العنوان الثنائية الإنسانية وأركان الإسلام الخمسة عند بيجوفيتش
الكاتب عبد الوهاب المسيري
تاريخ النشر السبت 12-أغسطس-2006
مشاهدات 56
نشر في العدد 1714
نشر في الصفحة 46
السبت 12-أغسطس-2006
يذهب علي عزت بيجوفيتش إلى أن تركيبة الإنسان مرتبطة تمام الارتباط بثنائية الإنسان والطبيعة، أي باختلاف الواحد عن الآخر رغم تفاعلهما. هذه الثنائية هي نقطة انطلاقه والركيزة الأساسية لنظامه الفلسفي ومن خلالها يقدم الإسلام للغرب. د. عبد الوهاب المسيري كل حل اجتماعي لم يتضمن حلا أخلاقيًا مصيره الإخفاق في تحقيق العدالة. لا يمكن فهم الحج إلا في إطار نموذج مركب فهو شعيرة دينية وتجمع سياسي. فالإسلام ينطلق من ثنائية الخالق والمخلوق، والإنسان والمادة والثنائية- على عكس الواحدية- تتفق مع إنسانية الإنسان، فهي مصدر تركيبته وهي التي تفصله عن عالم الطبيعة والمادة ثم يبين بيجوفيتش أن الرؤية الإسلامية للكون تنطلق من هذه الثنائية التي تتبدى في كل جوانب الإسلام بما في ذلك أركانه الخمسة.
ويرى علي عزت بيجوفيتش أن من المستحيل تطبيق الإسلام انطلاقًا من مستوى واحدي فثنائية المادي والروحي تقع في صميمه، فالصلاة- وهي نشاط روحي- لا يمكن أداؤها أداء صحيحًا إلا من خلال إجراءات علمية بضبط الوقت والاتجاه في المكان، فالمسلمون مع انتشارهم على سطح الكرة الأرضية عليهم أن يتوجهوا جميعًا في الصلاة نحو الكعبة مكيفين أوضاعهم في المكان على اختلاف مواقعهم.
وتحديد مواقيت الصلاة تحكمه حقائق علم الفلك. ولابد من تحديد هذه المواقيت للصلوات الخمس تحديدًا دقيقًا خلال أيام السنة كلها، ويقتضي هذا تحديد موقع الأرض في مدارها الفلكي حول الشمس ولا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة للزكاة التي تحتاج إلى إحصاء ودليل وحساب والحج الذي يتطلب الإلمام بكثير من الحقائق التي يتطلبها المسافر إلى مسافات بعيدة.
ولعله بسبب هذه الثنائية تطورت جميع الميادين العلمية في القرن الأول الإسلامي: إذ إنها بدأت بمحاولات إقامة الفرائض الإسلامية الشهادتان التزام قانوني وأخلاقي وتتبدى الثنائية في أهم فعل إسلامي وهو النطق بالشهادتين، الذي يعلن به الشخص اعتناقه للإسلام، فالنطق لابد أن يكون أمام الشهود: لأن الشخص الذي يعتنق الإسلام- رجلًا كان أو امرأة- ينضم إلى جماعة لها جوانبها الاجتماعية والاقتصادية، وهو الأمر الذي تترتب عليه التزامات قانونية وليس فقط التزامات أخلاقية، فعندما يلحق الإنسان بدين روحي مجرد لا يستلزم ذلك وجود شهود ولا يتطلب الإعلان حيث إن هذه علاقة بين الإنسان وربه، فمجرد عقد النية أو اتخاذ قرار باطني كاف تمامًا بهذا الخصوص. ولكن الإسلام ليس دينا مجردًا ولذا يصبح الشهود ويصبح الإعلان أمرًا لازمًا. الرمز والعقل في الوضوء وتتبدى الثنائية في الوضوء فالصوفيون باتجاههم الروحي يأخذونه على أنه عسل ديني ذو طابع رمزي أما العقلاني فيؤكد جانبه الوظيفي العملي المادي، حيث ينظر إليه باعتباره مسألة نظافة.. وكلا النظرين صحيح، ولكن صحة جزئية. وقصور التفسير الصوفي يكمن في أنه أهمل جانب الطهارة المادية في الوضوء فاستحال إلى شكل مجرد... أما العقلانيون فقد سلكوا الطريق المضاد فأهملوا الجانب الروحي في الإسلام، وبذلك هبطوا به إلى إظهاره وكأنه مجرد حركة سياسية مجردة من جوهرها الديني الأخلاقي ثنائية الصلاة والصلاة هي الأخرى تبد للثنائية الإسلامية. ويشير بيجوفيتش (إلى سورة البقرة الآية١٧٧) ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ التي تؤكد الجانب الروحي.. هذا حقيقي ولكن الصلاة في الإسلام تشمل أيضًا العناصر المادية (الطبيعية). ومن هذه الناحية تنتمي الصلاة إلى عالمنا الذي يحدده الزمان والمكان، هذا الجانب من الصلاة سمه إن شئت الجانب الدنيوي أو العلمي أو الطبيعي، يزكي بقوة صفة أخرى هي الصفة الاجتماعية. فالصلاة ليست مجرد اجتماع الناس الأداء الصلاة في جماعة، ولكنها أيضاً مناسبة لتنمية العلاقات الشخصية المباشرة، وبهذا الاعتبار تكون الصلاة ضد الفردية والسلبية والانعزال. فإذا كانت الحياة تفرق الناس فإن المسجد يجمعهم ويربط بينهم. ثم يبين بيجوفيتش أن هذا الاتجاه الاجتماعي في الصلاة يتبدى بشكل واضح في صلاة الجمعة.. فهي تكاد تكون صلاة حضرية سياسية تقام في الإجازة الأسبوعية في مسجد مركزي جامع يحضره بعض رجال الدولة، وخطبة الجمعة قبل الصلاة جزء لا يتجزأ من الصلاة وهي بصفة أساسية رسالة سياسية. وقد يقول المسيحيون إن هذا يتعارض مع مفهوم الصلاة، وهو استنتاج يتفق والطريقة المسيحية في التفكير، ولكنه استنتاج غير صائب فيما يتعلق بوجهة نظر الإسلام وفي الزكاة ثنائية ثم ينتقل إلى الزكاة ليكتشف النمط نفسه فيشير إلى أن الزكاة في المرحلة المكية كانت تمنح للفقراء على سبيل التطوع (صدقات). ولكن عندما تأسس مجتمع المدينة. وهي اللحظة التاريخية التي تحولت فيها الجماعة الروحية إلى دولة بدأ محمد يطرح الزكاة باعتبارها التزامًا قانونيًا ( فريضة شرعية) أي ضريبة يدفعها الأغنياء للفقراء. وهي- على حد علمنا- أول ضريبة من نوعها في التاريخ كان الإسلام قد أنشأ الزكاة عندما أضاف عنصر الإلزام القانوني إلى المؤسسة المسيحية للصدقة. واستخدام بيجوفيتش النموذج المركب يمكنه من ربط الصلاة بالزكاة، حيث يشير إلى أن المنطق الذي حول الصلاة التأملية المجردة إلى صلاة إسلامية، هو نفسه الذي جعل من الصدقة التطوعية زكاة واجبة والنتيجة النهائية أنه حول الدين الروحي المجرد إلى إسلام أي إلى دين ودنيا. بإعلان الزكاة بدأ الإسلام يتخذ وضع الحركة الاجتماعية، فلم يعد يعمل كدين مجرد وحسب، وقد أخذت الزكاة ثقلها الحقيقي بتشكيل المجتمع السياسي للمدينة، والدليل على هذه الخاصية للزكاة أنها ذكرت في القرآن ثماني مرات فقط في السور المكية، في حين ذكرت في السور المدنية ٢٢ مرة. ولكن هل الزكاة مجرد ضريبة برانية لمساعدة الفقراء، مثل الضرائب التي تفرضها الدولة العلمانية الحديثة؟ يجيب بيجوفيتش عن هذا السؤال بالنفي. فالزكاة تحوي العنصرين: البراني والجواني المادي والروحي، فالفقر ليس قضية اجتماعية بحتة، فسببه ليس في العوز فقط، وإنما أيضًا في الشر الذي تنطوي عليه النفوس البشرية فالحرمان هو الجانب الخارجي للفقر، أما جانبه الباطني فهو الإثم أو الجشع، وإلا فكيف نفسر وجود الفقر في المجتمعات الثرية ولذا لا يُعالج الفقر بنقل ملكية بعض السلع، وإنما أيضًا من خلال التضامن الشخصي والقصد والشعور الودي، فلا شيء يمكن إنجازه على الوجه الصحيح بمجرد تغيير ملكية سلع العالم طالما بقيت في النفوس الكراهية والاستغلال والاستعباد. وهذا هو السبب في إخفاق الثورات الدينية المسيحية والثورات الاشتراكية جميعًا لأن نصيب كل حل اجتماعي لم يتضمن حلًا إنسانيًا، هو الإخفاق في تحقيق أحلامه في العدالة والحرية. الوقف ثورة هادئة ثم يشير إلى ظاهرة فريدة في العالم الإسلامي، وهي ظاهرة الأوقاف التي يصفها بأنها ثورة هادئة حدثت نتيجة إصرار التعاليم الإسلامية على العطاء... فلا تكاد توجد دولة إسلامية واحدة ليست فيها ممتلكات كبيرة مخصصة للأوقاف وخدمة الخير العام. ولم يُذكر الوقف في القرآن، ولكنه لم يظهر في المجتمعات الإسلامية بمحض الصدفة، إنما كان ظهوره نتيجة لسيادة روح التضامن والتأثير وظيفة الزكاة التعليمي في المجتمعات المسلمة. ثم يعود بيجوفيتش مرة أخرى إلى اللحظة الفارقة والدور الميتافيزيقي الذي حول الإنسان إلى أن يكون إنسانًا بحق... فالوقف يعتبر مناقضًا لما يطلقون عليه القوانين الطبيعية للاقتصاد.. إنه شذوذ من وجهة نظر الاقتصاد السياسي، ولكنه من حيث ثنائيته كنوع من الاقتصاد ذي بواعث إنسانية روحية ممارسة إسلامية صحيحة. تكاملية الصلاة والزكاة ولا يكتفي بيجوفيتش بالنظر إلى الصلاة والزكاة- أبرز الممارسات الإسلامية من الداخل وحسب، وإنما ينظر إليها أيضاً من الخارج حيث يرى أنهما يشكلان ثنائية تكاملية. فالصلاة عنصر روحي والزكاة عنصر اجتماعي.. الصلاة موجهة للإنسان والزكاة موجهة للعالم.. الصلاة صفة شخصية وفي الزكاة صفة اجتماعية.. الصلاة أداة للتنشئة والزكاة جزء من النظام الاجتماعي. الصوم عبادة والتزام سنجد الثنائية نفسها في الصوم... فقد اعتبر المسلمون الصوم خلال شهر رمضان مظهرًا لروح الجماعة، ولذلك فإنهم حساسون لأي انتهاك علني لهذا الواجب، فالصيام ليس مجرد مسألة إيمان.. ليس مجرد مسألة شخصية تخص الفرد وحده، وإنما هو التزام اجتماعي هذا التفسير للصيام كشعيرة دينية غير مفهوم عند الأديان الأخرى. إن الصيام الإسلامي وحدة تجمع بين التنسك والسعادة، بل والمتعة كذلك في حالات معينة.. إنه أكثر الوسائل التعليمية طبيعية وقوة، فالصوم يمارس في قصور الملوك وفي أكواخ الفلاحين على السواء... الحج شعيرة وتجمع ثم يأتي بيجوفيتش إلى الركن الخامس من أركان الإسلام، وهو الحج إلى بيت الله الحرام حيث يذهب إلى أنه لا يمكن فهمه إلا في إطار نموذج مركب، فهو شعيرة دينية وتجربة روحية، ولكنه أيضًا تجمع سياسي، ومعرض تجاري، ومؤتمر عام للأمة.