; بعد عامين من احتلال العراق: أكذوبة الحرب.. وأسطورة الهيبة الأمريكية | مجلة المجتمع

العنوان بعد عامين من احتلال العراق: أكذوبة الحرب.. وأسطورة الهيبة الأمريكية

الكاتب اكرم عبدالرزاق المشهداني

تاريخ النشر السبت 16-أبريل-2005

مشاهدات 59

نشر في العدد 1647

نشر في الصفحة 28

السبت 16-أبريل-2005

١٠٠ ألف جندي من قوات الاحتلال ليس من مهامهم حفظ الأمن!

● ويزلي كلارك: يكاد الدخان يتصاعد مني غضبًا.. لقد وقعت ۹۰۰ خطاب تعزية لأهالي القتلى من الجنود الأمريكيين. 

● أمريكا «الإنسانة» تهتم بإحصاء قتلاها من الجنود.. ولا تبالي بقتل مئات الآلاف من العراقيين. 

● نسف بنية العراق والسيطرة على نفطه ثمن هذا «التحرير» وتلك هي «الديمقراطية»؟

منذ أن انتهت الحرب الأمريكية بغزو العراق وإسقاط النظام السابق بالقوة الغاشمة في التاسع من أبريل ۲۰۰۳م وبدء مرحلة جديدة بكل تفاصيلها وتداعياتها لعراق جديد في ظل الاحتلال, يشاء البعض أن يعتبروه «تحريرًا» للعراق باعتبار أن عملية إسقاط نظام دكتاتوري حديدي صارم لا يمكن أن تتم إلا بالأسلوب الذي أقدمت عليه الولايات المتحدة وحلفاؤها، آخذين بالاعتبار نتائج الغزو المتحققة وليس مشروعيته!

 ولا جدال اليوم بعد عامين في «لا مشروعية» الغزو الأمريكي للعراق، حتى إن أخذنا بوجهة نظر «المستفيدين» من نتائج هذا الغزو، ويكفي أن كوفي عنان الأمين العام المنظمة الأمم المتحدة أقر في تصريحات عدة أن «غزو أمريكا للعراق عمل لا يأتلف والقانون الدولي» كما أن عنان قال مؤخرًا إن الحرب التي قادتها الولايات المتحدة الأمريكية علي العراق، سببت العديد من المشكلات للمنظمة الدولية لذا لم يعد الحديث عن «لا مشروعية» الحرب وأنها غير مبررة، وأنها حرب عدوانية، يحتاج إلى تأكيد أو جهد كبير في الإثبات.

فقد افتضحت «أكذوبة أسلحة الدمار الشامل العراقية» أو «فرية علاقة النظام الدكتاتوري السابق بتنظيم القاعدة أو الإرهاب العالمي» وحتى المنادون بمعاقبة النظام على جرائم اضطهاده للمواطنين العراقيين وإقامة المقابر الجماعية للمعارضين، أمام قتل ما يزيد على مائة ألف مدني عراقي وأمام سلسلة المجازر الفائقة البشاعة في الفلوجة والنجف وسامراء والموصل وغيرها من مدن العراق، ومسلسل الاغتيال الذي يطال العراقيين من علماء ومفكرين وجامعيين ومن كل لون وعرق في ظل الاحتلال وفظائع سجن أبي غريب ليست ببعيدة، فلم يعد لدى الغزاة وأعوانهم سوى الحديث عن «دمقرطة» المنطقة من خلال «النموذج» العراقي في الحقيقة، لم يعد للحرب من مسوغ ولا إنجاز يذكر، وكلما مضى الزمن واتضح حجم الموت والدمار الذي تعرض له العراق وشعبه وحجم النهب الذي تعرضت له مقدرات العراق وثرواته، لا يذكر أحد التاسع من أبريل إلا كيوم أسود في تاريخ العراق والمنطقة.

● انتقاد وجدل

وبالأمس القريب وتحديدًا في يوم 7 أبريل الجاري تحولت جلسة استماع عقدتها لجنة القوات المسلحة التابعة لمجلس النواب الأمريكي حول ماضي العراق وحاضره ومستقبله إلى معركة كلامية وتلاسن حاد بين شاهدي اللجنة الجنرال المتقاعد ويزلي كلارك وريتشارد بيرل المساعد السابق لوزير الدفاع الأمريكي وأحد المحافظين الجدد الذين هندسوا الحرب على العراق، وانضم إلى التلاسن نواب جمهوريون وديمقراطيون كانوا قد أيدوا الحرب لكنهم عادوا في الجلسة أمس ليعلنوا غضبهم مما يدور في العراق، وانتقد النائب الجمهوري والتر جونز من كارولينا الشمالية بيرل بشدة وطالب المسؤولين عن إدارة الحرب على العراق بالاعتذار عن المعلومات الخاطئة التي قدموها للكونجرس.

وأضاف غاضبًا: «يكاد الدخان يتصاعد مني غضبًا, لقد وقعت أكثر من ٩٠٠ خطاب تعزية لأهالي القتلى من الجنود الأمريكيين بالعراق». ورد بيرل معترضًا، ورفض الاعتذار عن تصريحاته التي قالها أمام اللجنة نفسها قبل عامين ونصف العام وبحضور ويزلي كلارك أيضًا، وأنكر أية مسؤولية عما قاله آنذاك حول أسلحة الدمار الشامل بالعراق واتهم وكالة الاستخبارات الأمريكية «سي آي إيه» بعدم الكفاءة بشكل مذهل حسب وصفه، كما اتهم عملاء عراقيين مزدوجين - يقصد الجلبي - بأنهم سبب الحرب.

● السيل الجارف

لم يكن بمقدور أحد أن يتنبأ بما سيحصل في العراق، الذي قررت الولايات المتحدة احتلاله، بدون أي غطاء من الأمم المتحدة مستندة إلى ذريعة أسلحة الدمار الشامل، ولم يتمكن أحد من إيقاف السيل الأمريكي الجارف، أو بالحقيقة، لم يكن هناك التحرك العربي والإسلامي والدولي، الذي يرقى إلى مستوى الردع, بل إن الغالبية التزمت الصمت وأخذت دور المتفرج، وكأن الذي سيحصل مجرد سيناريو يتم تنفيذه في استوديوهات هوليود العملاقة، ولن يصيب بنية وكيان بلد ذي سيادة، يمتلك إرثًا من الثقافة والحضارة, وكأن المخطط سيتحرك بعيدًا عن قتل الناس وتدمير المنازل وإحراق ذاكرة العراق.

ها هي ذي الحرب على العراق بعد عامين تأخذ أبعادًا خطيرة، حيث يسقط الجنود الأمريكيون بالعشرات يوميًا بين قتلى وجرحى, وهيبة أمريكا تتأكل وتتهاوى بسرعة، وإن ذلك ينذر بأخطار هائلة تهدد جسد الاحتلال مع بدء عامه الثالث.

● الحقد الدفين

لقد قال العراق قبل الحرب والعدوان ولجان التفتيش إنه لا وجود لأسلحة دمار شامل، ولكن لم يصغ إليه أحد، وقالها كثير من المحايدين والعقلاء والحكماء لكنهم لم يجدوا من يقبل بأقوالهم، لأن العيون والآذان والقلوب العدوانية كانت مغلقة إلا من الرغبة الشريرة في تدمير العالم انتقامًا لما سموه التفجيرات الغامضة في 11 أيلول ۲۰۰1مع أن كل ما دبروه للعراق ولغيره ثبت أنه كان في مخططاتهم منذ مطالع التسعينيات، ولم يكن مرتبطًا - البتة - بتفجيرات 11 سبتمبر في نيويورك وواشنطن، ولا بسواها.

ذهب جورج بوش الابن إلى الحرب، ولم يكن معه إلا توني بلير، وكانت معظم دول أوروبا الغربية تعارض الحرب والعدوان, ولم تنفع كل المظاهرات المليونية التي شهدتها أمريكا وأوروبا والعالم والتي كانت تندد بفكرة الحرب على العراق، لم تنفع في لحم المتدفعين المتحمسين بلا مسوغات إلى «قطف» الرأس العراقي ويبدو أن العالم كان بحاجة إلى سنتين كاملتين بعد الاحتلال الأمريكي – البريطاني, ليكتشف عقم تلك المسوغات, وكذب الادعاءات، ووهم التقارير الزائفة التي ضللوا بها مجلس الأمن بصور مزعومة للأقمار الصناعية عن أسلحة العراق التي تهدد أمن العالم واستقراره وبسرعة، قلب الزاعمون ادعاءاتهم فراحوا يتحدثون عن ديمقراطية جاءوا رسلًا لتحقيقها ونشرها, وأنهم سعوا إلى تحرير العراق تمهيدًا لتحرير المنطقة..

● ثمن التحرير

ترى هل كانت كل تلك الضحايا بمئات الألوف من العراقيين.. والدمار الواسع, ونسف بنية الدولة العراقية والسيطرة على نفط العراق، هي ثمن هذا «التحرير» وتلك الديمقراطية؟ وهل يكفي أن يقول بوش إنه جلب الديمقراطية للعراق، وسيعممها على دول المنطقة لإقناعنا بنواياه الحسنة, لقد بانت الحقائق - أخيرًا - بلسان هؤلاء الذين شاركوا في صياغة أكاذيب أسلحة الدمار الشامل العراقية أنفسهم.

ونتساءل: من كان يتصور في أبريل ۲۰۰۳ أن الإدارة الأمريكية ستحتفل بعد عامين من إعلان النصر بانخفاض خسائر قواتها إلى النصف في الشهر الأخير عن خسائرها في الشهر الذي سبقه والرقم المعلن تجاوز (١٥٥٠) جندي أمريكي، وأضعاف هذا الرقم من الجرحى والمعاقين جسديًا ونفسيًا وأمريكا الإنسانة الحريصة على دمقرطة العراق تهتم بإحصاء قتلاها من الجنود ولا تهتم بقتل مئات الألوف من العراقيين المدنيين الأبرياء أو من الشرطة والجيش العراقيين، وكأن هذه الأرواح لا تستحق النظر والحساب وإذا كانت هي تدعي أنها قد شنت الحرب من أجل حرية الشعب العراقي ورفاهه، إلا يستحق قتلى هذا الشعب إشارة ولو صغيرة, ألا يستحقون عزاء أو اعتذارًا؟ 

صرف الأنظار

 وبعد عامين من الخراب والدمار في العراق، ومحاولة الإدارة الأمريكية صرف الأنظار عن «فشلها» الذريع في العراق تحاول إيهام العالم أنها حققت إنجازات ديمقراطية باهرة في العراق من خلال انتخابات الجمعية الوطنية العراقية وبدء مرحلة التحول الديمقراطي متناسية الحالة المزرية التي يعيشها العراق وسط فقدان الأمن والسيادة والاستقلال، وانعدام الخدمات والسرقة العلنية لثروات العراق من قبل المحتلين، وهي تتغافل عن حقيقة أن المواطن العراقي لم يعد يهتم بالجمعية الوطنية وخلافات أعضائها ممن جاءت بهم على دباباتها، وتكالبهم على مكاسب الحكم وكراسي السلطة، ما دام العراقي يفتقر إلى العيش الكريم، أو يعيش في ظل أخطار السيارات المفخخة والانفجارات المتوالية والاغتيالات والخطف وتهديدات العصابات المسلحة التي تعبر عن أحزاب وقوى وهمية، أو تنظيمات سياسية طارئة لم تستقر في وجدان الناس، ولم يعرفوا لها وجودًا بينهم من قبل.

نتساءل كغيرنا: بعد عامين من الاحتلال الأمريكي للعراق هل حققت أمريكا أهدافها؟ ربما نعم إن كانت أهدافها احتلال العراق وإقامة قواعد عسكرية دائمة فيه وتعزيز أمن الكيان الصهيوني، أما إن كانت تدعي الديمقراطية والتحرير فهذا ما لم يتحقق حتى الآن لأن ما جرى ما هو إلا عملية «عرجاء» وسط سياسة تكريس الانقسام الطائفي في العراق وتشجيع المحاصصة الطائفية والعرقية وتغليبها على «المواطنة الحقيقية» و(الكفاءة) وتمزيق الهوية الوطنية والاستعاضة عنها بهويات مذهبية طائفية عرقية دينية لا تخدم مستقبل العراق وأمنه ووحدته.

ترى هل يستطيع المجتمع الدولي - فعلًا - أن يحل محل الاحتلال الأمريكي - البريطاني في إيجاد مخرج لما يعيشه العراقيون منذ سنتين على الأقل؟ وكيف لهذا المجتمع الدولي - غير الموجود إلا في الخيال - أن ينهض بهذه المهمة طالما أن كل شيء بيد سلطة الاحتلال وقواته، وطالما أن العراقيين لم يعطوا الفرصة لإعادة بناء بلادهم وإعمار كيانهم، لأن هناك جهات عديدة داخلية وخارجية تعمل على إشغالهم عن هذه المهمة، أو تحول بينهم وبينها, أو تعرقل جهودهم بشأنها من خلال السيارات المفخخة وصراعات الطوائف على السلطة وفي ظل قوات احتلال تزيد على مائتي ألف جندي، لا تجد من مهامها أبدًا استتباب الأمن والسلام والنظام؟

الرابط المختصر :