; بعد إلقاء السلاح والتخلي عن العنف- الجهاد والجماعة الإسلامية المصرية.. افتراق عند بداية طريق «السياسة»! | مجلة المجتمع

العنوان بعد إلقاء السلاح والتخلي عن العنف- الجهاد والجماعة الإسلامية المصرية.. افتراق عند بداية طريق «السياسة»!

الكاتب محمد جمال عرفة

تاريخ النشر الثلاثاء 31-أغسطس-1999

مشاهدات 63

نشر في العدد 1365

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 31-أغسطس-1999

  • «الشريعة»: نحن أحق بتمثيل الجماعة الإسلامية والجهاد لأننا من قلب الحركة «الإصلاح»: لا.. نحن الأولى بذلك
  • مأزق حكومي مصري بشأن استيعاب آلاف المفرج عنهم من الجهاد والجماعات بعد رفضهم الانضمام لأي من الحزبين وبقية الأحزاب السياسية.

في أبريل الماضي أعلن صحفي إسلامي ينتمي للفكر السلفي للجماعة الإسلامية المصرية تأسيس حزب إسلامي باسم الاجتماعي الإسلامي، ثم غير اسمه إلى حزب الإصلاح، وشارك معه في تأسيس الحزب صحفي إسلامي آخر كان أحد المتهمين في قضية اغتيال الرئيس الراحل السادات، وحكم عليه بالسجن عشر سنوات، ومع أن مؤسسي الحزب أكدوا ل المجتمع في تقريرها الذي نشرته في ۲۱ أبريل الماضي، أن الحزب الجديد يتوجه بخطابه إلى الألوف من شباب الجماعة الإسلامية، وجماعة «الجهاد المصريتين»، فقد لوحظ أن العديد من المحسوبين على تيار الجهاد قد ابتعدوا عن هذا الحزب، ونفوا أنه يمثلهم.

كما سحب بعض قادة الجماعات السابقين ارتباطهم بالحزب وحدث نوع من الجفاء بين مؤسسي هذا الحزب والمحامي منتصر الزيات القريب من قادة جماعة الجهاد المسجونين بحكم مرافعته في قضاياهم، الأمر الذي أثار التساؤلات حول مدى قبول أو رفض كل أنصار جماعتي الجهاد والجماعة الإسلامية لفكرة الحزب بعدما نبذوا العنف إثر مبادرة قادة الجماعة المسجونين في 5 يوليو ۱۹۹۷م، كما أثار تساؤلات أخرى حول الطريق الثالث الذي يمكن أن يلجأ إليه هؤلاء العازفون عن الحزب الجديد المتبني لفكر الجماعة الإسلامية.

وازداد المأزق مع توالي الإفراج عن المئات من أنصار جماعتي «الجماعة الإسلامية»، و«الجهاد».

بعدما اطمأنت الحكومة المصرية لصدق مبادرة وقف العنف، وتوقف أعمال العنف في مصر بالفعل طوال عامي ۱۹۹۸ م و۱۹۹۹م، الأمر الذي يقلق بدوره المسؤولين في مصر، إذ إن الحكومة المصرية تخشى أن يعود هؤلاء المفرج عنهم للعنف خصوصاً بعدما يصطدمون بمشكلات المجتمع المصري، خاصة أن محاولات بعض الأحزاب المصرية الشرعية باءت بالفشل في سعيها لضم هؤلاء.

ويبدو أن هذا الوضع قد أغرى إسلاميين آخرين محسوبين على تيار جماعة الجهاد بالمبادرة لإطلاق تأسيس حزب أخر هو حزب الشريعة الذي أعلن عنه المحامي ممدوح إسماعيل أملاً في جذب هؤلاء الشاردين. 

وهكذا أصبح هناك حزبان.. "الإصلاح" يعبر عن الجماعة الإسلامية.. و"الشريعة" ويعبر عن جماعة الجهاد.

والأهم هنا.. ما موقف قادة جماعتي الجهاد والجماعة الإسلامية المسجونين من هذين الحزبين؟

وقد أثيرت تساؤلات عديدة حول الأسباب الحقيقية التي دفعت مؤسسي حزب الشريعة لتأسيسه الآن؟ ولماذا جاء ليعبر عن فكر المنتمين الجماعة الجهاد تحديدًا؟ هل هو لمنافسة حزب الإصلاح المفترض أنه يعبر عن الجماعة الإسلامية، أم يعتبر تدشينه بمثابة إعلان رسمي عن انقسام الجهاد والجماعة الإسلامية في مصر سياسياً بعدما كانوا منقسمين تنظيميًا والأهم.. ما موقف قادة جماعتي الجهاد والجماعة الإسلامية المسجونين من هذين الحزبين بعدما سعى مؤسسو كل حزب لتأكيد أن قادة الجماعة راضين عن حزبهم وسيعلنون تأييدهم له في القريب العاجل؟! 

المجتمع سعت للاتصال بكافة الأطراف للإجابة عن هذه التساؤلات، وكانت المفاجأة – كما يقول مؤسس حزب الإصلاح - أن مؤسسي حزب الشريعة، ومؤيديه كانوا معهم عند التفكير في حزب الإصلاح، وأبدوا ارتياحًا لفكرة الحزب، إلا أنهم تخلوا عنه فور الإعلان عنه وانتقدوه بشكل غير علني، أما مؤسسو «الشريعة» فيؤكدون أن الفكرة لديهم منذ سنوات، ومبادرة وقف العنف هي التي شجعتهم على المضي فيها.

الدولة في أزمة

ويشرح ممدوح إسماعيل المحامي ووكيل مؤسسي حزب «الشريعة»الفارق بين حزبه وحزب الإصلاح الذي أسسه الصحفي المصري جمال سلطان قائلًا: إن جمال لم يأت من وسط الجماعة الإسلامية ليعبر عنها، وأنه عاش مراقبًا للأحداث وكتب عنها، أما هو - إسماعيل - فجاء من قلب الحركة الإسلامية لأنه كان مسجونًا في قضية الجهاد رقم ۱۸۱ مع قادة الجماعات المدة ثلاث سنوات عاش فيها معهم أفكارهم وتصوراتهم وبالتالي يعرف ماذا يريدون، ويعبر في حزبه عنهم خصوصًا أنه استمر مدافعاً عنهم بعدما أصبح محامياً، ولذلك فهو الأحق بالتعبير عن هؤلاء القادة المسجونين وأنصارهم.

أما الأسباب الحقيقية التي دعت لتأسيس هذا الحزب فهي - كما يؤكد ل المجتمع - وقوع الدولة المصرية في أزمة بشأن كيفية التعامل مع الجماعات الإسلامية منذ مبادرة وقف العنف التي أعلنها القادة، الأمر الذي استدعى إيجاد قناة شرعية علنية تعبر عن الحركة الإسلامية بوضوح وبطريقة حضارية، بحيث تكون البديل السلمي للتعبير عن أراء الجماعة.

أما منتصر الزيات الذي تردد أنه القائد الحقيقي لحزب الشريعة الجديد فلا يخفي دعمه الكبير المشروع ممدوح إسماعيل، ويؤكد بدوره أنه.. أي الحزب - هو الأقرب لقادة الجماعات الإسلامية إلا أن الزيات يبرر عدم وجوده بين مؤسسي الشريعة، استنادًا إلى التزام منه بموقف أدبي مع قادة الجماعة الذين يتولى الدفاع عنهم، لأنهم لم يحددوا موقفهم بعد من الحزب الجديد، لكنه يعتقد، كما يقول - أن الشريعة، سيكون محل موافقتهم على خلاف المشروع الأول -الإصلاح-.

أما جمال سلطان - مؤسس الحزب الأول الإصلاح - فقد بدا عليه الحزن والحيرة لإعلان تأسيس حزب آخر منافس يتوجه بخطابه - مثل الإصلاح - لذات القطاع العريض من الشباب التابعين لجماعة الجهاد والجماعة الإسلامية ووصلت حيرة سلطان لحد تفضيله عدم التعليق على الأمر كله حتى يلتقي مع كل من إسماعيل ومنتصر الزيات ليشرحا له أسباب الإعلان عن هذا الحزب، أما عن آخر أخبار حزبه الإصلاح الذي أعلن عنه في أبريل الماضي، ولم يقدم أوراق تأسيسه للجنة شؤون الأحزاب المصرية حتى الآن فيقول سلطان إن التأخير في تقديم أوراق الحزب يرجع إلى أنه كان يريد إعطاء المشروع فرصة ووقت أكبر للمناقشة سياسيًا وإعلاميًا لضمان مزيد من التأييد له بين أبناء الحركة الإسلامية.

وقال إنه سيتقدم بأوراق حزبه في ظل الولاية الرابعة للرئيس مبارك حيث يتوقع مزيد من الانفراج السياسي، وتغيير المناخ السياسي القائم حاليًا.

تصفية حسابات

وإذا كان إسماعيل أثر عدم التعليق على الحزب المنافس الجديد، فقد شن المؤسس الثاني لحزب الإصلاح، الصحفي كمال حبيب، والذي حكم عليه بالسجن 10 سنوات في قضية اغتيال السادات هجوماً حاداً على الحزب الجديد، معتبراً أنه ليس له وجود حقيقي.

 ويؤكد حبيب الذي سبق أن أعد وثيقة فكرية باسم البيان الإسلامي الجديد، تشرح أسباب التحول من العنف للعمل السياسي أن مشروع الإصلاح خضع لمناقشات كبيرة وموسعة مع رموز الحركة الإسلامية، وأن منتصر الزيات صاحب فكرة حزب الشريعة، قد شارك في هذه المناقشات ويضيف أن مشروع الحزب قابل للتطوير والتصحيح، وأن نفي قادة الحركة الإسلامية في السجون صلتهم به لا يعني أنهم ضده وهو ما أكدوه بأنفسهم. 

هناك إذن أزمة ومشكلة حقيقية خلقها إعلان ثاني حزب إسلامي يتبنى فكر الجماعات الإسلامية، وهناك بلبلة في الشارع حتى بين أنصار الجماعة الإسلامية والجهاد الذين أطلق سراحهم من السجون ولا يعرفون طريقًا للتعبير من خلاله عن أرائهم بعد نبذ فكرة العنف والقاء السلاح فكلا الحزبين الإصلاح، والشريعة يخطبان ود الجماعة الإسلامية، ويعلنان أن حزب كل منهما هو المعبر عن الجماعة وفكرها. 

أما الطريف في الأمر كله، فهو أن مؤسسي الحزبين يعلمان جيداً أن أحزابهما سيتم رفضها في نهاية الأمر، لسببين.

الأول: هو تأكيد الرئيس مبارك عدة مرات عدم السماح بقيام حزب ديني. 

والثاني: أن لجنة الأحزاب شبه الحكومية لم يسبق لها منذ إنشائها الموافقة على أي حزب. فهل تحدث مفاجأة ما؟

الحزب الجديد يؤيد التعددية

وإذا نظرنا إلى برنامج الحزب الجديد نجد أن أبرز ما فيه هو التأكيد على التحول عن فكرة العنف والتأكيد على إيمانه بالتعددية السياسية وحق الآخرين في تكوين أحزاب، مشيراً إلى أن اختلاف الرأي سنة من سنن الخلق لكنه شرط هذا الحق بأن يتم من خلال النسق الحضاري الإسلامي وهذا موقف سيثير حفيظة القوى السياسية العلمانية بالتأكيد.

ورغم رفض الحزب للعنف كمنهج للتغيير إلا أنه يلتمس العذر لما حدث من عنف في مصر خلال الربع الأخير من القرن الحالي، حيث يعود ذلك إلى فقدان حق التعبير عن الرأي وحق الاختلاف السياسي، مما أدى إلى انسداد قنوات التعبير والتفاهم، الأمر الذي أوجد حالة احتقان سياسي أفضت إلى العنف.

ومن الجديد على فكر الحركة، والذي تضمنه برنامج الحزب الإيمان بحرية الاعتقاد على أساس مبدأ ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة:256) كما ينص المبدأ الثالث في برنامج الحزب على إعادة الاعتبار لدور الأمة والوحدة الوطنية بين عناصرها، وقال البرنامج انطلاقًا من إيماننا الإسلامي الصحيح بحرية الاعتقاد الديني، وحتمية الوحدة الوطنية بين المسلمين والمسيحيين في مصر وغيرها من البلاد العربية فإننا ننطلق من هذا المعنى لأن الإسلام قدم خبرة تاريخية متميزة في حماية الأقليات والتفاعل معهم، وفي إدماجهم داخل السياق الحضاري العام، فأصبحوا بذلك جزءا لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي والسياسي للأمة، وشدد البرنامج على أن التطبيق الصحيح للشريعة الإسلامية يضمن حقوقاً كاملة للنصارى في مصر، بل ويصونها تمامًا.

ملاحظات على البرنامج

ويصفة عامة يلاحظ أن شخصية كاتب البرنامج وهو الدكتور رفعت سيد أحمد ،الباحث بالمركز القومي للبحوث الجنائية - والذي لم يكن يوماً عضواً في الجماعات الإسلامية، ويغلب عليه الفكر القومي انعكست بصورة واضحة على البرنامج، حتى أنه نسي في كثير من الأحيان التميز الإسلامي في النظرة إلى موضوعات بعينها، فهو يؤكد حتمية الوحدة الوطنية بين المسلمين والأقباط، وهي صياغة غير معهودة بين الإسلاميين رغم قبولهم للفكرة من حيث المبدأ، وهو حينما يتحدث عن الأزمة الاقتصادية يرجعها إلى التفاوت المادي الحاد بين شرائح المجتمع، ويتجاهل الحديث مطلقاً عن قضية الربا التي هي موضوع أساسي لدى كل الإسلاميين، وحتى حينما يتحدث عن قضية فلسطين يتحدث بصياغات فيها خليط بين القومية والإسلامية، ويقدم مقترحات للمواجهة لا تتضمن خيار الجهاد المسلح ضد الصهاينة، بل تركز على بعض النواحي الأكاديمية والتجارية والشعبية وخصوصاً المقاطعة الاقتصادية.

ويبدو أن الاستعجال في وضع البرنامج جعله يخرج بهذه الصيغة التي قد لا تلقى قبولًا لدى قيادات الحركة، مما يتطلب إعادة صياغتها قبل تقديم البرنامج وأوراق الحزب للجنة الأحزاب.

ويبدو أن مؤسسي حزب الشريعة، يدركون هذا النقص في بعض نقاط البرنامج خصوصًا أن قضايا شائكة مثل حرية الاعتقاد وحق الآخرين في تكوين أحزاب والوحدة الوطنية مر عليها البرنامج سريعًا، وبدون عمق في التناول، ولذلك قال ممدوح إسماعيل - أحد مؤسسي الحزب – ل المجتمع: إنه سيصدر قريبًا عددًا من الوثائق الفقهية التفسيرية التي تشرح هذه القضايا وغيرها.

ويبقى السؤال: هل يندمج الحزبان أم يتقدم كل منهما بأوراقه مع ما قد يترتب على ذلك من الحكم على كل منهما بالضعف والتصارع منذ البداية؟ وهل توافق الحكومة المصرية على إنشاء حزب من الحزبين أم كلاهما؟

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل