العنوان الافتراء والاجتراء في مقالات للدكتور العمر
الكاتب حمد الإبراهيم
تاريخ النشر الثلاثاء 21-مارس-1989
مشاهدات 73
نشر في العدد 909
نشر في الصفحة 14
الثلاثاء 21-مارس-1989
خلال الشهرين الماضيين وعلى صفحات جريدة «القبس» المحلية اليومية، كتب د. عبد الله العمر مجموعة مقالات حاول فيها النيل من المسلمين وعقيدتهم، في أسلوب جمع كثيرًا من التناقضات، وافتقد كثيرًا من المنطق الذي تحدث باسمه، وغابت عنه الموضوعية التي دعا إليها، كما غابت العلمية التي حث عليها.
- كيف كان هذا؟
1- يربط- باجتراء غريب عجيب- بين الإيمان بوجود الروح والجن، وبين ممارسة بعض العامة والجهلة للسحر والشعوذة اللتين نهى الإسلام عنهما، وشدد على من يعمل بهما، أو يصدق الممارسين لهما، يقول في مقالته الأولى المعنونة بــــ «علم أم حلم»: «أليس من العبث الترويج لموضوعات الجن والشياطين مثلًا في الوقت الذي نحتاج فيه إلى إطلاع الناس على علم جديد؟
أليست جريمة دعوة الناس إلى ممارسة السحر والشعوذة وتحضير الأرواح مثلًا، بينما هم في حاجة إلى دعوة تنمي من معرفتهم، وتنفعهم في أمور حياتهم، وتحفظ لهم عقولهم وكرامتهم كبشر»؟!!
هلا أطلعنا على كلام مسلم مؤمن دعا إلى ممارسة السحر والشعوذة، وتحضير الأرواح؟ ألم تعلمه الدكتوراة التي تشير الدال قبل اسمه إلى حمله لها؟ ألم تعلمه أن الكتابة العلمية تقتضي عدم إلقاء الكلام على عواهنه.. وعدم الخلط بينالقضايا؟!
إنه يعلم تمامًا أن إيمان المسلمين بوجود الجن على مر العصور لم يمنعهم من تحصيل مختلف العلوم، وسبقهم العالم بها، حتى كانوا أساتذة الدنيا، لم يمنعهم إيمانهم بوجود الروح، وأنها من أمر الله، من أن يكونوا رواد الحضارة الإسلامية، التي يشهد بعظمتها حتى أولئك الغربيين الذين يحبهم!
ويمضي الكاتب في هجمته الشرسة على المتدينين من خلال انتقاداته الكثيرة لفكر السحرة والمشعوذين عبر ثلاث مقالات، في ربط مفتعل غير علمي، بين فريقين يقفان على طرفي نقيض: فريق المؤمنين العاملين.. وفريق السحرة المشعوذين!!!
2- في مقالة هاجم فيها الداعية المسلم أحمد ديدات وردت عبارات خطيرة تظهر فيها رائحة الكفر الذي يناقض زعم الكاتب بأنه مؤمن، يقول عن أحمد ديدات: «ويتوهم أنه بالإمكان إثبات أن الإسلام أفضل من المسيحية أو أصح»! ويقول متهمًا المؤمنين بعدم التفكير في إيمانهم: «قبول الدين أو رفضه لا يتوقف على قاعدة عقلية أو منطقية بالضرورة، فلو كان الدين يقوم على قاعدة منطقية لما كان هناك اختلاف في الأديان عند البشر، أو تعدد في مذاهبهم»، «وليس ارتفاع كفة دين على دين آخر، أو علو مرتبة مذهب على مذهب آخر مسألة مماثلة لقضية منطقية».
إن وضعه إمكانية إثبات أن الإسلام أفضل من المسيحية بالوهم أمر خطير حقًا، فهو يعرف أن الوهم مضاد للحقيقة والواقع، ومن ثم فهو مخالف صريح القرآن بأن الرسالة الخاتمة الشاملة التي يصلح عليها أمر الناس جميعًا، والمقبولة وحدها عند الله- سبحانه- هي رسالة الإسلام، فإذا اعتبر أن هذا وهم؛ فإنه يحق لنا أن نشير إليه بالاتهام في إيمانه.
أما أن الإيمان لا يقوم على أساس منطقي وعقلي، فهو اجتراء غريب آخر على اتهام المؤمنين بأنهم يضعون عقولهم جانبًا في إيمانهم، والأمر لا يحتاج إلى رد، لكن هذا لا يمنع من إشارات سريعة:
أ- يستدل على دعواه تلك بتعدد الأديان واختلاف المذاهب بنص قوله: «فلو كان الدين يقوم على قاعدة منطقية، لما كان هناك اختلاف في الأديان عند البشر أو تعدد في مذاهبهم»، ولو صحت دعواه تلك لانتفى العقل والمنطق عن جميع العلوم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها، فما أشد الخلاف بين السياسات والاقتصادات في العالم، وما أكثر الفروق بينها في النظريات والتطبيق، فهل نزعم أن علماء تلك العلوم كانوايفتقدون العقل والمنطق؟!!
ب- ليس مثل القرآن في دعوته إلى الإيمان کتاب يدعو إلى التفكير، ويحث على تشغيل العقل، ويخاطب أولي الألباب، ولا نعذر الدكتور عبد اللهالعمر إلا إذا كان لم يقرأ كتاب الله العزيز.
ج- معظم من آمن من علماء الغرب والشرق بالقرآن الكريم، إنما آمن نتيجة تفكير طويل، وتدبر عقلي حكيم، وتبصر ذهني في آيات الله.. في الكون وفي القرآن، واقرأ- إن شئت- ما قاله الدكتور اللبناني الماروني قبل إسلامه «ميشال الغريب»- اسمه الآن د. محمد ميشال الغريب- «ليس في الإنجيل آية واحدة تدعو إلى العلم، بينما يزخر القرآن الكريم بالآيات التي تدعو إلى العلم وتحث عليه، وتخاطب العقل والمنطق».
٣- يخرج الدكتور العمر على قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ﴾ (آل عمران: 19)، وقوله جل شأنه: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (آل عمران: 85) حين يقول: «الخلاف يظهر في الاعتقاد بأن الدين الإسلامي هو الدين الوحيد في عالمنا الذي نعيش فيه، أو أن الإسلام لا يرضى بالتعايش مع الديانات الأخرى..»، وحين يقول: «الذي أراه هو أن المنطق والأخلاق والدين وكافة الظروف التي يمر بها العرب والمسلمون في حياتهم المعاصرة، تحتم أن يتعايش الإسلام بسلام ووئام مع الديانات الأخرى».. وحين يقول: «المسلم يظل مسلمًا، والمسيحي مسيحيًا، واليهودي يهوديًا، سواء حاولت إظهار الدليل على صدق دعواك أم لم تحاول.. بل إن ما يؤكد أن قضية الإيمان تتصل بالقلب والتصديق والتسليم أساسًا هو أنه مهما أجهدت نفسك في إثبات بطلان الديانات الأخرى؛ فإن أصحابها يظلون على العقائد والأديان التي ينتمون إليها أصلًا».
أيقول هذا الكلام من يزعم المنطق ويخاطب العقل؟ هل يستغفل الذين يقرؤون أم ماذا؟ لماذا بعث الله محمدًا- صلى الله عليه وسلم- إلى العالمين إذا كان النصراني سيظل نصرانيًا، واليهودي سيبقى يهوديًا؟ وهل هذا يحدث فعلًا؟ من أين جاء هذا المليار من المسلمين؟ أما كان أجدادهم وأجداد أجدادهم نصارى وغير نصارى؟ لماذا أسلموا ولم يبقوا على أديانهم؟ وملايين المسلمين الغربيين في أوروبا وأمريكا اليوم ألم يكونوا نصارى ويهودًا؟ وملايين من الذين ولدوا من أبوين مسلمين هل ظلوا على إسلامهم حين اعتنقوا شيوعية ملحدة أو ماسونية مارقة أو علمانية كافرة؟!
أن الدكتور العمر يريد أن يقول لكم أيها الدعاة المسلمون: استريحوا، لا تدعوا الناس إلى الإسلام؛ لأن صاحب كل عقيدة سيبقى متمسكًا بعقيدته، ولن يؤمن بالإسلام الذي تدعون إليه، ويريد منكم أن تصدقوه، وتكذبوا واقع الحياة.
ألا تخدم هذه الدعوة المنصرين؟ وتريحهم من الدعاة المسلمين في أفريقيا وآسيا وأوروبا؟ وهم يشكون من نشاطهم فعلًا!
أليس من حقنا بعد هذا، أن نقول: إن كلام الدكتور العمر يثير فينا الشك والريبة، ويبعث فينا التساؤل: من يخدم بكلامه هذا؟
وبعد، فإن التهافت ظاهر في أسلوب الدكتور العمر، وواضح أنه يضع النتيجة قبل المقدمات، يحاول أن يؤكد نتيجة باطلة بمقدمات باطلة.
ولا ندري كيف طاوعه ضميره بأن يغمض عينه عما فعله ويفعله الإيمان في الناس؟ كيف جعل عرب الجاهلية هداة للعالمين، ينشرون العلم والمعرفة مع الهداية والتوحيد، ويعلمون العالم أجمع ما يجهلونه وما أكثر ما كانوا يجهلونه!
كيف يغمض عينه عما يفعله الإيمان اليوم في الشباب الملتزم؟ كيف يهذب أخلاقهم، ويرقق نفوسهم، ويقوي عزائمهم؟
هل سمع عن شباب ملتزم هجر الجامعة والتعلم فيها، وانزوى في الصحراء، أو لجأ إلى الجبل، معتزلًا الناس.. هاجرًا العلم والتعلم؟ أي افتراء على الإيمان هذا؟ وأي اجتراء على الإسلام ذاك؟
دعوة من القلب صادقة إلى الدكتور عبد الله العمر، بأن يراجع نفسه، ويتقي ربه، فالدنيا ماضية، والله سائله عن كل كلمة يكتبها، ومحاسبه عليها، فلينظر في ما يكتب.. وليذكر أن الله تعالى مطلع عليه.
وتبقى كلمة إلى الزميلة «القبس» التي نأمل منها نشر الكتابات الجادة الرصينة، وهل يرى الإخوة المسؤولون عن التحرير فيها، أن كلام الدكتور العمر من تلك الكتابات الجادة الرصينة؟!