; أهوال في سجون الأخ العقيد | مجلة المجتمع

العنوان أهوال في سجون الأخ العقيد

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 14-نوفمبر-2000

مشاهدات 72

نشر في العدد 1426

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 14-نوفمبر-2000

اعتقال عشوائي واغتيال فردي وجماعي.. محاكمات صورية وإشاعات عن قتل العديد من الشخصيات المهمة لإسكات المطالبة بالإفراج عنهم

ثورة الفاتح، وهو لا يكف عن التخريب في اتجاهين: الأول هو بطاولة المستمر على الإسلام ومعتقداته من إنكار للسنة.. إلى السخرية من الطواف ببيت الله الحرام ولتجرؤ على محارم الله بالزعم بأن لباس المرأة من عمل الشيطان، وقد عبر القذافي عن رأيه في الإسلام عمليا، حين زار المملكة العربية السعودية بعد عشرين عاماً من الغيبة، ومع ذلك لم يذهب إلى مكة المكرمة أو المدينة المنورة، تلكم المدينتين اللتين تتوق إليهما نفوس كل المسلمين.

أما الاتجاه الثاني: فهو إعلان الحرب على الإسلاميين في ليبيا، والزج بهم في السجون والمعتقلات، حيث يحدث لهم ما لا يصدقه عقل، ويفرض النظام الليبي ستاراً حديدياً على ما يحدث لهؤلاء، ومن يكون من قدره أن يدخل سجون القذافي، وهم كثيرون، ولذا فإن ما يرشح على السطح قليل، وقليل جداً، ومن ذلك تلك القصص الثلاث لثلاثة من رجال الدعوة الإسلامية:

أقام الحاكم العسكري لليبيا نظامه على أساس التغييب الكامل للصوت الآخر، والرأي الآخر، والفكر الآخر والرؤية الأخرى، ومحاولة تحقيق كل ذلك من خلال تعطيل الدستور، وإلغاء جميع المنابر والمؤسسات الدستورية، ومن خلال تأميم الصحافة ومصادرة جميع وسائل التعبير من الكتب والمجلات والصحف واحتكار الإذاعة والتلفاز، ورغم كل تلك الإجراءات التي اتخذها إلا أن الأصوات التي كانت تعبر عن أماني الشعب المسلم في ليبيا وتطلعاته في الحرية الحقيقية وفي التنمية المدروسة، وفي التربية، لم يمنعها تأميم وسائل الإعلام واحتكارها من أن تحاول لوصول إلى عقول الليبي من، الندوات الجامعية خلال منابر المساجد والدروس وتعلن كلمتها المعبرة لتحدث أثرها في نفوس المواطنين وترفع من درجة الوعي الفكري والسياسي والديني لديهم.

وفي وقت مبكر منذ قيام الانقلاب العسكري أدرك «العقيد القذافي» أن محاصرة الآراء والأفكار السديدة والسيطرة على الرأي العام، لا يمكن أن يتم بمجرد احتكار الصحافة أو تحويل الإعلام الإذاعي إلى شركة خاصة لتمجيد القذافي ومقولاته في كتيبه الأخضر، وسدها في وجوه الكتاب والمفكرين والمهتمين بالحقوق الأساسية والسياسة للمواطنين، فسعى إلى اعتقال الشخصيات المؤثرة نفسها حتى ينقطع تأثيرها من المحيط. 

وكمثال على ذلك، نعرض إلى ثلاث شخصيات إسلامية ليتبين لنا مكانتهم العلمية والفكرية والاجتماعية واستقامتهم ودورهم الريادي في خدمة الإسلام والمسلمين.

ونحن في عرضنا لهم لا تعني أنهم منفردون بهذا الدورة هذا الميدان أو ذاك، وإنما لأنهم يمثلون صورة بارزة يعرفها أغلب الليبيين وتمتد شهرتهم خارج حدود الوطن.

وقد اخترنا هؤلاء ما جرى لهم على يد نظام الحكم العسكري في ليبيا من ممارسات تتنافى مع أبسط مثل وخلق ديننا الحنيف.

ونريد أن نؤكد على أن ما جرى لهم ليس من تأليفنا او ادعاءات يدفعنا إليها موقفنا الرافض والمعارض لممارسات الكولونيل القذافي، ونظامه الدكتاتوري القمعي لكل ما يمت للإسلام بصلة. 

إن ما جرى لهؤلاء من اعتقال وقمع وتعذيب وقهر هو أيضاً مما يعرفه الكثيرون من أبناء شعبنا المسلم في ليبيا، ومما اطلع عليه شهود عيان لا يزالون يعيشون بيننا وبعضهم خارج السجن الكبير خارج ليبيا ونريد أن نؤكد أيضاً أن قضية هؤلاء المفكرين لا تزال وستبقى حية تعيش في نفوسنا ونفوس شعبنا المسلم في ليبيا، وأن ملف هذه القضايا لا يمكن أن يقفل لمجرد أن يتجاهله القذافي»، ونظامه وأتباعه ممن باعوا الدين والوطن.

إن نسيان هذه القضايا لا يمكن أن يتم عن طريق إطلاق أجهزة الأمن لإشاعات تفيد قتله.

 وقضايا هؤلاء الرجال لا يمكن تجاوزها بسبب تراكم ملفات الجرائم وملفات الاعتقال العشوائي، والاغتيال الفردي والجماعي والمحاكمات الصورية، كما أن كثرة الجرائم وتنوعها وفظاعة بعضها لا تعفي المجرم من المساءلة ولا تعطي الجاني حق الإفلات من العقوبة.

كما أن عدم وجود القضاء العادل الذي يمكنه حصر هذه الجرائم، وإصدار الأحكام على المجرمين وتوقيع العقوبة عليهم وتبرئة الأبرياء وإقرار تعويضهم عما لحق بهم من غمط وقهر لا يعني أن المجرمين أصبحوا أبرياء أو شرفاء حتى ولو تولوا بعد ذلك الوزارات أو ترأسوا المحاكم العليا.

كما أن سكوت أبناء وأقارب وعائلات هؤلاء الرجال عن المطالبة بالتحقيق في وقائع اعتقال آبائهم وأزواجهم ومن وقائع تعذيبهم أو وفاتهم داخل السجون وعدم مطالبتهم بمحاكمة المسؤولين خوفاً من بطش السلطة لا يعني ضياع حقوقهم أو سقوط التهم عن الجناة.

وكمثال على ضحايا الحكم العسكري، تسلط الضوء على ثلاث من الشخصيات المشهورة والمشهود لها بالعلم والورع بين الناس:

1– الشيخ محمد البشتي

اشتهر الشيخ محمد البشتي كإمام لمسجد «القصر»، وقضية مسجد القصر وما جرى فيه كانت على كل إن في ليبيا، فالمواطنون الليبيون لم يتصوروا يوم من الأيام أن انتهاك الحرمات الذي يشاهدون ،اللجان تعتلي المنابر وترتكب أعمال الوحشي والسباب الفاحش والفوضى الحرم المسجد والاستهانة بكل قيم الإسلام والعرف بين  دهشة المصلين وذهولهم بطريقة  لم يشهدوها حتى في أيام الاحتلال الإيطالي الفاشي لليبيا وأمام أعين الشعب الذي ترتكب باسمه كل الجرائم، قامت قوات أمن النظام العسكري في ليبيا بإشهار أسلحتها في وجه المصلين واختطفت الشيخ البشتي وتلاميذه في سيارات مدنية إلى أحد المعتقلات. 

لم يكن الشيخ البشتي يحمل رشاشاً أوتوماتيكيًا على كتفه أو بندقية أو مسدساً، بل لم يكن يحمل حتى العصا التي يستخدمها المشايخ قديماً لتأديب الكسالى من تلاميذهم ولكنه كان يحمل فكراً نيراً، وإيماناً عميقاً، ويقيناً راسخاً، وكانت كلماته الشجاعة تجلد النظام وزبانيته وكان الشيخ قد تجرد لفتنة إلغاء السنة النبوية التي أنكرها العقيد، وجاهد بلسانه بالمنطق وبالحجة وبالبرهان.

الجماهيرية العظمي التي تقوم على «النظرية الثالثة» وتريد أن تقنع الإنسان في العالم بأنها نظرية أممية، لم تستطع أن تواجه الكلمات الشجاعة وهي تنطلق من خطب الشيخ ودروسه والعاجز الجبان يلجأ عندما تعوزه الحجة إلى العنف والغدر والبغي وذلك ما فعله «الكولونيل» نيته.

وكان النظام العسكرية في ليبيا أجبن من أن يقدم الشيخ إلى محكمة.. أي محكمة حتى لو لها على قياس نظامه وأصد لها قوانين.. ب مزاجه ورغبته، حتى المحاكم الصورية أعطى حق إقامتها للجان الثورية أو محاكمة التي يتولى القضاء فيها مجرمون جاهلون لا يستطيعون حتى قراءة الأحكام التي يصدرونها.

لم تبلغ أسرة الشيخ ولا أطفاله ولا أقاربه عن اعتقاله أو عن التهم الموجهة إلية أو عن العقوبات التي صدرت بحقة لقد مضى الآن على مسجد القصر ما يقارب عشرين عاماً ذلك الحين يحاول «العقيد» ونظامه أن يضرب عليها سواراً من النسيان والإهمال والتجاهل ويحاول أن هذه القضية وأمثالها فاق المجهول المنسي، وتحاول أن تتجاوز المرتبطين بالشيخ من أفراد عائلته وأطفاله له حقوقهم في معرفة مصيره وأين دفن وحقهم في المطالبة بالتحقيق في وقائع اختطافه واعتقاله وقتله.

 لقد خرج بعض تلاميذ الشيخ البشتي من الذين تم اعتقالهم معه وأيضاً: 

لم يسأل أحد أين كانوا ولماذا اعتقلوا؟

لم يقدم أحدهم إلى أي محاكمة؟ 

تصدر على أحدهم أي عقوبة قانونية؟ 

خرج بعضهم وأثار لا تمحى سجلت على من التعذيب الهمجي، وخرج بعضهم وقد أواه العقلية من شدة الهول الذي قاسوه وامر بعضهم بعد كل ذلك بعدم مغادرة فبقو معتقلين لسنين طويلة. 

ولا يزال المجرمون والجلادون الذين قاموا الأعمال يمرحون في أروقة المعتقلات الأوامر، في غياب كامل لاي قوانين أو مواد وفي غياب كامل للعدالة وللقضاء وفي غياب كامل للإنسانية والأخلاق وفي غياب ذلك لا تنتهك حقوق الإنسان في ليبيا فحسب، بل ينتهك الإنسان نفسه في عقله ووجوده وكيانه.

ونعود للسؤال: لماذا لم تقم للشيخ الداعية محمد البشتي محاكمة علنية يدافع فيها عن نفسه أمام الأمة؟ 

فالشيخ لم يكن موظفاً في أحد أجهزة النظام العسكري السرية ولم يكن من أحد رجال السلك السياسي أو الدبلوماسي أو الأجهزة الأمنية.

ولم يكن يشتغل في أي حقل قد يثير خوف الكشف عن أسرار الدولة المنيعة.

الشيخ كان مدرساً يقوم بمهنته في وضح النهار وعلى رؤوس الشهاد، ومن على المنبر المسجد ويخاطب الجميع وبما فيهم جواسيس النظام الذين كان يطالبه يبالغوا في تقاريرهم وأن يقوموا بنقل الحقيقة بأمانة.

الشيخ كان صاحب دعوة ورأي وفكر، فلماذا بالفكر والرأي بالرأي، وهو الذي يدعي قائده أنه مفكر كبير لقاء المفكرين والكتاب وأساتذة الجامعات زياراته الخارجية الشيخ لم يكن يملك الا دروسه وخطب الجمعة في مسجده الصغير والنظام العسكري يملك كل وسائل الإعلام التي سخرت للكذب والتزوير وإلقاء التهم الفارغة من محتواها.

لم يجرؤ النظام العسكري بكل فلاسفته ومفكريه، وشراح الكتاب الأخضر أن يقدم الشيخ إلى محاكمة علنية، فذلك هو شان النظام العسكري في ممارساته ضد المفكرين المسلمين والدعاة المصلحين ذلك هو شانه ولايزال الاعتقال يتم بالصورة نفسها وبالمجرمين أنفسهم، ولا تزال تمارس ضد المعتقلين الأساليب القمعية والتعذيب نفسها:

- لا محاكم حقيقية ولا صورية ولا نيابة ولا قضاء ولا محامين ولا عدل. 

- لا إعلام للأسر ولا زيارات ولا حتى بمكان الاعتقال.

- لا أحكام صادرة ولا عقوبات مقررة.

- ممارسات لا يمكن أن تدخل تحت اعتبار أن القائمين عليها يمثلون نظام دولة ولا يمكن أن بطلق عليها حتى مصطلحات الاعتقال وإنما هو اختطاف منظم تقوم به عصابة دون حسيب أو رقيب.

 ۲- د. عمر وخليفة النامي

رجل من الرجال القلائل في ليبيا، واحد رموز الجماعة الإسلامية الليبية الإخوان المسلمون بليبيا.

أديب عرفته مجالس الأدب والشعر والنقد، وصحفي عرفت الصحف مقالاته منذ أن كان طالباً بالجامعة، وكاتب ومفكر يحمل هموم وطنه وأمته الإسلامية وشاعر رقيق الشعر فصيح العبارة وشخصية اجتماعية محببة تترك أثرها في جلسائها بسرعة عجيبة لا تملك أن تحبه وإذا كنت من مخالفيه فلا تملك إلا أن تحترمه ونقدر ما يحمله من مواهب. 

تلك كانت تهمته الحقيقية التي من أجلها اعتقل أول مرة عام ۱۹۷۲م، ثم تكررت الاعتقالات ولا نريد أن نستعرض أوجه نشاط وحياة هذا الرجل ولا حياة بقية الرجال إلا من زاوية ارتباطها بعد ما جرى، انتهاك لحقوق الإنسان ولا، ضد حقوق حرية الرأي أو الملكية أو حرية إنشاء الصحف أو الأحزاب أو حرية الكتابة في الصحف، إن كل تلك الأنواع من الحريات أصبحت في عهد ثورة الفاتح نوعاً من أنواع الترف أو هي مجرد مثاليات غير واقعية إن الانتهاك الذي نتحدث عنه في هذا الموضوع هو انتهاك حق العيش بسلام وأمان دون التدخل في أي قضايا سياسية أو فكرية أو اقتصادية أو حتى اجتماعية.

وكان ذلك ما حاول تماما الدكتور النامي القيام به، فقد ترك الرجل التدريس بطوكيو وترك التدريس بجامعة كمبردج بلندن وزهد في التدريس بجامعة ميتشجان بأمريكا وترك السياسة والكتابة والفكر والصحافة والنظريات الثالثة والرابعة والأخيرة، فقد أصبحت مجالاً يخوضه الأقزام فقط. 

اقتني الدكتور عمرو غنيمات خرج بها إلى صحراء الحمادة الحمراء بوسط الصحراء الليبية زاهداً في دنيا القذافي، وكأنه أراد أن يحقق امنيته التي أشار إليها في قصيدته «زينب» والتي كتبها داخل معتقل «الحصان الأسود».

عجفاء ثاغية وتيس أجرب.. ولكن هل شفع  كل ذلك للدكتور عمرو وهل يقر للقذافي وأجهزته الأمنية قرار وإحدى الشخصيات الإسلامية الليبية «تسرح بالشياه» في إحدى الشعاب واعتقل الدكتور عمرو مرة أخرى بعد عدة استدعاءات واستجوابات و«تمحكات» وأودع المعتقل والرجل أيضاً لم يكن يجر مدفعاً ولم يحمل رشاشاً، ولم يقتن، سوي عصاه التي كان يهش بها على غنمه و لكن الموقف كان أكبر من السلاح والحق أشد وطأة من الرصاص، فقد كانت مهمات تسري بين شفاه المواطنين في سخرية وازدراء ومقال الحال يقول المفكرون المثقفون يرعون الغنم والجاهلون الصعاليك يؤلفون النظريات التي تحل مشكلات العالم بأسره ومنذ الاعتقال الأخير في ١٩٨٤م، حاول القذافي، وأجهزته الأمنية إبقاء ملف الدكتور عمرو في الظلام ولم يقدم الدكتور عمرو إلى المحاكمة بأي تهمة لم يقدم إلى أي محكمة حتى ولو كانت محكمة صورية، ولو كان أعضاؤها من أنصاف المتعلمين وأشباه الأميين، ولم يبلغ أطفاله وعائلته بأي عقوبة أصدرتها محكمة مدنية أو عسكرية أو حتى ثورجية.

 لم يسمح لأبنائه وأقاربه بزيارته أو لقائه او الاتصال به وقام الكولونيل القذافي، وأجهزته القمعية بإطلاق الأقوال حول مقتل الدكتور عمرو داخل السجن، ولم تؤكد تلك الأقوال أي جهة رسمية مثل  إدارة السجون أو المعتقلات ولم تسلم جثته لأهله لدفنها  واعتبر القذافي وأجهزته أن ذلك كان كافياً لإسدال الستار على هذه القضية واعتبر كذلك أن مثل هذا التجاهل يلغي حقوق الرجل في محاكمة عادلة إذا كان متهماً بأي تهمة أو تعويضه عما لحقه، أو تقليه أو في القصاص من قتلته وتعويض عائلته عما لحقهم من ظلم وقهر واضطهاد وَمَن ﴿قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ ۖ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا﴾ [سورة الإسراء: 33].

3- الشيخ علي يحيى معمر

ولد الشيخ علي بمدينة نالوت إحدى قلاع الجبل الغربي في ليبيا عام 1918م، حيث ترعرع في ربوعها ينهل من القرآن الكريم ويتعلم أصوله وفقهه حتى السنة الرابعة الابتدائية، حيث قرر موصلة دراسته بالجزائر التي سافر إليها ليلتحق «بمعهد الحياة» في ميزاب «قرارة» بالجزائر، وتتلمذ على يد العلامة الكبير الشيخ محمد بيوض مدير معهد الحياة آنذاك، فتزود بالعلم  النافع الإسلامي العظيم حتى أجازه أستاذه الشيخ محمد بيوض بعد عشر سنوات من العمل الدؤوب والإقبال الشديد على العلم والمعرفة إجازة معهد الحياة، ولما ظهر على شيخنا من نبوغ ملحوظ وذكاء فارط فقد تمكن بعد تخرجه من التدريس في المعهد نفسه سنوات عدة، شهد له فيها الجميع بأهليته وعلو كفاءته.

رافق شيخنا في هذه الفترة العديد من مصلحي الجزائر وتفاعل مع حركة الإصلاح في ذلك القطر الإسلامي آنذاك وشهد له زملاؤه وأساتذته بالمشاركة الفكرية الفعالة في هذه الفترة التاريخية المهمة من تاريخ الجزائر، وفي طريق عودة الشيخ إلى وطنه ومسقط رأسه ليبيا توقف بمدينة القيروان بتونس، حيث درس بها سنتين كاملتين استزاد فيهما غزارة وعلماً.

عاد بعدها إلى ليبيا واستقر بمدينة نالوت حيث أسس بها ثاني مدرسة إعدادية في ذلك الوقت، وفي صدر شباب شيخنا وأثناء دراسته بمعهد الحياة، عرف عنه إلى جانب نبوغه في العلوم الإسلامية وفروعها وموهبته الأدبية والشعرية. 

بقي الشيخ علي في نالوت يدير مدرستها الإعدادية التي أسسها وكان رحمه الله، شعله من الحماس والحركة فكان يدرس في المساجد ويخطب بها.. وكان دارساً وباحثاً ومؤلفاً، ومن بين مؤلفاته رسالته «أحكام السفر في الإسلام» ودراسات منها «سمر أسرة مسلمة» و«مسلم ولكن..». 

في أوائل الستينيات رقي إلى درجة مفتش، ثم مديراً لمعهد جادو للمعلمين ولما عرف –عليه رحمة الله –كمثال للوفاء والإخلاص والجد والمثابرة بين جميع العاملين معه فقد عين مفتشا للغة العربية في المحافظات الغربية من ليبيا، ثم  نائباً لمدير التعليم، وذلك في الفترة ما بين عامي 67-1969م،  وبعد الانقلاب العسكري نقل –رحمة الله قسم التخطيط والمتابعة  بوزارة التربية والتعليم في طرابلس، حيث كان مصلحاً مجدداً وداعياً إلى العودة  إلى روح الإسلام الحقيقية سواء في نقاشه لمناهج التربية والتعليم أو من خلال دروس كان  يلقيها في مسجد « الفتح» بطرابلس، ولا غرابة أن يصطدم شيخنا مع نظام الحكم العسكري في ليبيا في  أول أيامه، فيعتقله عام 1973م، ليمضي قرابة عام في سجون القذافي متعرضاً خلالها، لكل أنواع التعذيب والهوان خرج بعدها ليذيد إصراره على مبادئه التي دعا إليها والتي.. غرسها   قيمة ومعنى وروحاً في أولاده السبعة ودفع حياته ثمناً لها..

 وكرد فعل حاقد من النظام على شيخنا وأبنائه البررة.. فقد داهم زبانيته بيت الشيخ بمدينة نالوت وقاموا بهدمه، ولم يقتصر حقدهم على ذلك، بل امتد بيت من بيوت الله حيث تعرض مسجد «الفتح» في طرابلس.. وهو المسجد الذي دعا الشيخ علي يحيى معمر لبنائه وساهم بالتدريس فيه – تعرض للتدمير والتخريب غلا وانتقاماً.

هل تمضي هذه الجرائم ويسدل عليها ستار النسيان كما يظن «القذافي» وزبانيته؟! 

هل تضيع حقوق هؤلاء الرجال هدراً دون أي مساءلة لأحد؟! 

أليس من حق أبنائهم وزوجاتهم وعائلاتهم. أن يعرفوا ماذا حل بهم وبقبورهم أين هي؟! 

أليس من حقهم أن يعرفوا المجرمين بالتحديد ومن أمرهم بالإجرام في حق الشعب الليبي؟ 

أليس من حق الشعب أن يعرف هؤلاء الذين ارتكبوا في حقه أعمال الخطف والتعذيب والاعتقال والقتل؟ 

رعب أصاب أهالي الضحايا خوفا من بطش السلطة إذا طالبوا بالتحقيق فيما جرى لذويهم

… إلغاء السنة النبوية التي أنكرها العقيد فكان جزاؤه تغييب خلف القضبان وقتلة دون محاكمة

د عمرو خليفة النامي الأديب والمفكر والصحفي الشاعر ترك التدريس في جامعات الغرب واليابان ليعود إلى وطنه فلم يجد إلا السجون والمعتقلات منذ 1972.م فترك السياسة والكتابة والفكر واقتنى غنيمات يرعاها في الصحراء زاهدا في دنيا العسكر، لكن العقيد لم يتركه فاختطفه رجاله وأشاعوا خبر موته ولم تسلم جثته ولم تؤكد السلطات خبر وفاته حتى اليوم! 

الشيخ على يحي معمر.. هدموا بيته ومسجد بعد قتله ليمحوا أي أثر يذكر به لكن ذكراه ستظل حية في قلوب الشعب الليبي المسلم

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل