العنوان زيارة خاصة جدًّا
الكاتب إيمان مغازي الشرقاوي
تاريخ النشر السبت 27-يونيو-2009
مشاهدات 63
نشر في العدد 1858
نشر في الصفحة 50
السبت 27-يونيو-2009
- إحساس رهيب أن تزور أحبابك من أهل القبور دون أن تعلم من أمرهم شيئًا ولا تملك لهم إلا الدعاء بالرحمة والمغفرة.
- مشت إليه على وجل واستحياء ترفع قدمًا وتحط أخرى في أرض جدباء إلا من نبات الصبّار حتى صارت أمامه.. لم تره مرحبًا كعادته فألقت عليه السلام ولم تنتظر الإجابة.
- التقوى خير زاد للآخرة وهي الكافية للمهمات الرافعة للدرجات.
لم تتخيل أنها لن تراه لحظة وصولها، ولم تتصور نفسها تدخل بيته دون أن تكتحل عيناها أولًا برؤيته قبل أي أحد، ولا تدري كيف سيكون حالها في تلك اللحظة الحرجة، لكنها تشجعت وطلبت من ربها الثبات ولم تستسلم لليأس.. لحظات مرت عليها كأنها دهر طويل، لكنه مع ذلك مرّ كلمح البصر، إذ سرعان ما نفّست عن حزنها بالدموع الحارة التي سالت على وجنتيها لتخفف ما في القلب من أحزان مخزونة، وبدلًا من أن يأتيها هو مرحّبًا بها ومستقبلًا لها كعادته، سارت إليه هي وأصرّت أن تلقاه وهناك في مكان بعيد قد نأى عن الأنظار ذهبت إليه زائرة! المكان قفر موحش، والأرض جدباء إلا من نبات الصبّار الذي انتشر هنا وهناك حول هذه البيوت المنعزلة البعيدة، وكأنه يطلب ممن يراه في هذا الموضع بالذات أن يتذكر الشبه بينه وبين الصبار، فكلاهما مُرّ المذاق، صعب على النفس أن تستسيغه.
مشت على وجل واستحياء، ترفع قدمًا وتحط أخرى وهي تحس بثقل كبير في خطواتها، لم تكن تدري ماذا تفعل وإلى أين تتجه! لكنها واصلت المسير علّها تجده، فقد أنت من أجل زيارته، وها هي تبحث عنه وسط هذا الزحام، وقد رأت الآية في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (26)﴾ (سورة المرسلات: 25 - 26)، فاستشعرت نعمته، أخذت تقلب بصرها هنا وهناك وبعد جهد جهيد إذا بها أخيرًا تجده، وها هو بيته الذي يسكن فيه، تنفست الصعداء وابتهلت إلى الله تحمده أن دلها عليه، وها هي الآن قد صارت أمامه وجهًا لوجه.
وقفت خاشعة القلب خافضة الطرف تتحدث إليه بصوت خفيض، فهي تعرف آداب تلك الزيارة، وما يجب عليها قوله وفعله في هذا الموقف المهيب، وفي خشوع ورهبة أضفاها السكون الذي يظلل المكان والوحشة التي تغطيه والوحدة التي تلفه، ووسط هذا الكمّ الهائل من الناس الذين يسكنون مثله، ألقت عليه وعلى من حوله السلام، فقالت بصوت مسموع: «السَّلام على أهل الدّيار من المُؤمنين والمُسلمين، وَيَرحَم الله المُسَتقدمين مِنكُمْ وَمِنَّا وَالمُسْتَأخِرينَ، وَإِنَّا إن شاء الله بِكُم لاحِقُونَ» «مسلم». وأخذت تردد وتقول: «أنتم لنا فرط ونحن لكم تبع، أسأل الله العافية لنا ولكم» «أبو داود».. عاشت هذه اللحظات في سكون تام بعيدًا عن الضوضاء مع هؤلاء الذين قضوا نحبهم وأفضوا إلى ربهم وسكنت نفوسهم فسكنوا تلك الدور، بعد أن فارقوا العمران وهجروا الأهل والخلّان إلى غير رجعة لحياتهم الدنيا، فهم الآن في عالم آخر وفي حياة أخرى.
الذكرى الطيبة..
سارت بها قافلة الذكرى إلى الوراء لتراه أمامها وهو يخطو بخطواته القوية على الأرض، ومع كل خطوة له تدب في أوصاله الحياة بما فيها من فتوة الشباب وشباب الفتوة، لقد كان يأمر وينهى، ويعطي ويمنع، ويحب ويبغض، كان ملء العين وقرة النفس وراحة الفؤاد، ثم ها هي تنظر إليه بعد حين وقد خط الشيب شعره وناصيته، فاشتعل رأسه شيبًا، وقد انحنى منه الظهر وضعفت العين وكلت الأيدي والأرجل من عناء الدنيا الذي لا ينتهي إلا بما صار هو إليه الآن، لكنها تشهد أنه كان يفعل جاهدًا ما يرضي ربه، ولعل ذلك مما يشفع له عند مولاه فيغفر له ويرحمه. رأته وهو يهدهد أحفاده الصغار يحب وعطف، ويعطيهم مصروفهم اليومي بفرح و سرور، وشاهدته حين كان يحضر لهم أضحية العيد من قبل أن يحل ويأتي، وتطلعت إليه حين كان ينفق على المساكين والفقراء والمحتاجين حتى عرفوا بيته وصاروا من رواده، وسمعته قبل وقت قصير وهو يئن ويتألم لبكاء أطفال ونساء فلسطين المحتلة، ويحزن لشبابها وشيبها وهم مقهورون مستضعفون محاصرون، وعهدته وهو يشارك في بناء العقول بنشر العلم فيساعد في تأسيس المساجد والمعاهد في سبيل الله حتى عرفه أهل الخير وأحبوه وأجلوه ووقروه، تذكرت كل ذلك وهي تراه بقلبها في تلك اللحظة القاسية وهو بين أنقاض الثرى في تلك البقعة الصغيرة من الأرض، قد غادر إلى ربه الرحمن الرحيم فاطمأنت واستبشرت.
ألا فزوروها..
عاشت تلك اللحظات التربوية مع الموت والموتى، وفي غمرة تأملها، ومع وحشة المكان كادت أن تهرب وتجري خائفة، وأوشكت أن تقفل عائدة من حيث أتت، لكنها تشجعت امتثالًا لأمر رسول الله ﷺ: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، فإنها ترق القلب، وتدمع العين، وتذكر الآخرة، ولا تقولوا هجرًا» «الحاكم». أرادنا نبينا ﷺ أن نتذكر الموت بتلك الزيارة، ونعيش الحقيقة ولو للحظات معدودات فقال: «فزوروها فإنها تذكركم الموت» «الحاكم» وأحب أن نأخذ منها العبرة ونعي الدرس فقال: «فزوروها فإن لكم فيها عبرة» «الطبراني». وها هي الآن قد أنت زائرة للعظة وتربية النفس برؤية المصير المحتوم ومعاينة النهاية المنتظرة لكل مخلوق، فإن من رأى ليس كمن سمع، وهي بذلك ليست من زوارات القبور اللاتي يأتين إليها للندب والنوح والصراخ والعويل، وها هي تقف أمام قبره تحيط بها القبور من كل جانب قد سمت نفسها ورقت استعدادًا لأخذ العبرة وتلقي الدرس، علّها تتذكر فلا تنسى..
ترى كيف حالهم؟ نظرت إلى هؤلاء الأموات وهي مشفقة، وحاولت أن تعيش معهم تلك اللحظات، وأن تنظر إليهم وتراهم بعين قلبها، واستشعرت حالهم وهي وجلة ترتجف من هول ما تفكر فيه، وتساءلت وقلبها يخفق فرقًا: هل صاحب هذا القبر يعيش الآن في روضة من رياض الجنة أم -والعياذ بالله- في حفرة من حفر النار؟ ألا ليت شعري هل هؤلاء الأموات الذين تعج بهم المقابر وتزدحم برفاتهم قد غفر الله لهم ورحمهم، أم لا يزالون في ساعة الحساب والسؤال مع اختلاف الزمن وآلته بين حياة الدنيا التي نحياها نحن، وحياة البرزخ التي هم فيها الآن؟ هل تقرر المصير النهائي لكل منهم؟ وأين أنت أيها الأب الحبيب؟ وقد قال النبي ﷺ: «إنما القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار» «الترمذي».
إنه حقًا لإحساس مربع أن ترى أحبابك من أهل القبور وتكون بجانبهم ومعهم ولا تشعر بهم، ولا تعلم من أمرهم شيئًا، تنظر إليهم ولا تملك لهم إلا الدعاء بالرحمة والتخفيف، ومع حسن ظنك بواسع رحمة الله تتمنى لهم النجاة.. تمنت من أعماق قلبها أن يكون هؤلاء المؤمنون في دار كرامة ورحمة كما قال النبي ﷺ لعائشة رضي الله عنها: «إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا: نرجعك إلى الدنيا؟ فيقول: إلى دار الهموم والأحزان؟ فيقول: بل قدماني إلى الله، وأما الكافر فيقال : نرجعك؟ فيقول: لعلي أعمل صالحًا فيما تركت» وتخيلتهم وهم يخيّرون بين العيش في جوار ربهم الكريم وبين العودة لأهليهم في الدنيا، فيختارون جوار ملك الملوك سبحانه وتعالى، مصداقًا لقول نبيه ﷺ: «ما من عبد يموت، له عند الله خير، يحب أن يرجع إلى الدنيا، وأن له الدنيا وما فيها، إلا الشهيد» «الترمذي».. فتخيلت أباها وهو يخيّر فيأبي ويرفض أن يرجع أو يعود.
وتزودوا..
تحدثت إلى نفسها وتناجت معها، تُرى لو نطق هؤلاء الأحباب من سكان تلك القبور لمن يأتيهم زائرًا، فماذا كانوا له قائلين؟ لا شك أنهم قد أنقطع عملهم إلا من ثلاث، ذكرها لنا النبي ﷺ حين قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» «البخاري»، لذا فإنه نهانا عن تمني الموت فقال: «ولا يتمنينّ أحدكم الموت إما محسنًا فلعله أن يزداد خيرًا، وإما مسيئًا فلعله أن يستعتب» «البخاري»، وعلمنا أدب ذلك فقال: «لا يتمنين أحدكم الموت الضر نزل به، فإن كان لا بد متمنيا للموت فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي» «البخاري»، وإن هؤلاء الأموات لو تكلموا إلينا ما قالوا غير ما قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ﴾ (سورة البقرة: ۱۹۷). ولعل أحدهم الآن يشتهي سجدة لله أو تسبيحة أو تكبيرة يتحرك بها لسانه فلا يستطيع، وأنّى له هذا؟!
نعم.. إنها التقوى وهي خير الزاد إلى الآخرة ولا شيء غيرها، وفيها قال الغزالي رحمه الله: جمعت خيرات الدنيا والآخرة تحت هذه الخصلة التي هي التقوى، وتأمّل ما في القرآن من ذكرها كم علق بها من خير، ووعد عليها من ثواب، وكم أضاف إليها من سعادة، ومدار العبادة على ثلاثة أصول: الأول: التوفيق والتأييد وهو للمتقين، قال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (سورة البقرة: 194). الثاني: إصلاح العمل واتقاء التقصير وهو للمتقين. قال الله تعالى: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ (سورة الأحزاب: ۷۱)، الثالث: قبول العمل وهو للمتقين قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (سورة المائدة: 27)، فالتقوى هي الجامعة للخيرات الكافية للمهمات، الرافعة للدرجات.
اليوم زائر.. وغدًا مًزُور
نعم... فهذا حق، وقد قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (سورة آل عمران: 185)، وقد تمشي أيها الإنسان فيأتيك الموت وأنت في الطريق، وقد يأتيك وأنت غريب عن دارك بعيد عن أهلك، قال تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ (سورة لقمان: 34)، وقتها لا ولن تستأخر أو تستقدم.. كما أخبر بذلك ربنا ومولانا ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ (سورة النحل: 61)، عندها قد تتمنى الرجعة فلا تملكها وقد تشتهي، العمل فلا تتمكن من فعله، إذ يحال بينك وبين ما تشتهي، فالموت أكبر عظة، وقد قيل لبشر بن الحارث: عظنا، قال: ما أقول فيمن القبر مسكنه، والصراط جوازه، والقيامة موقفه والله مسائله؟ فلا يعلم إلى جنة فيهنّى أم إلى نار فيعزى. فالبدار البدار بالتوبة الصادقة وحسن العمل ورد المظالم والاستعداد لمثل ما هم فيه الآن واحذر دنياك والهوي.. قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُلۡهِكُمۡ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ (9) وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقۡنَٰكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوۡلَآ أَخَّرۡتَنِيٓ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ (10) وَلَن يُؤَخِّرَ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِذَا جَآءَ أَجَلُهَاۚ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ (11)﴾ (سورة المنافقون: 9 - 11). وقال تعالى: ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ قَالَ رَبِّ ٱرۡجِعُونِ (99) لَعَلِّيٓ أَعۡمَلُ صَٰلِحٗا فِيمَا تَرَكۡتُۚ كَلَّآۚ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَاۖ وَمِن وَرَآئِهِم بَرۡزَخٌ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ (100)﴾ (سورة المؤمنون: 99 - 100).
ومازالت عجلة الحياة تدور..
أفاقت من شرودها وانتبهت من خيالها فجأة على صوت أخيها يناديها للعودة إلى البيت، فالأهل جميعًا هناك بانتظارها وقد تأخرت عليهم، سارت معه وهي تتلفت يمينًا ويسارًا وفي كل اتجاه، تودع أهل هذه الديار بدعوات الرحمة والمغفرة، «السلام عليكم دار قوم مؤمنين. وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» «مسلم» وما لبثت أن قطعت بها السيارة المسافات بسرعة لتعود مرة ثانية إلى صحب الحياة وضوضائها، عادت لتدور بها عجلة الحياة من جديد بعد أن خلفت المقابر من وراثها، لكنها أيقنت في قرارة نفسها أنها عما قريب وغدًا إليها عائدة في يوم ما وإن طال بها الزمان، لكنها في هذه المرة لن تكون زائرة من الزوار، بل مقيمة فيها مع الأموات بين أطباق الثرى وطبقات التراب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل