; تحت ضوء الإسلام: تحفظات على كتابات الغربيين | مجلة المجتمع

العنوان تحت ضوء الإسلام: تحفظات على كتابات الغربيين

الكاتب الأستاذ أنور الجندي

تاريخ النشر الثلاثاء 17-مارس-1987

مشاهدات 72

نشر في العدد 809

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 17-مارس-1987

إن القضية بيننا وبين الغرب يجب أن تبدأ من عام 570 ميلادية، وهو العام الذي ولد فيه محمد -صلى الله عليه وسلم- في مكة المكرمة، والمسمى بعام الفيل؛ حيث يبدأ بعده بأربعين عامًا تلقي البشرية لهذا الفيض من العطاء الرباني الفكري والروحي الذي كانت البشرية فعلًا قد أصبحت أهلًا لاستقباله وتلقيه بوصفه الرسالة الخاتمة: رسالة السماء الجامعة إلى الأرض، إلى كل بني الإنسان في مشارق الأرض ومغاربها، ومنذ ذلك اليوم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وبعد أكثر من ستة قرون على رسالة عيسى- عليه السلام- ختام رسالات السماء إلى بني إسرائيل، والتي أعلن فيها عيسى- عليه السلام-  أنه لا ينتقص الناموس، ولكن يخفف من أحكامه من ناحية: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (سورة الصف: 6) وقد أثبت القرآن الكريم -وهو النص الموثق الرباني الوحيد الباقي على الأرض، والذي لم يصبه أي تحريف- أن «محمدًا» -صلى الله عليه وسلم- قادم، وأن على الأمم أن تؤمن به، وأن الكتابين الأخيرين للبشرية قبل القرآن: «التوراة، والإنجيل» قد أثبتا ذلك وصدقه القرآن.

﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ﴾ (سورة الأعراف: 157).

     نتوقف طويلًا عند هذه الفترة من تاريخ البشرية نهاية العام السادس الميلادي وأوائل العام السابع، فماذا نجد من تراث عند أهل الكتاب وعند الغرب مما يمكن أن يوصف بأنه روائع التراث، أو ما يمكن أن يكون هاديًا للإنسان في حياته إلا قليلًا من خيوط دقيقة من بقايا الأديان المنزلة -ودين إبراهيم -عليه السلام-  بالذات- قد اختلطت مع ذلك الركام الضخم الواسع الكبير من وثنيات اليونان، وفارس، والروم، ومن مفاهيم تقوم على الأساطير، وستجد فيها تصور الله تبارك وتعالى، ومن استغراق على الشهوات والملذات، أو انحراف عن جميع متطلبات الحياة، وفيما كانت الأديان السماوية تنزل كان الناس يسارعون إلى الشرك والكفر والإلحاد والإباحيات دهورًا طويلة، وجد فيها أنبياء الله -تبارك وتعالى- ورسله من الناس عنتًا شديدًا، ولولا حماية الله لهم لأخذهم المترفون والمفسدون.

      وقد ظل هذا التراث الذي أخذ ثوب الفلسفات سواء في اليونان على طابعه في عبادة الأجساد، وإقامة مهرجانات الخمر والرقص، وتوزيع الآلهة على مرافق الحياة أو سواء في المشرق في الفلسفة الغنوصية المنطوية على نفسها.

     ولما عبرت المسيحية إلى أوروبا في محاولة لإخراج الناس من الوثنية والإباحية إلى الرحمة والإحسان- لم تستطع إلا أن انصهرت في الفلسفات والأديان القديمة، وتخلت عن وجودها الرباني الحقيقي فتورمت المسيحية ولم تتمسح روما.

     وكذلك استطاعت هذه الفلسفات أن تسيطر على الفكر اليهودي والفكر المسيحي فتقطع تلك الحلقات المتصلة التي كانت ترمي إلى أن تجعل دين التبعية الإبراهيمية يكتمل في الرسالة الخاتمة.

     ووجه الإسلام -منذ اليوم الأول- بحملة ظالمة وحرب عنيفة، وكان الخوف من انتشاره ومازال يؤرق رؤساء الأديان؛ فتركز الهجوم أساسًا على القرآن الكريم بعد ترجمته، وذلك بإنشاء تلك الأبحاث التي حمل لواءها عتاة من المبشرين المسيحيين والكهنة، يلبسون لباس علماء الاستشراق، ويتنقلون بين الجامعات في بلاد الإسلام، ويقتنصون فرائسهم ليتعلموا في الغرب ليكونوا بدائل لهم من شباب الإسلام، وتجمعت أبحاث الاستشراق المسمومة كلها في كيان واحد هو (دائرة المعارف الإسلامية) التي أدخلت إلى الإسلام كل الفرق الخارجة عليه وكل المذاهب المحاربة له، وقدمته من خلال مفاهيم التوراة والإنجيل، مع أن الإسلام جاء وقدم القرآن ليصحح أخطاء أهل الكتاب في عشرات من المفاهيم: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ (النحل: 64)،  ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (النمل: 76).

     والحقيقة الواضحة التي لا تحتاج إلى جدال كبير أن أوروبا والغرب وأهل الكتاب لم يكونوا يملكون عام (570 وما بعدها) أي تراث صحيح يمكن أن يوصف بأنه تراث علمي، وأن الكتابين (التوراة) و(الإنجيل) -حسبما تواترت الأبحاث حتى الآن- لم يكونا نصين موثقين، ولم يكونا أساسًا كتابي السماء، وإنما من كتابة الحواريين، وأنهما قد أضيف إليهما وحذف منهما الشيء الكثير.

     فلم يكن الغرب يملك في هذه الفترة أي منهج أصيل لمفهوم الألوهية أو الغيب أو النبوة أو الوحي أو مسؤولية الإنسان والتزامه الاخلاقي إلا شذرات صغيرة، وقد فوجئ الغرب بهذا الفيض الضخم الواسع الذي قدمه القرآن للبشرية في هذه المجالات على نحو علمي رصين لم تستطع الأبحاث العلمية التجريبية الحديثة أن تخترقه أو تعارضه، بل على العكس من ذلك ما تزال كل يوم تكشف فيه شيئًا جديدًا سواء في مجال الأفلاك والكواكب، أو مجال خلق الإنسان في الرحم، أو في مجال التكوين الإنساني البيولوجي أو العقلي.

     كذلك فإن الغرب حين فتحت أمامه أبواب العلم، واستعلى به، وظن أنه يستطيع أن يكشف ما وراء الظواهر عجز وتراجع، وحتى  في التطرقات التي حاول أن يقدمها تبين له فشله وعجزه؛ لأنه تخلى عن المنطق الحقيقي، وهو أن الله -تبارك وتعالى- هو الصانع المبدع، ومن هنا فإن إحلاله كلمة الطبيعة بدلًا من كلمة الله أعجزته من الوصول إلى شيء ذي بال، وكانت نظرية دارون أولى هذه النظريات التي هللت لها قوى معينة لتندفع بها في مخططها لهدم البشرية، وقد ثبت بمرور الأيام فشلها، وكان دارون نفسه قد أعلن أن هناك (حلقة مفقودة) لم يصل إليها، ولكن القوى المدمرة، نقلت النظرية من مجال البيولوجيا إلى مجال الأطماع، وحاولت أن تصنع منها نظرية التطور المطلق للقضاء على الدين ولتشويه مفاهيم العلاقات بين الإنسان والخالق جل وعلا.

     وفي مجال علم النفس فشل فرويد في دعواه بإعلاء الجنس، وكذبته المجامع التي عقدت وحضرها العلماء؛ لأنهم رأوا أنه يجري وراء هوى البروتوكولات التي ترمي إلى تدمير الجوييم، وخالفه إدلر ويونج، ولكن أصحابه رفعوا شأنه، ووضعوه فوق الرقاب، وفرضوا منهجه في الجامعات.

     وفشلت نظرية السلالات (الرسوس)، وتبين أنها نظرية باطلة، وأن عملية الجماجم والألوان لا دخل لها في مسألة التفوق، وكان الهدف من ورائها هو محاولة إعلام شعب بعينه.

     وعجزت نظرية الاشتراكية الماركسية عن العطاء، ولم تحقق شيئًا في بلاد اعتنقنها منذ خمسين عامًا وتبين فسادها.

     وتكشف أن الغرب في مختلف نظرياته يعتمد على الظن والهوى، وعلى التفسير المادي وحده، وأنه يقصر تمامًا في تقدير تشكيل الإنسان الجامع لقبضته الطين ونفخه الروح.

     لقد كان الغرب فقيرًا في التراث؛ فلم يكن عنده شيء من تراث الإنسانية القادر على العطاء وعندما انحرفت المسيحية، واختلف الغرب مع الكنيسة وعلماء الدين- اتجهوا إلى دين البشرية وإلى الفكر البشري، واعتمدوا كثيرًا على فكر طفولة البشرية وإحياء المجتمعات القبلية القديمة، واحتضنوا أساطيرها البدائية، وحاولوا وضعها في صورة عصرية، فجعلها فرويد قاعدة علم النفس الذي أقامه بأحقاد اليهود نحو الإنسانية، وبعلاج مائة مريض ليس بينهم سوى واحد، وجعلها دوركايم فطرية الجريمة، وعدم فطرية الأسرة، وكان واضحًا أن الغرب لا يريد فكر الأصالة والإنسانية على النحو الرباني الذي قدمه القرآن الكريم والإسلام بل كانوا يوصون أبناءهم الذين ذهبوا إلى الأندلس بألا يتعلموا دين المسلمين، وكان الفكر الإسلامي عند المسلمين جزءًا من الدين، فليس هناك فكر لاهوتي مستقل، وقد أخذوا المنهج التجريبي عن المسلمين، وأنكروا نسبته إليهم، وادعى فرنسيس بيكون أنه من نتاجه الخاص لولا أن كشفت ذلك الأبحاث في الأخير عن اعتماده على الرسالة للشافعي.

     ومن التراث أخذوا عشرات القوانين والنظم، وحجبوا التراث في بلادهم عن المسلمين، ولم يسمحوا ألا يتسرب تراث الفكر الباطني والوثني وكتب الحلول والإلحاد، وقدموا للمسلمين أرسطو من جديد، بينما كان المسلمون في العصر العباسي هم الذين كشفوا فساد فهم أرسطو، وأقاموا بدلًا من منهجهم التجريبي.

     نعم: لم يكن للغرب في عام 570 أي تراث حقيقي يمكن أن يصلح مصدرًا لبناء النهضة التي نهضها الغرب، ولذلك فقد بقي بعد ذلك ألف سنة كاملة حتى استطاع أن يحصل على المنهج التجريبي الإسلامي، ويتخلص من الرهبانية التي كبلته، هذه هي القرون المظلمة التي أضاء فيها الإسلام العالم، ولقد كانت النهضة -كما أثبت العلماء والباحثون- من مصدر الأندلس وحده، وليس من إيطاليا كما يدعون، والأندلس هي جامعات المسلمين التي حملت لواء العلم الإسلامي، وصبته في قلب أوروبا، ثم كان أن أخرج الغربيون المسلمين من الأندلس ثمنًا لهذه الهدية القيمة.

     وحضارة الفرس وحضارة الهند تحمل العبودية التي دافع عنها أرسطو وأفلاطون، وتحمل التعدد في الآلهة، رفع الإسلام هذه العبودية البشرية، كما رفع عبودية الوجدان بتحطيم الوثنية.

     وأزعج ذلك الغرب (ملوكًا وكهنة)، ولكن الإسلام استطاع -في أقل من قرن من الزمان- أن يفرد جناحيه بين حدود الصين ونهر اللوار، ودعت أوروبا إلى خروج الإسلام من قارتهم، فخرج ولكنه عاد فاقتحمها من البلقان، وترك بصماته في كل مكان ذهب إليه.

     وكانت فكرة التوحيد هي الضوء الكاشف، وكان القرآن الكريم هو الخطر الأكبر الذي عملت أوروبا على مواجهته.

الرابط المختصر :