العنوان الأمن... أمنان:
الكاتب ماجد عبدالعزيز التركي
تاريخ النشر الثلاثاء 29-سبتمبر-1992
مشاهدات 112
نشر في العدد 1018
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 29-سبتمبر-1992
رأي: الأمن المادي والفكري.. إحساس الغائب وإدراك الضحية
إدراك نعمة الأمن المادي
أما الأول: فإن
الإحساس بنعمته، وإدراك معانيه القريبة والبعيدة، كثيرًا ما يصعب على المتمتعين
به، ولو حاولوا جهدهم في ذلك، لكان في الغالب محض تكلف قد لا يمثل الواقع، وحقيقة
الواقع في شيء.
وإن أقرب
الدالين على ذلك هم أولئك الذين عملت الحرب فيهم عملها، عندما تتحدث عنهم الأشلاء،
وتنطلق منهم الدماء، تأتيك النظرات البريئة الخائفة من أعين الأبرياء، أطفال
وأرامل، وشيوخ، يحدثك في الطفل طراوته التي لا تُقاوم، وفي المرأة عجزها الفطري،
وفي الشيخ الكبير تجاعيد الزمن، التي ترسم لك أصدق المعاني، يحدثك فيهم حديث
الواقع لا الخيال، ما أنتجته المادية من وسائل الدمار وتقنيات الحروب، فلا تسمعك
إلا صراخًا وعويلًا، إنه الصراخ الذي لا افتعال فيه. وأنَّى لحبيس خندق أو جدر
متهدمة خربة أن يصطنع الصراخ، ثم هل بقي في صوته المخنوق صوت؛ ليتلهى به ويتصنع؟.
يحدثك عن الأمن
من إِذَا أحس أن الصدام قد خف وطيسه، خرج خائفًا يترقب، باحثًا عن رشفة ماء يشفي
بها الغليل، الذي خالطه الخوف في كل معانيه وأشكاله، خرج يبحث عن ماء أي ماء. إنه
خليط من المستنقعات، ومع هذا يدرك أن هذا الماء ليس له وحده، إنما قد سبقه إليه
جيش من الحشرات تستقي هي الأخرى. أو ليس لها حياة؟ إنها مثله حبيسة الخندق سواء
بسواء.
يحدثك عن الأمن
حديث الصدق، صورة ذلك الطفل البريء الذي قد دمعت عيناه الممزق من كل جانب، فقلبه
قد مزقه الخوف من دوي المدافع وأزيز الرصاص، ونظراته قد مزقها ظلام الخنادق
والأقبية.
فكلماته قد
انحبست تحت وطأة الآهات والجراح، ولباسه شاركه التمزق، أليس رفيقه في الصيف
والشتاء والليل والنهار! لا تدري مما هو يبكي؟ هل بَحثًا عن والديه؟ أم أن الخوف
والجوع هما اللذان يُبْكِيانه؟ ويدرك نعمة الأمن أخيرًا الذين إذا رأوا بصيص أمل
للخلاص والنجاة مما هم فيه، فإذا بمصيبة أشد وأعتى مما سبقها لا تقتل هذا الأمل
فحسب، بل تتعداه لقتل كل أمل قبل أن يجد طريقًا للخروج.
الأمن الفكري وخطورة الكلمة
أما الأمن
الآخر، فلا يحتاج لكثير بيان في مثل هذا الموضع، وكل عاقل ناصح يدرك أهميته وخطره،
إنه أمن الكلمة، أو ما يمكن تسميته بالأمن الفكري للأمة. والخوف في هذا لا يقل عن
الخوف في سابقه، بل إن وقع هذا النوع في الأمم أشد، ولا سيما أن أثره لا يُدرَك
إلا بعد حين. وحاجة الأمة لهذا الأمن في مثل هذا الزمن أعظم من حاجتها لغيره،
فالمؤثرات فيه متسعة باتساع قنوات وسائل الإعلام، التي تملأ الأسماع والأبصار
بالأحداث والأفكار والقضايا في كل لحظة من اللحظات، ولم تترك شأنًا إلا ولها فيه
صدى.
وكما أن للحرب
دروعًا وجنودًا يُحتمى بها، فكذا الحال هنا، ولكن من المفترض أن يكون جنود الكلمة
على درجة من الوعي والإدراك ما يُخَوِّلهم لحمل مثل هذه الأمانة، وإلا فسيكونون
ذاتهم بوابات مشرعة على مصراعيها لأعداء الكلمة وسماسرة الحرف.
والتشدد في هذا
الشأن أحوج وألزم، فأثر السقوط فيه لا يمكن إزالته بسهولة، والضحية فيه تتعدى
الماديات، فقد تكون عقيدة الأمة التي تدين بها.
فمن لوازم الأمن
الفكري ألا يحمل الكلمة من الأمة من يجهل بها ولا يدرك من حقيقتها سوى رسمها
وشكلها الفني.
من لوازم الأمن
الفكري أن يقود زمام الكلمة في الأمة من يعي مسؤوليتها، ولا يقدم للكلمة إلا من هو
أهل لها وحقيق بها.
ولندرك أخيرًا
أن الصلاح والفساد كلاهما لا قيمة له ما لم يكن الصلاح نظافة في القلب، وسموًا في
الهدف.