العنوان مباراة تايسون الأخيرة: حلبة ملاكمة أم صراع عقائدي؟
الكاتب عزام التميمي
تاريخ النشر الثلاثاء 26-نوفمبر-1996
مشاهدات 125
نشر في العدد 1227
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 26-نوفمبر-1996
تتميز وسائل الإعلام الغربية بمهارة فائقة, تراكمت وتطورت عبر السنين، في تحويل أي شيء متى ما أرادت إلى «دراما» مؤثرة على الطريقة الهوليودية، تأخذ في حالة المسلمين أيًا كانوا وأيًا كانت القضية- ملحمة بين ثقافتين متناقضتين، أو حضارتين متصارعتين، وغالبًا ما تأخذ صورة حرب صليبية نبيلة، ضد الإسلام المتوحش، ولكم حفلت وسائل الإعلام مؤخرًا بمثل هذا الخطاب، وخاصة على إثر بروز جماعة الطالبان في الساحة الأفغانية، واستمرار الفوضى وجرائم القتل في الساحة الجزائرية، وفي عددها الأخير، وسعت مجلة «تايم الأمريكية» نطاق هذا التحليل ليشمل المباراة الأخيرة التي خسر فيها مايك تايسون لقب بطولة العالم للملاكمة، من فئة الوزن الثقيل.
فتحت عنوان «غالب باسم الكتاب المقدس إيفاندر هوليفيلد حمد الرب ثم لكم مايك تايسون» سعى كاتب التقرير إلى إبراز الصفات الإنسانية للمتدين المسيحي الفائز مقارنة بالصفات المتوحشة لمايك تايسن «الشرير»، ولو لم تصبغ القضية بصبغة دينية، لما كان مستغربًا أن تضفى مثل هذه الصفات المتقابلة على رياضيين يتنازعان على لقب بطولة رياضة كريهة، أهم ما فيها أنها في واقع الأمر ميدان بشع للمقامرة والمراهنة، هذا إذا ما غضضنا الطرف عن قائمة من المساوئ والمثالب الأخرى، ابتداء بالآثار النفسية التوحشية التي تتركها على المتفرجين، وانتهاء بالآثار البدنية المعيقة التي لا يكاد ينجو منها ممارس لها، ويسببها ما يلحق بدماغ الملاكم من تلف جزئي أو كلي.
يتمنى كاتب المقال المذكور على البطل الجديد إيفاندر هوليفيلد أن يتقاعد وهو منتصر حتى يظل ذكره حيًا في أذهان الناس، وتظل صورته ماثلة للعموم كمسيحي ورع، انتصر على تايسون، ذلك المسلم الشرير، بل وينقل عن هوليفيلد قوله إنه يتعنى بإنجازه ذلك أن يضرب المثل للآخرين على قدرة كل واحد منهم على هزيمة الشر في نفسه، والذي مثله في هذه الحالة مايك تايسون، وكان هذا البطل المسيحي الهمام إنما لاكم تايسون لأهداف إنسانية بحتة، لا طمعًا في الخمسة وثلاثين مليون دولار تقاضاها أو سيتقاضاها عن المباراة، ولا يتوقف الأمر عند ذلك، بل يبشر كاتب المقال بقرب صدور كتاب ألفه إيفاندر هوليفيلد بالتعاون مع أخيه بیرنارد بعنوان «هوليفيلد: المحارب المتواضع» لا يخفى على أحد أن العنوان ذو دلالة دينية، وخاصة أن هوليفيلد يوصف في المقال بأنه رجل لا يكف عن ذكر الرب، وهو الذي خرج على الجماهير في المؤتمر الصحفي الذي عقد بعد المباراة وعلى رأسه طاقية موشحة بالصليب.
قد يلتمس المرء بعض عذر للعامة في تفسير النصر والهزيمة في مباراة للملاكمة بوقوف الرب إلى جانب أحد المتبارزين ضد الآخر، وقد وقع في ذلك كثير من عامة المسلمين حينما تحمسوا لتايسون ومن قبله لمحمد علي كلاي، أو لغيرهما من الملاكمين سواء ممن تحولوا إلى الإسلام، أو ممن نشؤوا مسلمين دون أن ينتبهوا إلى أن هؤلاء كلهم مجرد أدوات في ورشة قمار مرعبة ومؤسسة بيزنيس كونية على الطريقة الأمريكية، إلا أن لجوء مجلة مثل «التايم الأمريكية » العلمانية، لمثل هذا الخطاب يحمل في طياته دلالات هامة ومؤشرًا على حالة من الغيظ والإحباط تعيد إلى الأذهان تلك السلسلة العبيطة من أفلام روكي -الملاكم الأمريكي الإنساني- وخاصة ذلك الفيلم الذي يقف فيه روكي في وجه ملاكم روسي، وكأنما يدافع من خلال النزال في الحلبة عن القيم الليبرالية النبيلة ضد الخطر الشيوعي، وكل ذلك في سبيل الإنسانية التي ترفع أمريكا لواء الانتصار لها وحمايتها من كل الشرور، ومن يدري لعل روكي يبعث من جديد قريبًا لنراه على شاشات السينما، ثم على شاشات التلفزيون، يلاكم الخطر الإسلامي.
أكاد أجزم بأن عامة الناس في الغرب، وفي أمريكا بالذات لا ترى في الإسلام أو المسلمين ما يشكل خطرًا عليها، بل أزعم أن معظم الناس يتمتعون بفطرة سليمة قادرة على التمييز لو سلمت الصور المعروضة عليهم من التشويه، ورغم أن المسلمين يقومون بقدر لا يستهان به من التشويه بنزاعاتهم، وبما يصدر عن بعضهم من مسالك غير إنسانية ولا حضارية، بل لا إسلامية، إلا أن الآلة الإعلامية في الغرب -والمرتبطة حاليًا بشكل وثيق بمؤسسات الاستثمار الكونية التي تقوم بدور المستعمر الجديد- تحظى بالنصيب الأوفى من التشويه والتزوير، لا جهلًا واعتباطًا كما هي حال من يفعله من المسلمين، وإنما عن قصد وإصرار، ويمكن اجتهادًا تفسير ذلك بعاملين مهمين، أما الأول فأزمة العلمانية، أي وصول العلمنة بما صاحبها من لا أدرية والحاد وتقديم الآلة على الإنسان، والنفعية على الخيرية إلى طريق مسدود، وتجدد الرغبة لدى قطاعات واسعة من الشعوب الغربية في إعادة التواصل مع السماء، وأما الثاني وهو مترتب على الأول، فيتمثل فيما تعانيه الكنيسة في الغرب من أزمات تحول دون تمكنها من أخذ زمام المبادرة في زمن البحث من جديد عن الذات.
ولعل هذين العاملين هما مصدر تسليط الضوء بشدة على الإسلام والمسلمين، وخاصة بعد أن تلاشي الخطر الشيوعي، نظرًا لما بات يشكله الإسلام من بديل مقنع لدى كثير من الناس شرقيين وغربيين، فالإسلام على النقيض من المسيحية الغربية محصن ضد العلمنة وضد الإفساد، فلئن تعلمن بعض المسلمين، تظل لدى غالبيتهم كما أشار إلى ذلك الراحل إيرنيست غيلنر قدرة فائقة على المقاومة؛ بسبب تمتع الإسلام بصفة التجدد الذاتي»، وذلك في إطار التعاليم التي لا يطرأ عليها تبديل ولا تحريف، ولئن فسد بعض المسلمين فانحرفوا عن الطريق، أو ارتكبوا المعاصي والموبقات فإن موقف الدين من الانحراف لا يتغير، ويظل للإسلام تجاه موبقات، مثل: الربا، والقمار، والزنا، أو اللواط، أو السحاق- موقف واحد يجمع عليه علماؤه على مر العصور، لا يغيره انحراف البعض، أو حتى الكل، ولا يمكن مقارنة ذلك بحال بما طرأ على المسيحية الغربية -مثلًا- من قبول اللواطيين والسحاقيات، بل وتعيينهم قسيسين وقسيسات، وإعادة تأويل حياة المسيح ليبدو هو الآخر لواطيًا والعياذ بالله.
ولقد زاد الحديث في بعض الأوساط الأكاديمية والفكرية الغربية خلال السنوات القليلة الماضية عن فشل العلمنة، أو قصور العلمانية، ويصاحب ذلك حديث حول البديل، فالكنيسة التي خرجت العلمانية من رحمها لتنقلب عليها، لم يطرأ عليها من التطوير والتحديث ما يطمئن الباحثين عن الله إليها، فمسببات الانقلاب عليها مازالت قائمة، بل وربما أضيف إليها تبرير التحلل من الخلق في أوساط القائمين عليها بعد أن عجزت عن منعهم أو ردعهم، عملًا بالمثل الإنجليزي الشهير إذا لم تستطع الفوز عليهم فلتنضم إليهم.
ومن هنا يبرز الإسلام كبديل رغم كل ما يعانيه أتباعه في أنحاء العالم من تخلف وتفرق واضطهاد، ودليل ذلك أنه الأسرع انتشارًا في الغرب، وخاصة في أمريكا، ومن هنا نفهم تلك المحاولات اليائسة لتشويه صورته وصورة من يرى فيه المنجى والملجأ.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل