العنوان المجتمع التربوي (1484)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 12-يناير-2002
مشاهدات 67
نشر في العدد 1484
نشر في الصفحة 54
السبت 12-يناير-2002
أفضل طرائق.. لاغتنام الدقائق
مشروعات استثمارية تزيد في العمر.. تستطيع إنجازها في خمس دقائق
إعداد: عبد الحميد البلالي
الوقت عمر الإنسان، ومن أجلِّ ما يصان عن الإضاعة والإهمال، والمسلم الحق يحافظ على وقته، فلا يتخذه وعاء لأبخس الأشياء وأسخف الكلام، بل يقصره على المساعي الحميدة والأعمال الصالحة التي ترضي الله تعالى وتنفع الناس، فكل دقيقة من عمرك قابلة لأن تضع فيها حجرًا يزداد به صرح مجدك ارتفاعًا، ويقطع به قومك في السعادة باعًا وزراعًا.
إن كنت حريصًا على أن يكون لك المجد الأسمى، ولقومك السعادة العظمى، فدع الراحة جانبًا، واجعل بينك وبين اللهو حاجبًا، هذا، وإن الدقائق القليلة من الزمن يمكن أن تفعل فيها خيرًا كثيرًا، وتنال بها أجرًا كبيرًا، بل إن دقيقة واحدة يمكن أن تزيد في عمرك، في عطائك، في فهمك، في حفظك، في حسناتك دقيقة واحدة تكتب في صحيفة أعمالك إذا عرفت كيف تستثمرها وتحافظ عليها.
قال الشاعر:
احرص على النفع الأعم من الدقيقة
إن تنسها تنس الأهم، بل الحقيقة
وفيما يلي أمثلة لمشروعات استثمارية تستطيع إنجازها في خمس دقائق بإذن الله تعالى:
1- تقرأ سورة الفاتحة 7-مرات، وحسب بعضهم حسنات قراءة الفاتحة، فإذا هي أكثر من ١٤٠٠-حسنة، فإذا قرأتها 7-مرات يحصل لك بإذن الله تعالى أكثر من ۹۸۰۰-حسنة كل هذا في خمس دقائق.
2 - تستطيع قراءة سورة الإخلاص، ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ ٢٠-مرة، وقراءتها مرة واحدة تعدل ثلث القرآن، فإذا قرأتها ۲۰-مرة فإنها تعدل قراءة القرآن 7-مرات، ولو قرأتها كل يوم في خمس دقائق ۲۰-مرة لقرأتها في الشهر ٦٠٠، وفي السنة ٧٢٠٠-مرة، وهي تعدل في الأجر قراءة القرآن ١٤٠٠ مرة.
3 - تقرأ صفحة واحدة من كتاب الله تعالى.
4 - تحفظ آية قصيرة من كتاب الله تعالى في خمس دقائق.
5 - تقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ۲۰-مرة وأجرها كعتق ٨-رقاب في سبيل الله من ولد إسماعيل.
6 - تقول: سبحان الله وبحمده ۱۰۰-مرة، ومن قال ذلك في يوم غفرت ذنوبه، وإن كانت مثل زبد البحر.
7 - تقول: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم ٥٠-مرة، وهما كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن، كما روى البخاري ومسلم عن رسول الله ﷺ.
8 – قال ﷺ: «لأن أقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، أحب إلي مما طلعت عليه الشمس» (رواه مسلم)، وفي الخمس دقائق تستطيع أن تقول هذه الكلمات جميعًا أكثر من ٢٠ مرة.
9 - تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، أكثر من ٤٠ مرة، وهي كنز من كنوز الجنة، كما روى البخاري ومسلم، كما أنها سبب عظيم لتحمل المشاق والقيام بعظيم الأعمال.
10 - تقول : لا إله إلا الله ٥٠ مرة، وهي أعظم كلمة «كلمة التوحيد» والكلمة الطيبة والقول الثابت، ومن كانت آخر كلامه دخل الجنة... إلى غير ذلك مما يدل على عظمتها.
11 - تقول: «سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته» ٠ ٥٠ مرة، وهي كلمات تعدل أضعافًا مضاعفة من أجور التسبيح والذكر، كما صح عن رسول الله ﷺ.
12 - تستغفر الله -عز وجل- أكثر من ۱۰۰، ولا يخفى عليك فضل الاستغفار، فهو سبب مرة المغفرة، ودخول الجنة، وهو سبب المتاع الحسن، وزيادة القوة، ودفع البلايا، وتيسير الأمور، ونزول الأمطار، والإمداد بالأموال والبنين.
13 - تلقي كلمة مختصرة في مسجد أو غيره، وربما يُفتح لك بها من الخير ما لا يخطر لك ببال.
14 - تصلي على النبي الله بالصيغة الإبراهيمية «صيغة التشهد» ۲۰ مرة، فيصلي الله عليك بها ۲۰۰ مرة، لأن الصلاة الواحدة بعشر.
15 - تتفكر في خلق السماوات والأرض، فتكون من أولي الألباب الذين أثنى الله عليهم في كتابه الكريم.
16 - ينبعث قلبك إلى شكر الله تعالى ومحبته وخوفه ورجائه والشوق إليه، فتقطع مراحل في العبودية، وقد تكون ساعتئذٍ مستلقيًا على فراشك أو سائرًا في الطريق.
17 - تقرأ أكثر من صفحتين في كتاب مفيد سهل الفهم.
۱۸ - تصل رحمك عبر الهاتف.
۱۹ - ترفع يديك وتدعو بما شئت من جوامع الدعاء.
۲۰ - تسلم على عدد من الأشخاص وتصافحهم.
۲۱ - تأمر بمعروف.
۲۲ - تنهى عن منكر.
۲۳ - تقدم نصيحة لأخ.
٢٤ - تشفع شفاعة حسنة.
٢٥ - تواسي مهمومًا.
هذا قليل من كثير مما يمكن أن تفعله في خمس دقائق، وتنال عليه أجرًا عظيمًا بإذن الله تعالى.
وإن اغتنام الدقائق القليلة يبعث على اغتنام غيرها من الأوقات الطويلة المهدرة.
قال الشافعي يرحمه الله:
إذا هجع النوام أسبلت عبرتي
ورددت بيتًا وهو من ألطف الشعر
أليس من الهجران أن لياليا
تمر بلا علم وتحسب من عمري؟
وقال الشاطبي رحمه الله:
ولو أن عينًا ساعدت لتوكفت
سحائبها بالدمع ديمًا وهطلا
ولكنها عن قسوة القلب قحطها
فيا ضيعة الأعمار تمشي سبهللا
أخيرًا، بقدر إخلاصك ومراقبتك يعظم أجرك وتكثر حسناتك.
واعلم أن معظم هذه الأعمال لا يكلفك شيئًا، فلا يلزمك طهارة أو تعب أو بذل جهد، بل تقوم بها وأنت تسير أو في السيارة، أو وأنت مستلق أو جالس أو تنتظر أحدًا.
كما أن هذه الأعمال من أعظم أسباب السعادة وانشراح الصدر، وزوال الهموم والغموم.
وفي الختام أقترح عليك أن تحفظ هذا المقال في جيبك، لكي تستذكر هذه الأعمال، ولكي تقرأها على إخوانك المسلمين، فتعينهم على اغتنام الأوقات ولا تحقرن من المعروف شيئًا، والدال على الخير كفاعله.
ذكر الله.. روح الأرواح (۲) من (۳)
*الذكر من أعظم أبواب الأجر.. ويحفظ الذاكر من وسوسة الشيطان.
*يبث في القلب الطمأنينة والسكينة، ويحييه بالمعاني الإيمانية ودوام الصلة بالله.
*ذكر الله أمان من النفاق، وهو: عبودية وإعانة وحياة وعلم.
ذكرنا في حلقة العدد الماضي معنى ذكر الله ودلالته، وأن حقيقته هي التعلق بالله واستحضار عظمته واستشعار مراقبته، وتطرقنا إلى مكانته وأهميته، ومن ذلك أنه عبادة مطلوبة بلا حد، وفي كل وقت، وعلى أي حال، كما أنه قوت القلوب، ورياض الجنة، وعمارة الديار ورأسمال السعادة، وأوضحنا أن الذكر يدفع الآفات، ويكشف الكربات، ويدع القلب الحزين ضاحكًا مسرورًا.
وفي هذه الحلقة نتناول بعض فوائد الذكر وآثاره، ومن ذلك:
1- مثوبة وأجر
المسلم حريص على الثواب مستكثر من الحسنات، مجتهد في الطاعات، وأنت -أخي القارئ- ما من شك في أنك كثيرًا ما تفكر في كيفية زيادة رصيدك من الحسنات مع كثرة الأعمال والمشكلات وتعاظم الملهيات والمغريات، ومن هنا أقول لك -وبكل وضوح- إن الذكر من أعظم أبواب الأجر، ولعلي أعرض لك طائفة يسيرة من النصوص الكاشفة عن الأجر العظيم والثواب الجزيل للذكر، وهي غيض من فيض:
أ - عن أبي هريرة رضي الله عن رسول الله ﷺ قال: «من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وحمد الله ثلاثًا وثلاثين، وكبر الله ثلاثًا وثلاثين، فتلك تسع وتسعون، وقال في تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، غفرت له خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر» (رواه مسلم).
ب - وعنه عن رسول الله ﷺ قال: «كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم» (متفق عليه).
ج - وعنه أن رسول الله ﷺ قال: «من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير» في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له بها مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك» (متفق عليه).
د- وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لأن أقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، أحب إلي مما طلعت عليه الشمس» (رواه مسلم).
هـ - عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله ﷺ فقال: «أيعجز أحدكم أن يكسب كل يوم ألف حسنة؟» فسأله سائل من جلسائه: كيف يكسب كل يوم ألف حسنة؟ قال ﷺ: «يسبح مائة تسبيحة فيكتب له ألف حسنة أو يحط عنه ألف خطيئة» (رواه مسلم).
2- سلامة وحفظ
جعل الله للذكر فائدة الحفظ للذاكر من وسوسة الشيطان همزه ولمزه ونفخه ونفثه، فالذاكر محفوط بإذن الله، لا يمسه أذى، له من الذكر حصن حصين، وسياج متين، لأن في قلبه ذكر الله، وعلى لسانه ذكر الله، وإليك الإيضاح بالدليل:
أ - عن عبد الله بن حبيب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «اقرأ قل هو الله أحد والمعوذتين حين تصبح وحين تمسي ثلاث مرات تكفك من كل شيء» (رواه أبو داود والترمذي).
ب - عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إذا نودي لصلاة أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضي النداء أقبل حتى إذا ثوب بالصلاة أدبر حتى إذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء ونفسه يقول: اذكر كذا وكذا، لما لم يكن يذكر، حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى» (متفق عليه).
ج - عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من قال -يعني إذا خرج من بيته- بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، يقال له: كفيت ووقيت وهديت، وتنحى عنه الشيطان» (رواه الترمذي).
د - عن عثمان بن عفان رضي الله قال: قال رسول الله ﷺ: «ما من مسلم يقول في صباح كل يوم ومساء كل ليلة بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، ثلاث مرات، إلا لم يضره شيء» (رواه أبو داود والترمذي).
هـ - عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه» (متفق عليه).
فتأمل معي هذا الأثر العظيم الذي تناله إن كنت من الذاكرين، قم وانظر إلى ما حولك ومن حولك فسترى من به مس من الجن أو عطب من السحر أو إغواء من الشيطان، وأنت بنعمة الله سالم من كل ذلك، بل إن كثرة ذكر الله عز وجل أمان من النفاق، فإن المنافقين قليلو الذكر لله عز وجل، قال الله تعالى في المنافقين: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (النساء:١٤2). قال كعب: «من أكثر من ذكر الله عز وجل برئ من النفاق» (الوابل الصيب ص: ۱۷۲ ۱۷۳).
وما أجمل ما قاله أبوخلاد المصري في بیان تحصين الذكر حيث قال: «من دخل الإسلام دخل في حصن، ومن دخل المسجد فقد دخل في حصنين، ومن جلس في حلقة الله يذكر الله عز وجل فيها فقد دخل في ثلاثة حصون» (الوابل الصيب).
3 - حياة وعلم
الذكر حياة القلوب والغفلة مواتها، فالذكر يحيي القلوب بإحياء المعاني الإيمانية، ودوام الصلة بالله، ففي صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ قال: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره مثل الحي والميت»، وفي رواية: «المسلم مثل البيت الذي يذكر الله فيه والذي لا يذكر الله فيه كمثل الحي والميت». وليس بين الحديثين اختلاف، فإن إطلاق الحي والميت في وصف البيت إنما يراد به ساكن البيت، فشبه الذاكر بالحي الذي ظاهره متزين بنور الحياة، وباطنه بنور المعرفة، وغير الذاكر بالبيت الذي ظاهره عاطل، وباطنه باطل، وقيل موقع التشبيه بالحي والميت لما في الحي من النفع لمن يواليه والضر عمن يعاديه، وليس ذلك في الميت. (الفتح 11/210، 211).
وإذا كان القلب حيًّا، كان عامرًا بالإيمان ومن ثم فإن الموعظة تؤثر فيه، والذكرى تنفعه، والوعد يطمعه ويرغبه، والوعيد يردعه، فهو كامل الحياة، عظيم التأثر، ومن ثم فإنه يكون:
أ - لينًا لا قاسيًا، قال تعالى: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمۡ وَقُلُوبُهُمۡ إِلَىٰ ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ﴾ (الزمر: ۲۳). ومن مات قلبه قسا، قال سبحانه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِن ذِكْرِ اللهِ﴾ (الزمر: ۲۲).
وذكر أن رجلًا قال للحسن: «يا أبا سعيد، أشكو إليك قسوة قلبي، قال: أذبه بالذكر»، وهذا لأن القلب كلما اشتدت به الغفلة اشتدت به القسوة، فإذا ذكر الله ذابت تلك القسوة (الوابل الصيب ص: ١٥٣).
إن القرآن العظيم يحرك القلوب الحية، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَإِذَا تُلِيَتۡ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (الأنفال: 2)، بل إن أثره أعظم كما قال تعالى: ﴿لَوۡ أَنزَلۡنَا هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ عَلَىٰ جَبَلٖ لَّرَأَيۡتَهُۥ خَٰشِعٗا مُّتَصَدِّعٗا مِّنۡ خَشۡيَةِ ٱللَّهِۚ﴾ (الحشر: 21).
ب- متذكرًا لا ناسيًا، ومعتبرًا لا غافلًا، قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾ (آل عمران: 190-191) لما رأى عظمة الخلق، ذكر وسبح الخالق، وفكره وذكره أثمرا توجهًا وخضوعًا له ومن ثم توجه بالدعاء والتضرع ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
ومن كانت هذه صفة قلبه -من آثر الحياة بالذكر- فإن قلبه يكون في أفضل أحوال العلم والفقه والاستيعاب والإدراك، فالله جل وعلا يقول: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ﴾ (البقرة: 282)، فمن ذكر ربه زكا قلبه وزاد فهمه، ومن ذكر الله زاده الله فقهًا وعلمًا، حتى يبلغ إلى درجة يكون في قلبه من الشفافية والصفاء ما يفرق به بين الحق والباطل ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّكُمۡ فُرۡقَانٗا وَيُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ﴾ (الأنفال : 29)، وأما من مات قلبه فقد حرم العلم وحجب الفقه، لأن صدأ القلب بأمرين: بالغفلة والذنب، وجلاؤه بشيئين: بالاستغفار والذكر، فمن كانت الغفلة أغلب أوقاته كان الصدأ متراكمًا على قلبه، وصداه بحسب غفلته، وإذا صدئ القلب لم تنطبع فيه صور المعلومات على ما هي عليه، فيرى الباطل في صورة الحق والحق في صورة الباطل، لأنه لما تراكم عليه الصدأ أظلم، فلم تظهر فيه صورة الحقائق كما هي عليه، فإذا تراكم عليه الصدأ واسود، وركبه الران، فسد تصوره وإدراكه. (الوابل الصيب ص: ۸۹).
4 - عبودية وإعانة
الذاكر يستحضر مع الذكر معنى عبوديته لربه، واستعانته به، لأن الفاظ الأذكار إقرار بتعظيم الله، وتنزيه له عما لا يليق به وحمده على آلائه وإعلان لتوحيده، وهذا يستشعره الذاكر عندما يقول على سبيل المثال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وهكذا.
ولا شك في أن من وحد ربه وعظمه، فإنه يستشعر فقره إليه، وذله بين يديه، فيتوجه إليه مستعينًا به، ومن جهة أخرى فإن الذكر يكون في سائر الأحوال، وبالتالي فإنه عند بدء كل عمل، أو تحول حال يذكر الله فيتذكر حاجته للاستعانة به، فمثلًا عندما يخرج من بيته هناك ذكر مأثور، فإذا قاله تذكر استعانته بربه في حفظه، وفي طلب رزقه، وإذا ركب سيارته أو دابته ذكر الله فتذكره وشعر بحاجته إلى استعانته به، وكذا إذا لبس ثوابه أو خلعه، وإذا نام أو استيقظ وهكذا.
مثال «البسملة»
ولنأخذ مثلًا واضحًا في البسملة التي يُستحب ذكرها عند بدء كل عمل الحديث النبي ﷺ: «كل عمل لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أقطع». ولورود البسملة في كثير من الأذكار عند الشروع في الأعمال، فعند الطعام بسملة، وعند دخول البيت بسملة، وعند الخروج منه بسملة أيضًا، وهكذا.
وهنا يأتي المعنيان:
الأول: إذا قال: «بسم الله» تذكر خالقه ومولاه وأنه عبده الذليل الذي يلهج بذكره، ويهتف باسمه، ويعترف بفضله، كما هي عادة عبيد الدنيا لا يفتأ الواحد منهم يذكر في كل أمر سيده، ويخاطب الناس باسم سيده، ولله المثل الأعلى، أنت في عبوديتك أحق بذلك وأجدر.
الثاني: معنى «بسم الله»: يتضمن الاستعانة، وفيه استحضار قوة الله وعونه وطلبها، فعند الطعام كأنه يقول «باسم الله آكل»، وعند الخروج كأنه يقول: «باسم الله أخرج»، أو باسم الله أبتدئ أو أفتتح خروجي وفي هذا استعانة.
والحق أن ذكر الله له أعظم الأثر في عون العبد على تحمل المصائب واحتمال البلاء، فإنه عند المصيبة يقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ﴾ (البقرة: 156)، فتسكن نفسه، ويطمئن قلبه وتقوى عزيمته، وتعلو همته.
ولا شك أن ذكر الله يسهل الصعب وييسر العسير، ويخفف المشاق، فما ذكر الله عز وجل على صعب إلا هان، ولا على عسير إلا تيسر، ولا مشقة إلا خفت، ولا شدة إلا زالت، ولا كربة إلا انفرجت، فذكر الله هو الفرج بعد الشدة، واليسر بعد العسر، والفرج بعد الهم والغم. وهو يعطي الذاكر قوة حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لا يطيق فعله بدونه. (الوابل الصيب ص ١٦٤).
ولما سألت فاطمة بنت محمد ﷺ أباها رسول الله الخادم، واشتكت له ما تعانيه من أعمال المنزل، قال لها ولزوجها علي -رضي الله عنه-: «ألا أدلكما على ما هو خير لكما من خادم، إذا أويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثًا وثلاثين واحمدا ثلاثًا وثلاثين، وكبرا أربعًا وثلاثين، فإنه خير لكما من خادم» (متفق عليه).
5- طمأنينة وسكينة
يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد:28)، فهذا إخبار من الله عن المؤمنين بأنهم تطمئن قلوبهم بذكره، أي يزول قلقها واضطرابها، وتحضرها أفراحها ولذاتها، وحري ألا تطمئن لشيء سوى ذكره، فإنه لا شيء ألذ للقلوب ولا أحلى من محبة خالقها والأنس به ومعرفته. (تفسير السعدي 4/108).
فالطمأنينة هي «سكون القلب إلى الشيء وعدم اضطرابه وقلقه» (تهذيب المدارج ص ٥٠٣)، وسكون الذاكر إلى ربه دائم في كل الأحوال من السراء والضراء والشدة والرخاء.
وإذا كان المراد بالذكر هنا القرآن الكريم -وهو الأصح- فإن القرآن هو الذي تكون به طمأنينة قلوب المؤمنين، فإن القلب لا يطمئن إلا بالإيمان واليقين، ولا سبيل إلى حصول الإيمان واليقين إلا من القرآن، فإن سكون القلب وطمأنينته من يقينه، واضطرابه وقلقه من شكه تهذيب المدارج: ص: ٥٠٣).
فمن تعلق بالقرآن وجد فيه قناعة العقل، وسكينة النفس، وسكون القلب بالأمن والإيمان.