العنوان عندما تغلب القوى الغاشمة
الكاتب د. محمد يوسف عبد الرحمن
تاريخ النشر السبت 03-أغسطس-2002
مشاهدات 75
نشر في العدد 1512
نشر في الصفحة 46
السبت 03-أغسطس-2002
من دعاء المؤمنين المأثور: «اللهم لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا»، لأن الإنسان إذا خلا قلبه من الإيمان بالله يكون متجردًا من القيم والأخلاق، فيصبح قاسيًا لا يرحم أحدًا، تقوده نزوة الغلبة الشريرة كما هي الوحوش في الغابات، حيث لا قيم ولا قانون ولا نظام ولا معاهدات ولا حقوق، وإنما منطق القوة الغاشمة.
وهذا ما يمثله معسكر الشر ضد المسلمين في هذه الأيام، فإلى أي منطقة تنظر تجد تلك القوى المعززة بما يسمى بالقوة الكبرى تثير -بافتعال لم يسبق له مثيل- النزاعات القديمة التي كانت بينها وبين المسلمين المجاورين بمبررات زائفة وحجج واهية لا تنهض، ضاربة عرض الحائط بما كان بينها وبين المسلمين من معاهدات وتفاهمات سارية عقدت قبل استفحال أمر القوى الغاشمة تلك، أي ما قبل سبتمبر من العام الماضي؛ وذلك لتصورها أن ميزان القوى يميل لصالحها، وأنه يجب عليها أن تستغل الظروف السائدة في ظل ما يسمى بالحرب ضد الإرهاب، فأصبحت تمارس ضغوطًا هائلة ضد المسلمين مستخدمة اللهجة نفسها التي تستخدمها ما تسمى بالقوة الكبرى.
فإسرائيل مثلًا كانت تتجه ولو شكلًا نحو التفاوض مع الفلسطينيين، وكانت هناك معاهدات أو تفاهمات تمت بينهما، لكنها ألغت كل هذ المعاهدات مع أنها كانت لصالحها وضد المصلحة الفلسطينية، وبدلًا من ذلك رأت أن تركب موجة الحرب ضد الإرهاب التي تقودها حليفتها، لأن ركوب الموجة يمكنها من تصفية المجاهدين والمناضلين الفلسطينيين الذين يقاومون الاحتلال ضمن التنظيمات الإرهابية، التي تلاحق وتجمد حساباتها وتمنع وصول المساعدات إليها حتى ولو كانت هذه المساعدات من المسلمين.
كما أن الهند استأسدت على باكستان وأصبحت تملي عليها الشروط تلو الشروط وتأخذ منها التنازلات التي لم تحلم بها، مع أن الصراع الباكستاني الهندي مضى عليه أكثر من نصف قرن ولم نسمع في كل هذه المدة من يصف المجاهدين في كشمير بالإرهابيين أو يصنفهم ضمن المجموعات الإرهابية، كما هو الحال في هذه الأيام التي ضعف فيها المسلمون وقوي غيرهم لأسباب لا يسعها هذا المقال.
وكذلك شأن المجاهدين في جنوب الفلبين الذين مضى على جهادهم أكثر من ثلاثين سنة للوصول إلى حقوقهم في بلادهم، وكانت هذه الحقوق مدعومة من قبل منظمة المؤتمر الإسلامي ومن غيرها من المؤسسات الرسمية والشعبية، وكانت تجري مفاوضات بين الحين والآخر أقرت الحكومة الفلبينية في بعضها بحق المسلمين في الحصول على حكم ذاتي في ولاياتهم، إلا أن الأمور تغيرت فجأة في ظل ما يسمى بالحرب ضد الإرهاب، فأصبح المسلمون هناك يصنفون بالجملة ضمن المنظمات الإرهابية.
والأمر الأكثر تساؤلًا ودهشة في منطقة القرن الإفريقي ما تقوم به الحبشة الآن من تمثيل دور القوة الكبرى في الصراع الصومالي الحبشي الذي مضى عليه أكثر من ألف سنة لم تكن الحبشة يومًا فيه القوة الغالبة، حيث سمعنا من يتحدث من زعماء الحبشة بأن مدارس حفظ القرآن واللغة العربية والدراسات الإسلامية في الصومال ستخرج إرهابيين! إن هذه المدارس الموجودة في الصومال من أقدم وأعرق المدارس في العالم الإسلامي، بل وأشهرها، ولم يتفوه أحد من حكام الحبشة وقساوستها الموغلين في التطرف كأمثال «مللخ» الذي عاصر النهضة الأوروبية وبدايات احتلالها للعالم الإسلامي. لم يتكلم أحد من هؤلاء عن هذه المدارس ومخرجاتها على مر التاريخ.
إلا أن ميليس زيناوي رئيس الوزراء الحبشي الحالي سلك طريقًا آخر وقرر أن يحاكي لهجة حليفته الكبرى ناسيًا أو متناسيًا من هم مجاوروه من المسلمين الذين خرجتهم وتخرجهم تلك المدارس التي لوثها بلسانه الصليبي.
من الأفضل لرئيس الوزراء الحبشي الذي تنقصه التجربة والخبرة السياسية ألا يثير حساسية جيرانه الصوماليين وألا يضرب على الأوتار المتفجرة عندهم، وإلا فإنهم يقومون قومة رجل واحد للدفاع عن دينهم ووطنهم ووجودهم وهو ما يتمناه كل صومالي غيور، وعندها فلا أحد يستطيع أن يتكهن بما سيؤول إليه الأمر، وقد تجري السفن بما لا تشتهي السلطة الحبشية، وحينئذ لا ينفعها ركوب موجة محاربة الإرهاب كما لا ينفعها العملاء الصوماليون الذين باعوا دينهم وضميرهم، فلله الأمر من قبل ومن بعد.
إن إعتماد القوة الغاشمة في حل المشكلات العالقة بين الشعوب والدول، واستخدام العنف ضد الشعوب المسالمة لتصفية حسابات قديمة، والانتقام لمواقف وأحداث سابقة ونبذ العهود والمواثيق بين الدول الإسلامية في سبيل الوصول إلى ذلك، ومخالفة القوانين والأعراف وأنظمة حقوق الإنسان المتفق عليها عالميًّا، وتجاهل حقوق الآخرين لاعتبارات دينية، لن تكون في النهاية لمصلحة أحد، وقادة معسكر الشر واهمون إذا ظنوا خلاف ذلك.
والبادئ أظلم والظلم عاقبته وخيمة، ولا يسعنا في مواجهة تلك الهجمة الشرسة إلا أن نفوض أمرنا إلى الله: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة: 51).
﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلَّآ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ ۖ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍۢ مِّنْ عِندِهِۦٓ أَوْ بِأَيْدِينَا ۖ فَتَرَبَّصُوٓاْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ﴾ (التوبة: 52).
ونختم بما بدأنا به: «اللهم لا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك فينا ولا يرحمنا» آمين.