العنوان إلى الذين يفضلون زوجاتهم على أمهاتهم: حق الأم على الولد عظيم
الكاتب أمير بن محمد المدري
تاريخ النشر السبت 12-أغسطس-2006
مشاهدات 57
نشر في العدد 1714
نشر في الصفحة 52
السبت 12-أغسطس-2006
حدث أحد الضباط العاملين في جهاز الدفاع المدني فقال إنهم وصلوا إلى بيت قد اشتعلت فيه النيران وفي البيت أم وأطفال لها ثلاثة بدأ الحريق في إحدى الغرف فحاولت الأم الخروج من الأبواب فإذا هي مقفلة صعدت سريعاً مع أطفالها الثلاثة إلى سطح المنزل لتخرج من بابه فوجدته مغلقا كذلك، حاولت فما استطاعت.
لا تطع زوجتك في قطع والدتك.. فقد أفنت عمرها من أجلك.
كررت فأعياها التكرار تعالى الدخان في المنزل، وبدأ النفس يصعب احتضنت صغارها ضمتهم إلى صدرها وهم على الأرض حتى لا يصل الدخان الخانق إليهم. والأم الرؤوم تستنشقه.
لما وصلت فرق الإنقاذ إلى سطح المنزل وجدوها ملقاة على بطنها، رفعوها فإذا بأبنائها الثلاثة تحتها أموات كأنها طير يحنو على أفراخه يجنبهم الخطر، ووجدوا أطراف أصابع يدها مهشمة وأظافرها مقطوعة إذ كانت تحاول فتح الباب مرة، ثم ترجع إلى أولادها لتحميهم من لهيب النار مرة أخرى حتى قضت وقضوا في صورة تجسد روعة التضحية في لوحة مزدانة بألوان الحنان منقوشة بريشة العطف والرحمة .
ومع كل هذه التضحية والتفاني في الحفظ والرعاية التي تقدمها الأم لوليدها وفلذة كبدها، قال النبي ﷺ في بيان عظم حقها مع الوالد: لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه، (رواه مسلم). مع هذا الحب الفياض والعطف الرؤوف والحنان المتدفق، نسمع ونرى من صور العقوق ونكران الجميل والقسوة العجيبة والغلظة الرهيبة وإساءة العمل وسوء التعامل ما لا يتحمله عقل ولا قلب .
رسالة مكتوبة بالدموع
إنها رسالة تبعثها أم مكلومة إلى وليدها وريحانة فؤادها، قالت الأم المسكينة يا بني منذ خمسة وعشرين عامًا كان يومًا مشرفا في حياتي عندما أخبرتني الطبيبة أني حامل والأمهات- يا بني يعرفن معنى هذه الكلمة جدا، فهي مزيج من الفرح والسرور وبداية معاناة مع التغيرات النفسية والجسدية، وبعد هذه البشرى حملتك- يا بني- تسعة أشهر في بطني فرحة جذلة، أقوم متثاقلة وأنام بصعوبة، وأكل مرغمة، واتنفس بألم، ولكن كل ذلك لم ينقص من محبتي لك وفرحي بك، بل نمت محبتك مع الأيام وترعرع الشوق إليك.
حملتك- يا بني وهنا على وهن وألما على ألم، بيد أني كنت أفرح وافرح كلما شعرت بحركتك داخل بطني وأسر بزيادة وزنك، مع أنه حمل ثقيل علي إنها معاناة طويلة، أتى بعدها فجر تلك الليلة التي لم انم فيها ولم يغمض لي فيها جفن، ونالتي من الألم والشدة والرهبة والخوف ما لا يصفه القلم ولا يتحدث عنه اللسان، ورأيت بأم عيني- والله يا بني- الموت مرات عدة حتى خرجت إلى الدنيا، فامتزجت دموع صراخك بدموع فرحي، وأزالت كل الامي كل وجراحي .
يا بني مرت سنوات من عمري وأنا أحملك في قلبي وأغسلك بيدي جعلت حجري لك فراشا، وصدري لك غذاء أسهرت ليلي لتنام، وأتعبت نهاري لتسعد أمنيتي أن أرى ابتسامتك وسروري لحظة أن تطلب مني شيئًا أصنعه لك، فتلك منتهى سعادتي.
ومرت الأيام والليالي وأنا على تلك الحال خادمة لم تقصر ومرضعة لم تتوقف، وعاملة لم تفتر حتى اشتد عودك واستقام شبابك، وبدأت تظهر عليك معالم الرجولة، فإذا بي أجري يمينًا ويسارًا لأبحث لك عن المرأة التي طلبت وأتى موعد زفافك فتقطع قلبي وجرت مدامعي فرحة بحياتك السعيدة الجديدة وحزنًا على فراقك ومرت الأيام والشهور ثقيلة فإذا بك لست ابني الذي عرفت، لقد أنكرتني وتناسيت حقي تمر الأيام لا أراك ولا أسمع صوتك وتجاهلت من قامت لك خير قيام .
يا بني لا أطلب إلا القليل.. اجعلني من أطرف أصدقائك عندك وأبعدهم خطوة لديك.
اجعلني يا بني إحدى محطات حياتك الشهرية لأراك فيها ولو لدقائق.
يا بني احدودب ظهري وارتعشت أطرافي وأنهكتني الأمراض، وزارتني الأسقام، لا أقوم إلا بصعوبة، ولا أجلس إلا بمشقة ولا يزال قلبي ينبض بمحبتك، لو اكرمك شخص يوما لأثنيت على حسن صنعه وجميله، وأمك- يا رعاك ربي- أحسنت إليك إحسانًا لا تراه ومعروفًا لا تجازيه، لقد خدمتك وقامت بأمرك سنوات وسنوات، فأين الجزاء والوفاء؟ إلى هذا الحد بلغت بك القسوة وأخذتك الأيام؟!
يا بني كلما علمت أنك سعيد في حياتك زاد فرحي وسروري، ولكني أتعجب وأنت صنيع يدي، وأتساءل: أي ذنب جنيته حتى أصبحت عدوة لك لا تطيق رؤيتي وتتثاقل عني؟!
لن أرفع شكواك، ولن أبت الحزن لأنها إن ارتفعت فوق الغمام واعتلت إلى باب السماء أصابك شؤم العقوق ونزلت بك العقوبة، وحلت بدارك المصيبة لا لن أفعل، لا تزال- يا بني- فلذة كبدي وريحانة حياتي وبهجة دنياي
أفق يا بني، بدأ الشيب يعلو مفرقك، وتمر سنوات ثم تصبح أباً شيخاً والجزاء من جنس العمل، وستكتب رسائل لابنك بدموع مثل ما كتبت لك، وعند الله يجتمع الخصوم يا بني اتق الله في أمك كفكف دمعها وخفف حزنها، وإن شئت بعد ذلك فمزق رسالتها، واعلم أنه من عمل صالحًا فلنفسه ومن أساء فعليها..
(من خطبة لمازن التويجري بتصرف )
ولله در القائل
فلا تطع زوجة في قطع والدة عليك يا بن أخي قد أفنت العمرا
حق أمك عليك
إن حق الأم على الولد عظيم، وشأنها كبير، فلا تدعها باسمها، بل نادها بما تحب من اسم أو كنية، لا تجلس قبلها، ولا تمش أمامها، قابلها بوجه طلق قبل رأسها والثم يديها، إذا نصحتها فبالمعروف من دون إساءة، أجب دعوتها إذا دعتك من دون ضجر أو كراهية تكلم معها باللين أطعمها إذا جاعت، أو اشتهت صنفًا، أهدها قبل أن تسأل شيئًا، تحمس ما تحب فاجلبه لها.
كن خادمًا مطيعًا لها أطعها في غير معصية، لا تسبقها بأكل أو شرب أبهجها بالدعاء لها آناء الليل وأطراف النهار بالرحمة والمغفرة، غض الطرف عن أخطائها وزلاتها، لا تتأسف أو تحدث أحدا على سبيل الشكاية أو النكاية وقرها واحترمها لا تتكبر عليها فقد كنت في أحشائها وبين يديها، أدخل السرور عليها صاحبها بالمعروف اطلب الدعاء منها فله تفتح أبواب السماء.
أمك بعد موتها
أخي الحبيب اعلم- رحمك الله- أن بر الوالدين لا ينتهي بموتهما، فعن أبي أسيد الساعدي قال: فيما نحن عند رسول إذ جاءه رجل من بني سلمة فقال: يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما بعد موتهما؟ قال: نعم، الصلاة عليهما والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما وإكرام صديقهما..
وبر الوالدين يستمر في ذرية الإنسان وعقبه من بعده عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ بروا آباءكم تبركم أبناؤكم وعفوا تعف نساؤكم..
كذلك بر الوالدين يزيد في العمر، عن سهل بن معاذ أن رسول الله ﷺ قال: من بر والديه طوبی له زاد الله في عمره.
تاقت أنفسهم لمرافقته وتاقت نفسه لرؤية إخوانه
تتفاوت همم الناس في الحياة فمنهم من همته ما يملأ بطنه او يواري جلده، ومنهم من همته امرأة جميلة، ومنهم من همته مركب مريح، ومنهم من همته كرسي يجلس عليه يأمر وينهى ويظلم ويطغى وهكذا...
ومن قرأ تاريخ الغر الميامين، أصحاب الرسول الأمين ومن اتبعهم بإحسان يجد أن همتهم علت وسمت.
ومن أعلى الهمم همة طلبت وقصدت مرافقة الرسول ﷺ وإذا أردت أن تعرف ذلك فانظر إلى همة ربيعة بن كعب الأسلمي فقد قال: كنت أبيت مع رسول الله فأتيته بوضوئه وحاجته. فقال لي: سلني حاجتك، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة قال: أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك قال: فأعنى على نفسك بكثرة السجود مسلم، الصلاة، ( ٤٨٩) .
وكان من دعاء أبي بكر الصديق: اللهم إني أسألك نعيمًا لا يبيد، وقرة عين لا تنفد ومرافقة النبي ﷺ في أعلى جنة الخلد ( الحاكم ۱۹۲۱) .
وكان من دعاء علي اللهم اجعلني ممن رضيت عمله وقصرت أمله، وأطلت عمره، وأحييته بعد الموت حياة طيبة ورزقته اللهم إني أسألك نعيمًا لا ينفد وفرحة لا ترتد ومرافقة نبيك محمد وإبراهيم في أعلى جنة الخلد ابن أبي شيبة في الدعاء.
هكذا كانوا وهكذا يجب أن نكون وانظر إلى الرسول الكريم وشوقه إلى رؤية من آمن به ولم يره، وسبب شوقه هذا، أن أصحابه يجدون على الحق أعواناً، وإخوانه لا يجدون على الحق أعوانًا.
عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: متى ألقى إخواني؟ قالوا: يا رسول الله السنا إخوانك؟ قال: بل أنتم أصحابي، وإخواني الذين آمنوا بي ولم يروني ( أبو يعلى ٣٣٩٠).
فهل اشتقت إلى رؤية حبيبك المصطفى ﷺ كما اشتاق لرؤيتك؟ وهل اشتقت إلى مرافقته كما اشتاق أصحابه لمرافقته؟ وهل أكثرت من كثرة السجود، بمعنى أكثرت من الصلاة وأطلت السجود، فأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد؟
واجب عملي
الدعاء: اللهم إني أسألك نعيماً لا يبيد، وقرة عين لا تنقطع، ومرافقة النبي ﷺ في أعلى جنة الخلد.
إطالة السجود وكثرة الدعاء فيه، وخاصة في النوافل.