; وزير التربية والحملة الصحفية | مجلة المجتمع

العنوان وزير التربية والحملة الصحفية

الكاتب طارق الحمود

تاريخ النشر الثلاثاء 20-مايو-1986

مشاهدات 60

نشر في العدد 768

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 20-مايو-1986



يستطيع القارئ العادي المتابع لما كتبته الصحف المحلية حول استقالة وزير التربية أن يخرج بقناعة أكيدة بهذا الشأن وهي أن هناك تضخيمًا ونفخًا مقصودًا حول هذه الاستقالة واستثمارًا لهذا الحدث من البعض في الهجوم على الإسلاميين الذين وصفتهم الحملة الصحفية بأنهم كانوا وراء تقديم الوزير لاستقالته، وحتى نكون أكثر تحديدًا نقول بأن هذه الحملة الصحفية قد حفلت بعدة ظواهر ينبغي تسجيلها والتدليل على كل منها بأمثلة وشواهد تؤكد ما ذكرناه، أو فلنقل هي معايير يمكن عن طريقها قياس المدى الذي بلغته هذه الحملة وهذه المعايير هي:

1 - الموضوعية: والسؤال الأول في هذا المقام هو هل التزمت الحملة الصحفية الموضوعية في كتاباتها وللإجابة على هذا السؤال نسوق بعض الأمثلة مما كتب في الصحافة المحلية لنبين مدى توافر الموضوعية من عدمه في هذه الكتابات، فقد أجمعت هذه الكتابات بلا استثناء على تمجيد الوزير تمجيدًا أسطوريًّا وكأن البلاد بدون هذا الوزير ستغط في ظلام دامس، وبالمقابل شنت هجمات ضارية على الإسلاميين واعتبرتهم أعداء العلم والتطور وأنهم القوة التي وقفت وراء استقالة الوزير، ولبيان عدم الموضوعية نسوق هذه الأمثلة:

أ- كتبت إحدى الصحف ما يلي: «تواجه الحكومة اليوم تحديًا خطيرًا يمس معنى وجودها. وهذا التحدِّي يتمثل في الضغط الذي مارسته الأحزاب الدينية التي لم يجمعها بيان ولا وحدتها معركة الانتخابات... ولكنها اتفقت فقط على السعي لإخراج وزير التربية الدكتور حسن الإبراهيم». وهذا التصوير يفتقد لأبسط أسس الموضوعية بل يتجرد من أدنى درجات المعقولية، فأي متابع بسيط لجلسات مجلس الأمة يذكر عند مناقشة سياسة القبول في الجامعة وموضوع توظيف الطلبة واللوائح الجامعة والقرار الشهير رقم (5) يذكر تمامًا كيف أن أكثر من ثمانية وعشرين نائبًا بمختلف توجهاتهم أبدوا معارضتهم لخطوات الوزير وسياساته بل هاجموه هجومًا ضاريًا لا هوادة فيه ومضابط الجلسات شاهدة على ذلك، مما يعني أن هناك أغلبية نيابية ضد الوزير وضد توجهاته الفكرية والتربوية، وفجأة تختزل هذه الحملة الصحفية كل هذه القوى لتضع في الساحة الإسلاميين وحدهم وتنهال عليهم بأشنع التهم وأبشع الشتائم واصفة إياهم بأعداء النور والعلم، وحاملي لواء الجهل والتأخر، كما كتب أحدهم التالي: «منذ تقلد الدكتور حسن الإبراهيم منصبه كوزير للتربية، وحتى يومنا هذا والتجمعات الدينية تشن حملتها عليه من خلال المنابر المتاحة لها سواء من خلال البرلمان أو الندوات أو الصحافة الخاصة بها» وهذا مثال آخر على عدم الموضوعية في اعتبار معارضي الوزير هم فقط الإسلاميون، رغم توجه الأغلبية النيابية الجارف والواضح ضد سياسات الوزير وتوجهاته.

ب - دأبت الكتابات الصحفية التي أيدت الوزير على طول الخط على وصف موقف معارضي الوزير بأنهم مستفيدون من العهد البائد وأنهم يدافعون عن نفوذهم الذي تقلص بعد أن تولى وزير التربية منصب الوزارة، فقد نشرت إحدى الصحف مقالًا يقول فيه كاتبه الآتي: «المقابلة الآن أصبحت واضحة بين تيار متنفذ يريد الإطاحة به، وقطاع متعلم يأمل في استمرار الاتجاه الحالي لتحديث التعليم وتطويره».

فهل حقًا كل مطالب معارضي الوزير هي كذلك؟ وهل يعني ذلك أن معارضيه يجب أن ينقلبوا إلى مدَّاحين له ومسبحين بحمده حتى يُمْكِن احتسابهم من الصنف الثاني؟

ج - إن هذه الكتابات الصحفية جعلت بقاء الوزير في منصبه أو استقالته هي الفيصل بين التطوير والتأخر أو العلم والجهل، وكأن هذه القضية الجوهرية يملكها حسن الإبراهيم وحده، وكأنه كما قال النائب خميس عقاب في إحدى جلسات مجلس الأمة: «ما في البلد غير هالولد» وهذا الأسلوب من الكتابات الصحفية يحوي في حقيقته طعنًا في عقليات وفكر مجتمع بأكمله.

2 - الصدق: من المعايير الذي يمكن بها قياس هذه الحملة الصحفية، مقدار الصدق الذي تحمله هذه الكتابات، فقد نشرت إحدى الصحف أن الوزير المزيدي سيتوجه إلى لندن لاطلاع الدكتور حسن الإبراهيم على تطورات الموقف داخل مجلس الوزراء من استقالته وكأن وزير التربية هو رئيس مجلس الوزراء وينبغي نقل كل ما يدور في مجلس الوزراء إليه واستطلاع رأيه حوله، وقد نفى الوزير المزيدي هذا الخبر عندما سئل من قبل الصحفيين في جلسة يوم الثلاثاء الماضي بل نفى نية السفر أصلًا، ومثال آخر حول عدم الصدق هو ما كتبه أحد مؤيدي الوزير حين صوره بأنه حينما كان مديرًا للجامعة قد اضطر للاستقالة لأنه لم يستطع تنفيذ برنامجه الإصلاحي بسبب ما واجهه من عراقيل، والحقيقة أن الوزير لم يستقل من منصب مدير الجامعة بل انتهت فترة تعيينه لمنصب مدير الجامعة ولم يتم تعيينه لهذا المنصب في دورته الجديدة.

وتكررت الأكاذيب حيث نشر أكثر من مرة عن عودته إلى البلاد وأكدت الحقائق والوقائع غير ذلك.

3 - المصلحة العامة: والمعيار الأخير الذي افتقدته هذه الحملة الصحفية هو مدى توخيها للمصلحة العامة ويكفي أن نسوق بعض الأمثلة للتدليل على ذلك فقد أخذت الكتابات الصحفية مناحي سياسية ذات أغراض وآثار خطيرة على الاستقرار في البلاد فقد صورت بعض هذه الكتابات أن الإسلاميين ينوون بذلك إظهار سطوتهم وسيطرتهم تمهيدًا لاستلام الحكم، ومنها ما كتبه أحدهم قائلًا: «لقد فشلت المحاولات الانقلابية السمجة والتي خططت لها الأحزاب الدينية البغيضة، لقد فشلت في وضع هيمنتها على الدولة ووصايتها على الحكومة». وكتب آخر: «تريد هذه الأحزاب إبعاد جيل العلم والتقدم القادر على الإصلاح لأنها تريد للدولة أن تتآكل وأن تتساقط موقعًا بعد الآخر وأن تستمر الفوضى والفساد في مرافق العمل حتى تجيء الساعة التي تخرج فيها الأحزاب الدينية إلى الناس داعية لتسليمها السلطة وتطبيق حكم الشريعة كما فعلت زمن السقوط السوداني أيام خليفتها السياسي محمد جعفر نميري».

وأمثال هذه الكتابات التي تقطر بالحقد والكيد على التوجه الإسلامي في البلاد واستعداء السلطة وتأليبها عليه هل يخدم في حقيقته الاستقرار في هذا البلد؟!

أم أن استقالة الوزير في نظر البعض أصبحت فرصة لا تعوض لتشويه صورة التوجه الإسلامي في البلاد وإظهاره بصورة المتحكم رغبة في استفزاز القيادات السياسية وإثارتها على الإسلاميين، في الوقت الذي تركز فيه القيادات السياسية باستمرار على إشاعة الاستقرار في البلاد وتنفي بحق أن هناك أي تفكير من الكويتيين في تغيير أو زعزعة النظام السياسي، إذن لمصلحة من يقال هذا الكلام؟

من الواضح أيضًا أن بعض هذه الكتابات الصحفية أرادت إحراج الحكومة حتى تتخذ موقفًا قويًّا مع الوزير المستقيل ووضعت عشرات السيناريوهات لعملية الاستقالة رغم أن هذا الأمر من اختصاص رئيس الحكومة رئيس مجلس الوزراء وهو الذي يملك قبول أو رفض هذه الاستقالة، ورغم أن سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء قد أعلن أنه «إذا لم يعد حسن الإبراهيم فإن هناك حسن إبراهيم آخر».

إلا أن هذه الكتابات الصحفية لم تنقطع في محاولاتها لإحراج رئيس الحكومة بل مارست نوعًا من الإرهاب والضغط لرفض الاستقالة من الحكومة.

وهناك نقطة أخيرة يمكن أن نضيفها وهي حول:

توقيت الحملة الصحفية وهنا علامات استفهام أخرى حول توقيت الحملة الصحفية، فقد ترددت أنباء الاستقالة وأسبابها من تاريخ 9/5/1986 ولكن الملموس والمشاهد أن الحملة الصحفية لم تشتد ولم تستوِ على عودها إلا بعد ثلاثة أيام تقريبًا تالية على هذا التاريخ، وخلال هذه الفترة السابقة عليها طرحت أسماء بديلة للوزير ونشرت تخمينات حول أسباب الاستقالة، فهل هذا يعني أن هناك ضجة مفتعلة حوله؟ ولمصلحة من؟

كما ينبغي أن نسجل أن اجتماع وزير الإعلام برؤساء تحرير الصحف المحلية يوم الثلاثاء الماضي كان يجدر أن تنقل فيه وجهة النظر الرسمية حول هذا الموضوع حتى يتم معالجته بكل تعقُّل وهدوء من قِبَل الصحف المحلية بعيدًا عن تسخين الجبهة الداخلية وإشغالها بموضوع لا يستحق أن تنشغل به عن المواضيع الأساسية والملحة الأخرى.

 

 

 

 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

157

الثلاثاء 07-أبريل-1970

مجليات 4

نشر في العدد 97

123

الثلاثاء 25-أبريل-1972

نداء.. من أجل مستقبل الجيل