العنوان إلى من يهمه الأمر.. لماذا نحن غارقون في الأزمات؟!
الكاتب د. إسماعيل الشطي
تاريخ النشر الثلاثاء 07-يناير-1986
مشاهدات 62
نشر في العدد 749
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 07-يناير-1986
لم يستطع المجلس حتى هذه اللحظة أن يسترجع أنفاسه.. ولم يستطع الناس أن يبتلعوا ريقهم.. فالأزمات تتكالب علينا من كل ناحية.
أزمة مالية تقدر بمليارات ضخمة شغلتنا زهاء ثلاث سنوات.. وامتصت من أموال الشعب ما يقارب ثلاث مليارات.. واستنزفت جهد الإخصائيين والمشرعين لتلد ثلاثة قوانين.. وحتى اليوم ما زال الناس ومجالسهم وسلطاتهم يدورون في رحى الأزمة.. وتهددنا كل يوم باستنزاف المزيد من المال.
أزمة تربوية تتمثل بعجز البنية التعليمية عن ملاحقة حاجات المجتمع الأساسية من القوى العاملة وعن قدرتها على تلبية متطلبات خطط التنمية.. أزمة شرخت صف المعارضة السياسية.. ودخلت بيت كل مواطن كويتي وبثت في أرجائه القلق على مستقبل تعليم الأبناء والتخوف من الحرمان من استكمال التعليم العالي.. أزمة أوجست في الأنفس خيفة على عقيدة الأمة وقيم الإسلام ومبادئه.. وما زالت تتفاقم وتستنزف نقاشات المجلس وحواراته.. وتشغل المجالس والديوانيات.
أزمة أمنية تعكس قلق شاطئنا مما يتفجر في الشاطئ الآخر.. وترسم الحذر في أعيننا التي لا غنى لها عن رعاية الله.. وتشغل الناس حول التركيبة السكانية الفسيفسائية وتثير النقاش حول قدرة الجهاز الأمني على حفظ أمن البلاد.. وما زالت هذه الأزمة تعصر المجلس بعد كل حادث مروع.. وما زالت الأنفس متأثرة بفاجعة الاعتداء على كبير الأسرة وقائدها وفاجعة الاعتداء على حياة الأبرياء بالانفجارات.
أزمة إسكانية يمثلها طابور طويل من طلبات الإسكان لم تستطع الحكومة تلبيتها منذ أن تدفق النفط من تحت أقدامنا، وتمثلها الشكاوى المستمرة والمستديمة مما تقدمه الحكومة من خدمات إسكانية غير ملائمة، ومن فضائح تنفيذ المشاريع الإسكانية.. أزمة تعكس الحيرة حول مفارقة الوفرة المالية التي تعيشها الكويت والندرة الإسكانية التي يواجهها المواطن.
أزمة سكانية ضاع فيها التوازن السكاني.. واختل منها الجهاز الإداري الحكومي حتى بلغ من التضخم ما لا يصدق وصفه.. أزمة تشعلها قوانين التجنيس وتلهبها ضغوط الدول الشقيقة والصديقة والالتزامات القومية، وتصعد نيرانها مصالح المقاولين وأصحاب الشركات والعمارات.. حتى أصبح الخوف على قيم هذا المجتمع وتقاليده من الفسيفساء الوافد موضع خطر كبير.
وأزمة إدارية يمثلها الحديث المستمر عن الفساد الإداري، وعن تجاوز القوانين واللوائح.. والتلاعب بالمال العام وكثرة الاختلاسات.. وتضج بمشاكل الواسطة والمحسوبية والشللية ومشاكل تدني الأداء وسوء التقييم وتداخل السلطات وعدم الاكتراث بمسؤولية القرار.
وأزمة سياسية تعصر نفوسنا وتصفعنا من كل جانب.. حرب خليجية تستنزف دماء وأموال الشعوب المسلمة، وتآمر على القضية الفلسطينية من كل أطرافها المتداخلة.. ونزيف في لبنان لم يتوقف منذ عشر سنوات، وعربدة يهودية- غربية تمرغ- كل يوم- كرامتنا في الطين وتدوس على كبريائنا بحذائها.. وإهانات لأمتنا من كل صوب وحدب.
أزمات من كل جانب.. حتى الرياضة لم تخل من أزمة.. وكل أزمة من هذه الأزمات لا بد أن يقول الشعب كلمته فيها فمتى يتنفس؟ ومتى يسترجع أنفاسه ويبلع ريقه؟!
ومتى يستطيع أن يتفرغ المجلس للحلول إذا كان منشغلًا بتحليل ومناقشة هذه الأزمات؟! بل متى يتفرغ لمناقشة قضايا الحريات والحقوق العامة؟!
ومتى نستطيع أن نبتسم للأمور ونتعامل مع الأزمات بتفاؤل واستبشار؟! لماذا يراد لنا أن نعيش في كدر وقلق وحيرة واضطراب؟!
لماذا نعيش هذه الأزمات؟! ولماذا نحن غارقون فيها؟ وبالذات الأزمات المحلية؟! لدينا المال.. وهو أحد العوامل الأساسية في حلول المشاكل.. ولدينا خبراء ورجال مختصون وعقول راجحة.. لم يبق إلا الإخلاص والقرار السياسي، فهل يكون؟! والله الموفق.
▪ إنها تذكرة
رفع كثير من النواب شعار تطبيق الشريعة الإسلامية وجعلوه مبررهم الأساسي في خوض الانتخابات ودخول مجلس الأمة.. واعتمدوا على ثلاث ركائز أساسية لتحقيق هذا الشعار:
الأولى: تعديل المادة الثانية من الدستور بحيث تصبح الشريعة الإسلامية مصدر التشريع بدلًا من أن تكون أحد المصادر الرئيسية للتشريع.
الثانية: تنقية القوانين المعمول بها من المواد المخالفة للشريعة الإسلامية أو إضافة ما تحتاجه من مواد تستوفي بها أحكام الإسلام في القانون المعني.
الثالثة: تقديم مشاريع بقوانين مستمدة من الشريعة الإسلامية وكفيلة بصبغ الحياة في المجتمع الكويتي بالصبغة الإسلامية.
ورغم أن هذا الشعار هو الراية التي دخل بها النواب في المجلس السابق إلا أن العمل على تحقيقه انحصر في الركيزة الأولى وهي التي تمثلت بتوصية رفعها ٤٦ نائبًا في المجلس السابق وطالبوا فيها بتعديل المادة الثانية.. ولم يظهر نشاط فعال من أجل تحقيق هذا الشعار بعد تلك التوصية.. أما الركيزتان الأخريان فكان العمل على منوالها ضئيلًا جدًّا.
ولو رجعنا إلى نشاط النواب في تقديم المشاريع التي من شأنها صبغ المجتمع الكويتي بالصبغة الإسلامية لوجدنا أنها نادرة جدًّا.. كما لو أننا رجعنا إلى القوانين التي حظيت بمراجعة وتنقية من المواد المخالفة للشريعة الإسلامية لوجدنا أنها لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة.
وحتى الأسلوب الذي اتبعه النواب في تعديل المادة الثانية لم يخرج عن التوصية وليس هذا هو الأسلوب الذي يتبع في تعديل مواد الدستور.
والذي يدفعني للكتابة حول هذا الموضوع هو ملاحظتي لغياب هذه القضية عن نشاط نواب المجلس الحالي.. فإذا كنا نلتمس العذر للنواب في المجلس السابق لانشغالهم بتركة القوانين التي خلفتها مرحلة تعطيل الحياة النيابية فليس لنواب هذا المجلس عذر واضح..
وإذا كان تعديل المادة الثانية دخل في نطاق الأمور الصعبة فما هو عذر النواب في الاعتماد على الركيزتين الأخريين لتطبيق الشريعة وهما مجال سهل وموضع ترحيب وتعاون من السلطات وبقية الفئات السياسية الأخرى.. أتمنى أن يتذكر الإخوة النواب الذين تحمسوا لتطبيق الشريعة أبان الحملات الانتخابية وعودهم لنا وليبدأوا بتنفيذ ما وعدوا به، إنها تذكرة ﴿فَإِنَّ ٱلذِّكۡرَىٰ تَنفَعُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ (الذاريات: 55)، والله الموفق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل