العنوان وأذن في الناس بالحج
الكاتب خليل الميس
تاريخ النشر الثلاثاء 06-أكتوبر-1981
مشاهدات 67
نشر في العدد 546
نشر في الصفحة 10
الثلاثاء 06-أكتوبر-1981
في مثل هذه الأيام من كل عام يكون الشغل الشاغل لآلاف المسلمين في أنحاء العالم، وحديثهم في كل مدينة أو قرية إنما هو الحج إلى بيت الله تعالى في البلد الحرام مكة المكرمة، ويعود الحجيج بعد أداء الفريضة وقلوبهم يغمرها الإيمان وتلهج ألسنتهم لأسابيع، بل لشهور متتالية بذكر المنافع التي شاهدوها في أداء فريضتهم وتصديقا لقوله تعالى ﴿لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ «الحج:28»
ورحلة العمر هذه يدخر لها الحلال الخالص من المال، والطاهر النقي من الثياب، ولئن كان كل مولود يولد على الفطرة والفطرة هي الإسلام كما تأولها البعض، فإن أداء فريضة الحج، هو بمثابة ولادة إسلامية جديدة، والفرق بين النشأتين: أن الأولى لا حول للإنسان فيها ولا قوة، أما الثانية فهي باختياره ومن صنعه، وكأن هذه الولادة بمثابة الإصرار على الفطرة الأولى والتثبت بها بل والعودة إليها، إذا ما صرفت الأهواء والفتن صاحبها عن الصراط المستقيم، والمسلم في كل تصرفاته بل في حركاته وسكناته، ينبغي أن يكون مع الله تعالى، ففي قوله سبحانه تعليمًا لنا ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (الفاتحة:5) تحديد لمسيرة ذلك المسلم، فالعبادة كلها لله، والعون إنما يكون بالله، وفي عقيدة المسلم أن كل مخلوق لا حول له ولا قوة إلا بالله، فهو الخالق للحركةوالسكون، وهو الرازق لمخلوقاته، ومن هذا المنطلق ينبغي الحضور الدائم مع الله عز وجل، وأن تكون تلك الأعمال، بل وجميع الأعمال ونحن نستعين بالله تعالى على إنجازها – صالحة للتقرب بها إليه تعالى باعتبارها عبادة، وهل يصح أن يستعان بالله على معصيته، ومن هنا كان الاستغفار الدائم لله من سوء القول والفعل، أو من الخطأ غير المقصود، بل ومن العمل غير الكامل الذي نؤديه لله عز وجل، وخير شاهد على هذا القول، مشروعية الاستغفار عقب الصلاة وهي عبادة محقة، وطابع العبادة هو الوصف القائم لجميع تصرفات المسلم عمًلا بقوله تعالى ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ، لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ «الأنعام 162-163»
فالمسلم بناء على هذا التوجيه الإلهي يمكن أن تكون حركاته وسكناته عبادة، بل حتى حياته كلها ومماته عبادة، وذلك ما نقصد به الهجرة إلى الله تعالى، ووصف هذه التصرفات بالعبادة، باعتبار قصد مرضاة الله تعالى واستجابة لأوامره ونواهيه، وسائر توجيهات القرآن الكريم وتعليمات الرسول محمد صلى الله عليه وسلم. والحج بمثابة هجرة بالجسد والمشاعر كلها إلى الله تعالي، وتحول عن الدنيا ومباهجها ومشاغلها وزخرفها إلى الله عز وجل من خلال أداء المناسك، التي شرعها الله تعالى وعلمنا إياها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فالمسلم في صلاته اليومية بالذات يتوجه إليه تعالى عبر الكعبة المشرفة حيث البيت الحرام، هذا التوجه بالعمل وبالنية إلى الله بخالص العبادة، وكأن المسلم يريد أن يعبر عن مشاعره أنه مع الله سبحانه، ومن خلال مشروعية فريضة الحج ينتقل بجسده هذا قاصدًا بيت الله، وعلى الهيئة التي أذن الله تعالى بها، يسارع ملبيًا بالفعل والقول: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك» يطوف حول الكعبة المشرفة حاكيًا بذلك حيرته إن لم يهده الله، والبراءة من حوله وقوته إلى حول الله تعالى وقوته، حاكيًا بذلك حركة هذا الكون كله وحيرته لولا هداية الله تعالى ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾ «طه:50».
وهكذا تحكي لنا النظريات العلمية الحديثة أن الخلايا الحية والإلكترونيات كما في العالم العلوي من النجوم والشموس كلها في حركة دائرية، تدور حول نفسها أو حول بعضها البعض في نظام متكامل، ومكونة نظامًا للحياة دائمًا ومستمرًا ومنظمًا ودقيقًا، ولئن كانت حركة الكائنات كلها جبرية وغير إرادية، ولكن حركة الإنسان- كل الإنسان- هي حركة اختياره ومن هذا المنطلق كان منشأ الثواب والعقاب لأعمال الإنسان باعتباره الكائن المكلف الوحيد من بين سائر المخلوقات.
هذا والحج قد استجمع في ذاته جميع أنواع العبادات المشروعة في الإسلام فقد اشتملت مناسكه على العبادة النفسانية، والعبادة البدنية، والعبادة المالية، والعبادة الملكية فهو بذلك جماع العبادات، وكان ثواب من حج ولم يرفث ولم يفسق أنه يرجع كيوم ولدته أمه أي لا ذنب له، وكما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: الحج المبرور- أي الذي لا يخالطه إثم ولا ارتكاب معصية ولا سمعة ولا رياء - ليس له جزاء إلا الجنة، هذا ولا يخفى ما في الحج من فائدة اجتماع المسلمين الوافدين من سائر أطراف المعمورة، ومن ثم التآخي الذي يحصل بينهم والتعارف على العادات والتقاليد المتباينة، والوقوف على أحوالهم وظروفهم، ويفضي بعضهم لبعض كل ما في نفسه، حيث لا رقيب ولا حسيب إلا الله تعالى، ولذلك يصدرون عن الحج إخوانا مع اختلاف أجناسهم وألوانهم وألسنتهم، وكل منهم قد امتلأت جوانحه، وأغنيت بذكريات لا ينساها ما دام حيًا، تكون مادة حديثة في الحل والترحال، كما وأن اجتماع المسلمين في تلك الأماكن المباركة مع ما فيها من تعظيم لشعائر الله تعالى، فإنها سياحة جماعية يستكشف كل مسلم مكانه ومقامه في هذا العالم المترامي الأطراف، سواء في العمق التاريخي من عهد إبراهيم عليه السلام، أو في البعد الجغرافي حيث ينتشر المسلمون في سائر أنحاء المعمورة، كما أن مجتمع الهجرة كان مجتمعًا مثاليًا في تاريخ الإسلام، فإن أداء فريضة الحج يكون «مجتمع الحجاج» إن صح التعبير، وكل حج غالبًا ما يعرف بحفاظه على أداء الطاعة لله عز وجل من صلاة وصوم وزكاة على الوجه الأكمل، ويحرص الحاج من حيث المبدأ على الالتزام بالأحكام الشرعية والتحلي بالآداب الإسلامية في نفسه وأهله، باعتباره قد أعلن توبته، وعاهد الله تعالي على الاستقامة مدة حياته، وأنه وهب نفسه لله تعالى، وباعتبار أداء فريضة الحج على القادر استكمالًا للدين في ذات المسلم، وفقنا الله جميعًا لطاعته، وتعظيم شعائره والعمل لتحقيق مرضاته، إنه سميع مجيب.