العنوان الهجمة الاستعمارية على الخليج العربي.. من أين؟ وإلى أين؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 12-فبراير-1980
مشاهدات 91
نشر في العدد 469
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 12-فبراير-1980
هل يهجم الغرب على الخليج خوفًا على مصالحه من الإسلام؟
السوفيات: لماذا نفط العرب للغرب فقط؟
لعلك أخي القارئ لم تنس بعد تعليقات «المجتمع» على الكيد الاستعماري المتشعب الذي وجه سهام تكتيكاته لوضع منطقتنا الغنية بمقدراتها ضمن خرائط الاستراتيجية المصلحية.
ولعلك تذكر ما كتبناه من مقالات بهدف كشف النوايا الاستعمارية الخبيثة التي- يبدو أنها- أعدت العدة لوضع المنطقة- تطبيقيًا- تحت قانون الاقتسام ونحن نود لو ذكرنا كل مخلص لأرضه وأمته ببعض ما قدمناه من عنوانات، وتلك هي بعضها:
•الخليج في معترك الصراع الدولي.
•الاستراتيجية الأمريكية في الخليج العربي.
•مسألة أمن الخليج والإعلام الدولي.
•أمن الخليج ونظرية الأمن الإسرائيلية.
•خارطة التوازن الدولي.. هل ستؤدي إلى متغيرات جديدة؟
ولعلي لن آخذ الكثير من وقتك يا أخي- القارئ لو دعوتك إلى تلمس هذه العنوانات- من خلال ما كتب أدناه.. ولو أنك عدت إلى ما قبل عام ونيف، وقرأت في عددنا (٤٢٩). الصادر بتاريخ 23/۱/1979 مقالنا: «خارطة التوازن الدولي...» لأمكنك الآن تفسير ما أعلناه منذ زمن بعيد حول الهجمة الاستعمارية على الخليج العربي.
•فالروس الشيوعيون يقولون: «لماذا النفط العربي للعالم الغربي وحده؟».
راجع المجتمع 15/۱/1980
•والأمريكان يقولون ما عبر عنه ذات يوم وزير الطاقة الأسبق شليسنجر: «ينبغي أن يكون ثمة بينة واضحة لا جدال فيها لدى الدول الأخرى في منطقة الخليج تشير إلى ثبات واستمرار الدعم والحضور الأمريكي هناك»
•والفرنسيون يقولون على لسان أحد رجال البحرية العسكرية:
«إننا نريد أن نتأكد من أنه لن تعمد أية قوة معادية أخرى إلى التلاعب بمصادر نفطنا»
و«أن فرنسا تلعب بين الأمريكيين والروس دور كلب حراسة صغير في منطقة المحيط الهندي وبحر العرب ويعض بقسوة».
•وزعماء بريطانيا مازالوا يرددون شعارات الإرث الإمبراطوري في كل من آسيا وأفريقيا والمياه الدافئة في الخليج العربي وحول هرمز وقواعدهم في مصيرة... و... و...
ونحن في تعليقنا هذا لا نريد رصد ما قاله هؤلاء بقدر ما نريد رسم خطوط لما يفعله ساسة الاستعمار في الشرق والغرب، وما يدبرونه من كيد لهذه البقعة المسلمة الغنية من الأرض.
الهجمة الشرسة بين الإسلام والنفط:
وإنك أخي القارئ لن تحتاج إلى مزيد من الوقت لتحديد الهدف الاستعماري من هجومه على منطقة الخليج، فهو هدف منحصر بشقين:
الأول هو الإسلام:
وضع التجمع البشري «المسلم» الذي توقد الشعوب والحركات الإسلامية على تحركه نحو الإسلام أعظم الآمال.. في قوقعة تحجم نشاطه المحلي والإسلامي والدولي الذي برز منذ أعوام وهو يأخذ أشكال العودة إلى أيديولوجية إسلامية مستقلة عن الاتجاهات الدولية- الأخرى، ولما كان الدرس «الإيراني الشعبي» خير واعظ للروس والأمريكان وغيرهما على حد سواء، فإن المستعمر على اختلاف أشكاله لا يريد للبشرية الإسلامية أن تقوى بعقيدتها.. وأن تعتز بإسلامها.. وأن تستقل- بحضاراتها وفكرها وسياستها، وإليك يا أخي القارئ شواهد ذلك:
•بر يزنسكي مستشار الرئيس الأمريكي للأمن القومي ضرب ضربة البيت الأبيض عندما قال في حواره الخطير مع صحيفة: «يو اس نيوز»: «أن الحركات الدينية الإسلامية بدأت تتخذ شكل التعصب والعنف، وعلى الولايات المتحدة أن تأخذ ذلك في اعتبارها» وقد ألمح بر يزنسكي للعمل على إيجاد تعاون بين الولايات المتحدة وأشكال أخرى من الحركات الدينية التي وصفها بأنها تؤمن بالحوار والتعاون والعمل المشترك.
•استفتاء صحفي «فرنسِ» حذر في الأسبوع الأول من العام الميلادي الجديد ۱۹۸۰ من الانبثاق الإسلامي في المنطقة الإسلامية وذكر أن ٦٢٪ من الشعب الفرنسي يرى أن اليقظة الإسلامية تشكل خطرًا على التوازن في العالم.
•تحذير رئيس المخابرات الإسرائيلية بتاريخ 5/۱/1980 والذي نقلته الشرق الأوسط السعودية قائلة:
«أن يهوشع شيجًا رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية أعرب لصحيفة «يديعوت أحرنوت» عن تخوفه من الانتفاضة الإسلامية الأخيرة وأثرها على التوازن الدولي في المنطقة.
ولك- أخي القارئ- أن تربط كل ذلك بما قاله مستشار الرئيس الأمريكي للأمن القومي لصحيفة «نيوز أند وورلد ريبورت الأمريكية»: «يمكن للدوامة الدينية في الشرق الأوسط أن تضر فعلًا بما ترتبه من ترتيبات تتعلق باستراتيجيتنا في المنطقة».
وفي هذا دليل واف على أن الهجمة الاستعمارية الجديدة على المنطقة تهدف فيما تهدف إلى:
١- الوقوف بالمرصاد لأي تحرك شعبي باتجاه ضرب المصالح الاستعمارية.
٢- الحفاظ على المنطقة بأسرها من رغبة النزوع الذاتي إلى الاستقلالية عن لعبة الأمم الكبرى ونفوذها.
٣- رصد الاتجاهات الإسلامية ومحاولة تحجيمها؛ لأنها هي الخطر على كل مصلحة استعمارية في المنطقة.
والثاني هو النفط:
ولا تخفى قيمة هذه المادة في حضارة الدول الكبرى بأسرها، كما أنه لا يخفى ثقل هذه المادة وكثافتها ونسبتها العالمية في الجزيرة والخليج العربي، وإذا كنا قد كشفنا تخوف الأطراف الاستعمارية من بزوغ النجم الإسلامي- الحركي في المنطقة... فإن أدلة الهدف النفطي من الهجمة الاستعمارية واضحة كل الوضوح، وهي لا تحتاج إلى المزيد من الأدلة:
•فالرئيس الأمريكي قال في خطابه الأخير:
«لابد للولايات المتحدة من الدفاع عن مصالحها في الخليج، لذا فإننا أنشأنا قوة خاصة للتدخل السريع وقت الضرورة».
•والرئيس السوفياتي ليونيد بر يجينيف يقول مخاطبًا العالم في جلسة الكرملين في أعقاب الغزو الروسي لأفغانستان:
«لماذا النفط العربي للعالم الغربي وحده؟».
•والفرنسيون أرسلوا مؤخرًا سبع قطع بحرية لتنضم إلى أساطيلهم في المحيط الهندي القريب من الخليج قائلين: «لابد لفرنسا من حماية الطرق التي تؤدي إلى وصول النفط إلينا».
•وبريطانيا تعلن على لسان وزير الدولة «دوغلاس هيرو»: أن الأسطول البريطاني مستعد للعودة إلى الخليج إذا طلب إلينا ذلك بصراحة، وأن وحدات منه ستصل قريبًا إلى الخليج للانضمام إلى مناورات مشتركة سيجريها سلاح البحرية الأمريكي والأسترالي». الأنباء الكويتية 27/١/1980.
ونحن أمام هذه التصريحات لابد لنا من التحذير أيضًا من الهجمة الشرسة التي تضع الأطراف الدولية الطامعة أسبابها وبياناتها وهي تخفي الهدف تحت شعارات متضاربة تعلن عن رغبتها في حماية الخليج أو ضد التحركات الأخرى المعادية.. وهذه هي العلة نفسها التي تعلل بها الروس الشيوعيون عندما زحفوا إلى أفغانستان الإسلامية.
الأطراف الدولية وخطوط الهجمة على الخليج:
الهجمة الاستعمارية على الخليج لم تخرج حتى الآن عن طابع التوازن الدولي الذي كرسه زعماء الدول الكبرى بعد الحرب العالمية الثانية ضمن سياسة الوفاق، وإذا كان الحدث الإيراني قد أضر بتلك الموازنة، فإن ذلك يعود إلى ناحيتين:
١- الأولى: غیاب شاه إيران كشرطي للخليج، يعمل على تحقيق المصالح الغربية في المنطقة دون أن تكلف تلك الدول نفسها بوطئة القيام بدور عسكري قد يضر بمصالحها مباشرة.
۲- خروج الشعب الإيراني على الطاعة للغرب، ومحاولته الانسلاخ من كل ما هو غربي على كافة المستويات «الاقتصاد- الثقافة- الولاء- السياسي» وهذا يعني أن الحدث الإيراني جعل الأطراف الدولية لرصد حساباتها في منطقة الخليج من جديد.
وهنا نوجه سؤالا إلى ساسة المنطقة:
•هل كانت اتفاقية «سالت ۲» تحمل في طياتها قسمة جديدة أو تكتيكًا جديدًا لاستراتيجية استعمارية تتوازي والمتغيرات بعد الحدث الإيراني؟؟
إن المعلق الاستراتيجي الأمريكي جيم هوغلاند كشف في شهر يوليو الماضي حقيقة الاتفاق بما نقله عن مسؤولین أمريکيین بقوله: «أن السوفيات أبلغوا واشنطن مؤخرًا بنيتهم المحافظة على وجود سوفياتي في المحيط الهندي مساو للوجود الأمريكي فيه مهما تزايد».
وهذا القول يشير بوضوح إلى رسم موازين التعادل بين العملاقين حول الخليج العربي ضمن سياسة الوفاق، ولعل «سالت ۲» هي التي أهلت الروس لدخول أفغانستان، وأعدت الأمريكان لعمل آخر في منطقة إسلامية- أخرى قد يكشف النقاب عنه قريبًا، وهذا يقودنا إلى محاولة كشف خطوط الهجمة على الخليج وذلك كما يلي:
1- الحشود العسكرية البحرية.
٢- التمركز في قواعد وموانئ جديدة في المنطقة.
٣- محاولة ربط الأنظمة في المنطقة بأحلاف معروفة الأهداف سلفًا.
وإذا كنا نرفض من حيث المبدأ أن هذه الاستعدادات ذات الخطوط الاستعمارية هي من أجل المنطقة ولحمايتها، فإننا نسأل:
١- ممن يخاف الروس والأمريكان طالما أنهما اتفقا على اقتسام مناطق النفوذ؟
٢- ماذا تريد الأطراف الاستعمارية «أمريكا- روسيا- فرنسا- بريطانيا» من اتخاذ القواعد حول الجزيرة والخليج «عدن- مسيرة» مثلًا.
٣- ما سر الحشود البحرية الكثيفة في المنطقة؟
جواب مفزع
ليس ثمة من شك في أن ما جرى ويجري في المنطقة وما حولها هو ضمن سياسة الوفاق بين الدول الاستعمارية، ومن أن كلًا من الروس والأمريكان بشكل خاص قد اتفقا في ضوء اتفاقية «سالت ۲» على عدم الصدام المسلح بينهما، وهذا ما يؤكده تاجر السلاح «صموائيل كاميغر» الذي وصف تهديد الرئيس كارتر بالتدخل في منطقة النفط لحماية المصالح الأمريكية، بأنه نوع من التهويل الموجه خصوصًا لتحصين الأنظمة الحليفة ضد القلق، ولرفع معنوياتها بعد الهزيمة الأمريكية في إیران. - الأنباء الكويتية، عدد 27/۱/1980.
الشعوب المسلمة هي التي تخيف الدول الكبرى:
قلنا في فقرة سابقة أن الهدف الاستراتيجي الأول من الفعل الاستعماري المستجد في المنطقة هو تحجيم الانبثاق الشعبي الإسلامي الذي بدأ يأخذ شكلًا حركيًا في مواجهة الموجات الاستعمارية التي تتالت على المنطقة، وكانت تلك الموجات قد أخذت أشكالًا مختلفة.
فظهرت تارة بالوجه الثقافي وأخرى بالمعاهدات وثالثة بالأحلاف، ثم بأثواب الصداقة التي كانت تخبئ تحت أذيالها أفعوان الاستغلال لثمرة المنطقة الإسلامية جمعاء والخليج العربي بشكل خاص.
ولما بدأ المطرد الإسلامي بالانبثاق الحركي من جديد، لم يبق أمام الكيانات الاستعمارية إلا المواجهة المباشرة.
•فالإسلام الذي حرك الشعوب في باكستان وأفغانستان وإیران ضد الأطماع الاستعمارية وأشكال التبعية الدولية قادر على طرد جميع أشكال الاستعمار المتواطئ على استنزاف خيرات الأمة وبشكل أخص في منطقة الخليج.
•والإسلام الذي حرر العقول فثار بأبنائه بحضارته الخالدة على حضارة الغرب في بعض المناطق الإسلامية سوف يقذف بهذه الحضارة كل ما يتعلق بإدارات الكيانات الدولية التي حطت بحضارتها الشوهاء على أرض المسلمين في الخليج وغيره.
•والإسلام الذي دفع ببعض الشعوب الإسلامية لإعادة النظر في تقييم الدور الاقتصادي الذي يمكن أن تلعبه أمتنا قادر على تحطيم الأهداف الاقتصادية للدول الكبرى في الخليج والجزيرة والاستقلال بمقدراته وثروته ونفطه على مخططات الأجانب واستنزافهم.
وهذا هو الذي يخيف الدول الكبرى التي تآمرت علينا، والتي حشدت قواتها حول منطقتنا وهي متفقة من وراء الكواليس على تحقيق مصالحها ونفوذها ضمن وفاقها المعروف.. كما اتفقت على ضرب من يعيق سياسة الوفاق وتحجيم طموحات أبناء المنطقة المسلمين الاستقلالية. ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال: 30)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل