العنوان الحضارة المادية تقتل أبناءها.. آفة الانتحار في المجتمعات الغربية في ارتفاع
الكاتب فاطنة بوطواحن
تاريخ النشر السبت 10-أغسطس-2002
مشاهدات 73
نشر في العدد 1513
نشر في الصفحة 43
السبت 10-أغسطس-2002
على الرغم من مظاهر الرفاه والرخاء في المجتمعات الغربية وبريق التقدم المادي، فإن تلك المجتمعات تعيش أزمة خطيرة حتى إن تلك المظاهر تبدو معها مجرد مظاهر خادعة لا ترقى إلى التعبير عن حقيقة ما يعيشه الإنسان الغربي من قلق وحزن دائمين واكتئاب وياس وفراغ روحي وفقر عاطفي مريع، فقد تحولت حياة الأفراد إلى جحيم بعد قرن وزيادة من التقدم المادي المتتالي الذي وفر جميع الإمكانات والوسائل التي تتيح تيسير سبل الحياة على الأرض، لكن المجتمع نسي أن يوفر لهذا المواطن الحياة السعيدة وأدخله في نفق مغلق من الركض بحثًا عن الذات والشعور بالطمأنينة والأمان، فقد جرى التقدم المادي بعيدًا عن القيم بل في صدام قوي وعنيف معها.
إن التقارير حول ظاهرة الانتحار التي ما فتئت تزداد عامًا بعد آخر في الدول الغربية جديرة بأن تكشف عن أحد الجوانب الأكثر خطورة في النموذج الحضاري الغربي، فقد عمت هذه الآفة الاجتماعية البلدان الغربية جميعًا، وبدأت تطرح على المسؤولين والإخصائيين النفسانيين والاجتماعيين أسئلة كبيرة للغاية، خصوصًا أن هذه الآفة أصبحت تمس الشباب والمراهقين في السنوات الأخيرة، حتى تجاوزت نسبة المقدمين على الانتحار منهم نسبة المسنين والعجزة وفي فرنسا على سبيل المثال تسجل كل سنة اثنا عشر ألف حالة وفاة بواسطة الانتحار، وهو عدد يفوق مرة ونصف المرة عدد ضحايا حوادث السير، وتضع الإحصائيات حول ظاهرة الانتحار فرنسا في رأس دول أوروبا بعد الدانمرك والنمسا وفنلندا، فكل يوم يحاول ما يقرب من ٤٠٠ فرنسي وضع حد لحياتهم بإرادتهم، ولم تتغير هذه النسبة في السنوات بين ۱۹۸۰م و۱۹۹۹م، ومنذ سنة ١٩٩٠م تضاعف عدد المنتحرين في صفوف المراهقين (١٥- ۱۹سنة)، وازداد ثلاثة أضعاف ونصف في صفوف الشباب بين سني ٢٥ و ٣٤ سنة، وقد دفع شيوع هذه الظاهرة ونموها وزارة الصحة الفرنسية إلى أن يعتبر الانتحار أولوية في برامجها.
أما في ألمانيا فإن ما يقرب من أربعمائة مراهق يغادرون الحياة كل سنة بسبب الانتحار، وتمثل ظاهرة الانتحار لدى المراهقين الذين لا تتجاوز أعمارهم العشرين سنة المرتبة الثانية من أسباب الوفيات بعد حوادث السير، أما عدد المراهقين الذي يحاولون الانتحار ولا يوفقون بسبب تلقيهم الإسعافات أو الإنقاذ، فهو يتجاوز الرقم المذكور ثلاثين مرة، وحسب الإحصائيات الرسمية لوزارة الصحة الألمانية، فقد أقدم 12.888 شخصًا على - الانتحار في عام ۱۹۹٥م وحده، أي أكثر بكثير من ضحايا حوادث السير في تلك السنة، بينهم ٢٨٦ تتراوح أعمارهم بين ١٥ و٢٠ سنة، و٥٢٠ بين ٢٠ و ٢٥ سنة، وكانت الوسيلة الأكثر استعمالًا للانتحار هي الشنق أو القفز من علو شاهق، أو تجرع السم.
ارتفاع مهول
إن عموم الدول الغربية يعيش هذه الآفة التي أصبحت تهددها بالتآكل، وقد أثبتت منظمة الصحة العالمية في تقرير تم تجميعه من مائة دولة وخمس دول أن النسبة السنوية المتوسطة للانتحار ما بين ١٩٥٠ و ۱۹۹٥م، قد زادت من 10.1 إلى ١٦ في كل ألف شخص، بزيادة ٦٠%، وحسب تقرير المنظمة يبقى الانتحار مسؤولًا عن الموت أكثر من النزاعات المسلحة وحوادث السير في الطرقات وسجلت في السنة الماضية وحدها أرقام تثير القلق الأعداد المنتحرين، وهي كما يلي: ٨٧ ألفًا في الهند. 52.500 في روسيا، ٣١ ألفًا في الولايات المتحدة. 12.500 في ألمانيا 11.600 في فرنسا، و ١١ ألفًا في أوكرانيا.
تكلفة الحضارة المادية
وتختلف أسباب الإقدام على الانتحار من فئة إلى أخرى، فقد استخلص بحث قام به المعهد الوطني للصحة والبحث الطبي في فرنسا، أن ٣٣% ممن سبق أن حاولوا الانتحار كانوا يهربون من المنزل، و٥٣% يستهلكون الحبوب المهدئة بإفراط و۷۲% مازوشيون، و٣٦% كانوا ضحايا عنف جسدي و۲۳% ممن تعرضوا إلى عنف جنسي.
وتتركز أسباب الانتحار وسط المراهقين والشباب في الشعور بالعزلة وافتقاد الحياة الأسرية السليمة والعاطفية وعدم الثقة في المستقبل والفراغ والعنف داخل الأسرة، وإدمان الكحول أما فئة المسنين فتعود أسباب الانتحار وسطها إلى العزلة والتقوقع على الذات وفقدان الشريك والمساندة العائلية.
ونجد أكثر الأسباب شيوعًا العزلة التي تكون قاسمًا مشتركًا بين الجميع، بسبب نمط الحياة الغربي الذي ينبني على الفردية المطلقة، وحسب ما ذكر المعهد الفرنسي للإحصاء «انسي» في العام الماضي فإن عدد الفرنسيين الذين يعيشون بمفردهم قد تضاعف بين عامي ١٩٦٨م و ١٩٩٠م. ويعيش ٤٠% من السويديين وسبعة ملايين بريطاني بمفردهم، وهو عدد يبلغ ثلاثة أضعاف ما كان عليه قبل أربعين سنة، ووفقًا لما جاء في تقرير بريطانيا ٢٠١٠، لريتشارد سايكس أستاذ علم السلوك التنظيمي في جامعة كنت، فإن المساكن التي يعيش فيها شخص واحد فقط ستفوق في عددها تلك المساكن التي تقطنها العائلات والأقران خلال عقد من الزمان، وفي أحياء لندن الراقية، فإن نصف البيوت تقريبًا يسكنها أفراد يعيشون وحدهم.
إنها لكلفة باهظة للتقدم المادي والتقني بعيدًا عن القيم الروحية، ونتيجة خطيرة للفلسفة المادية في الحياة وهيمنة العلمانية والإيمان الأعمى بالعقلانية ولا تقتصر هذه الآفة على الناس العاديين، بل تنتشر حتى في صفوف النخبة والمثقفين والفلاسفة، قد بني العديد من المفكرين الأوروبيين مذاهبهم الفلسفية على الانتحار باعتباره دليلًا على حرية الاختيار في الحياة، مثل: الفرنسي البير كامي الذي أدت نظريته هذه إلى انتحار العديد من القراء الشباب الذين تأثروا بها، ووضع العديدون حدًا لحياتهم مثل: آرنست هيمنجواي ونيتشه، وغيرهم الكثيرون، وكان هؤلاء هم أنفسهم الذين بشروا بالقيم الغربية المادية وأخلاق القوة والتقدم والعقل فراحوا ضحية هذه القيم، فهل يستيقظ أبناء جلدتنا الذين يدعوننا صباح مساء إلى التقليد الأعمى للغرب والسير في ركابه؟.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل