويدخل في العهود التي عهد الله بها إلى بني إسرائيل ما أمرهم به في
كتابهم التوراة من الإيمان برسولنا الخاتم ﷺ، وقد كانت قبائل اليهود تسكن المدينة
المنورة، فلما حل بها
رسولنا -صلى الله عليه وسلم- مهاجراً كفروا به وبكتابه، ولم يؤمن به إلا عدد قليل
منهم، منهم عالمهم عبد الله بن سلام، ولا تزال البشارات برسولنا تلوح هنا وهناك في
توراتهم، وقد أصابها بعض التحريف، وقد أخذ الله العهد والميثاق على كل نبي من
أنبياء بني إسرائيل، كما أخذه على كل نبي من غيرهم أن يؤمن بنبينا إذا بعث في
عصره، ويتبعه، قال تعالى: ﴿ وإذ أخذ اللهُ مِيثَاقَ النَّبيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم
مِّن كِتَابِ وَحِكمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدَقَ لَا مَعَكُمْ
لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قال أأقررتم وأخذتم عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا
أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهَدِينَ۞ فَمَن
تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (آل عمران:٨١-٨٢).
وأخـبـرنـا ربـنـا -عـز وجـلَّ- أنـه أخذ العهد على بني إسرائيل في عهد موسى بوجوب
متابعة بني إسرائيل لمحمد -صلى الله عليه وسلم- عند بعثته، فقد حدثنا ربنا تبارك
وتعالى في سورة الأعراف أن موسى اختار من قومه سبعين رجلا لحضور ميقاته، ووصف
حالهم عند أخذ الميثاق عليهم، ﴿قَالَ عَذَابِي أَصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ
شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لَلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ
هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ۞ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَسُولَ النَّبِيِّ
الْأُمِّيِّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ
وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ
لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرَمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ
إِصْرَهُمْ وَالأغلال الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ
وَعَزَرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أَوْلَئِكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الأعراف:١٥٦-١٥٧).
هذا ما قاله الله لهم، وفيهم موسى وهارون وسبعون من خيار قومه، ولا
تزال بقايا هذا العهد مكتوبة في التوراة الموجودة اليوم مع ما أصابها من تحريف.
٥- أمر الله بني إسرائيل بأن يرهبوه:
أمر الله تبارك وتعالى بني إسرائيل بأن يرهبوه وحده
﴿وإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾
أي خافوني وحدي، والرهبة خوف مع تحرز
واضطراب، وهي دون التقوى، وإن شئت فقل: الرهبة هي مبادئ التقوى.
وأصل الكلمة فارهبوني، وحذفت منها الياء لأنها فاصلة ومعنى الفاصلة
رأس آية ليكون النظم على لفظ منسق، ويسمي أهل اللغة رؤوس الآي: الفواصل (معاني
القرآن للزجاج: ۱۲۲/۱).
٦- لم أمر الله بني إسرائيل بما أمرهم به:
أمر الله بني إسرائيل بذكر نعمه عليهم، وأن يذكروا عهده معهم، وأن
يرهبوه وحده كي ترق قلوبهم، ويكونوا أقرب إلى الإيمان والهدى والصلاح والمسارعة
باتباع الرسول الكريم ﷺ.
٧- أمر الله بني إسرائيل بالإيمان بالقرآن المنزل على محمد ﷺ:
أمر الله بني إسرائيل بالإيمان بالقرآن الذي أنزله الله على رسوله ﷺ الخاتم
مصدقا لما أنزله الله في التوراة والإنجيل، ونهاهم عن المسارعة إلى الكفر به: ﴿وَآمَنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا
أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾.
ورسولنا صلى الله عليه وسلم مرسل للناس جميعاً، ومنهم اليهود
والنصارى، وكان الواجب على اليهود أن يسارعوا إلى الإيمان برسولنا، لأنه مصدق
للتوراة ولو لم يبعث الله رسولنا على النحو الذي بعثه به لكانت التوراة كاذبة،
والقرآن يصدق التوراة في كثير مما تحدثت به ويصحح ما وقع فيها من تحريف.