العنوان العلامة الموسوعي علي الطنطاوي فقيه الأدباء وأديب الفقهاء
الكاتب المستشار عبدالله العقيل
تاريخ النشر السبت 15-يوليو-2006
مشاهدات 56
نشر في العدد 1710
نشر في الصفحة 40
السبت 15-يوليو-2006
تراجم
من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة (95)
(1327-1420 هـ = 1909-1999م)
يعد من أبرز رموز الدعوة الإسلامية المعاصرة.. وتصدى لمؤامرات أعداء الإسلام وتلامذتهم من العملاء والمأجورين
شملت جهوده ميادين الإصلاح جميعها.. حارب البدع والخرافات والعادات البالية والسلوكيات التي تتنافى مع الإسلام
كانت له وقفة شجاعة ضد الطغيان الناصري بمصر وسخر قلمه للكتابة عن جرائم الدكتاتور.. ودعم الحركة الإسلامية بمصر والشام والعراق
عصام العطار : أعجبت بروحه العربية والإسلامية وحماسته للدين وحربه على الفرنسيين والإنجليز والغزو الثقافي والفكري
زهير الشاويش : امتاز بالمروءة والنخوة.. وكان له أثر كبير في تنشئة الدعاة والأدباء والقضاة والمجاهدين الأمرين بالمعروف والناهين عن المنكر
د. منير الغضبان كانت حياته كلها صدعاً بالحق في عهد الاستعمار والعهد الوطني
هو الأديب العلامة علي بن مصطفى بن محمد الطنطاوي، ولد في مدينة دمشق (١٣٢٧/٥/٢٣هـ. ١٩٠٩/٦/١٢م) في أسرة علم ودين، فأبوه وجده من العلماء المعروفين، ومن جهة أمه فإن خاله هو الأستاذ محب الدين الخطيب الكاتب الإسلامي، والصحافي الشهير، والمؤرخ المعروف.
سيرته العلمية والعملية
درس الطنطاوي الابتدائية والثانوية في مدينة دمشق، وعمل في التعليم الابتدائي، وفي المدارس الأهلية، وفي المدارس الحكومية، وفي الصحافة وارتحل إلى مصر، ودرس في كلية دار العلوم، وكان زميلاً للأستاذ الشهيد سيد قطب، ولكن الطنطاوي لم يتم الدراسة فيها، وعاد إلى دمشق، ودخل معهد الحقوق بدمشق، وتخرج فيه سنة ١٩٣٣م وظل يعمل في سلك التعليم إلى سنة ١٩٣٥م ثم انتقل إلى العراق سنة ١٩٣٦م للتدريس في الثانوية المركزية بغداد، ودار العلوم الشرعية بالأعظمية، ثم في المدرسة الثانوية في كركوك، ثم في ثانوية البصرة، وبقي في العراق إلى سنة ١٩٣٩م ثم عاد إلى دمشق.
وفي سنة ١٩٤١م، التحق بسلك القضاء، حيث عين قاضيًا ثم قاضيًا ممتازًا، ثم مستشاراً لمحكمة النقض في القاهرة أيام الوحدة مع مصر، وقد أسهم في إعداد قانون الأحوال الشخصية، وتعديل قانون الأوقاف، ومناهج المدارس الثانوية. وفي سنة ١٩٦٣م بعد الانقلاب العسكري، وإعلان حالة الطوارئ غادر سورية إلى المملكة العربية السعودية، حيث عمل بكلية الشريعة وكلية اللغة العربية في الرياض، ثم في مكة المكرمة، حيث أمضى بالمملكة العربية السعودية خمسة وثلاثين عامًا، انتهت بوفاته فيها.
وفي هذه الفترة من إقامته في المملكة، درس في كلية التربية بمكة المكرمة، ونهض ببرنامج التوعية الإسلامية، وطاف على الجامعات والمعاهد والمدارس في أنحاء المملكة لإلقاء الدروس والمحاضرات، وتفرغ للفتوى والرد على الأسئلة والاستفتاءات من الناس في الحرم المكي، وفي بيته، ثم بدأ في برنامج إذاعي «مسائل ومشكلات» وبرامج تلفازية «نور وهداية» و«رجال من التاريخ» و«على مائدة الإفطار» «طيلة ربع قرن».
والطنطاوي له برامج إذاعية منذ أوائل الثلاثينيات، في إذاعة الشرق الأدنى التي كانت تبث من «يافاء» وبرامج من إذاعة بغداد سنة ١٩٣٧م وبرامج من إذاعة دمشق سنة ١٩٤٢م، وهو من الكتاب والأدباء الذين أسهموا في أكثر من جريدة ومجلة على مستوى العالم العربي، حيث كانت أول مقالة له سنة ١٩٢٦م في جريدة «المقتبس» ولم ينقطع عن النشر، فكان يكتب في مجلتي «الفتح»، و«الزهراء»، وجرائد «فتى العرب» و«ألف باء» و «الأيام» التي كان مدير تحريرها، وجريدتي «الناقد»و«الشعب» ومجلة «الرسالة» التي رأس تحريرها حين مرض مؤسسها، و«المسلمون» و«حضارة الإسلام»، و«النصر» و«الحج » ، وفي جريدتي «المدينة، و«الشرق الأوسط».
كما شارك في الكثير من المؤتمرات في البلاد العربية والإسلامية وأوروبا، فضلًا عن المحاضرات والندوات والحلقات الدراسية، وهو من أبرز رموز الدعوة الإسلامية المعاصرة، الذين كان لهم الدور الكبير في الدعوة إلى الله، وإصلاح المجتمع، وهداية الناس إلى طريق الحق، والوقوف في وجه المؤامرات التي يحيكها أعداء الإسلام وتلامذتهم من العملاء والمأجورين ضد الإسلام والمسلمين في كل مكان، وبخاصة الاستعمار الفرنسي في سورية والجزائر، والاستعمار الإنجليزي والصهيوني في فلسطين.
وكانت له وقفات شجاعة، وتحديات جسورة، جعلت الكثير من الخصوم ينكمشون ويتضاءلون أمام هذا الداعية الصلب في مقارعة الباطل وأهله، في الوقت الذي كان فيه يتبع أسلوب التشويق الجميل الجذاب لهداية الناس وتقريبهم إلى جادة الصواب، وإعانتهم على الالتزام بمنهج الإسلام عقيدة ونظاماً ومنهج حياة. وكانت جهوده تشمل ميادين الإصلاح في كل جوانبها التشريعية والسياسية والاجتماعية والتربوية والتعليمية والدعوية والفقهية، ومحاربة البدع والخرافات والعادات والتقاليد البالية التي لا يقرها الشرع، والسلوكيات التي تتنافى مع مبادئ الإسلام وقيمه، ويدعو للاعتزاز باللغة العربية لغة القرآن الكريم، ويتصدى لأعدائها.
ومن هنا كان الطنطاوي متعدد الجوانب، غزير العطاء، وافر العلم، يفتحم الميادين، يغوص في عمار المعارك ويلج كل الأبواب؛ ليصل إلى الناس، ويسمعهم كلمة الحق ويعرفهم بدين الإسلام، ويجمعهم على الخير والتعاون والحب في الله، والعمل في مرضاة الله، وقد مُنح جائزة الملك فيصل العالمية سنة ١٩٩٠م.
مؤلفاته
ترك الطنطاوي عدة مؤلفات هي:
۱ - تعريف عام بدين الإسلام.
٢ - صور وخواطر.
٣ - من حديث الناس.
٤ - الجامع الأموي.
٥ - قصص من التاريخ.
٦ - قصص من الحياة.
٧ - أبوبكر الصديق.
٨ - عمر بن الخطاب «جزءان».
٩ - في إندونيسيا.
۱۰ - في بلاد العرب.
١١ - في سبيل الإصلاح.
۱۲ - رسائل سيف الإسلام.
۱۳ - رجال من التاريخ.
١٤ - الهيثميات.
١٥ - هتاف المجد.
١٦ - مباحث إسلامية.
۱۷ - فصول إسلامية.
۱۸ - نفحات من الحرم.
۱۹ - صور من الشرق.
۲۰ - صيد الخاطر لابن الجوزي «تحقيق».
۲۱ - فكر ومباحث.
٢٢ - بشار بن برد.
٢٣ - مع الناس.
٢٤ - رسائل الإصلاح.
٢٥ - مسرحية أبي جهل.
٢٦ - ذكريات علي الطنطاوي «ثمانية أجزاء».
۲۷ - أخبار عمر.
۲۸ - التحليل الأدبي.
٢٩ - من التاريخ الإسلامي.
۳۰ – دمشق.
۳۱ - مقالات في كلمات.
۳۲ - فتاوى علي الطنطاوي.
۳۳ - بغداد .. مشاهدات وذكريات.
٢٤ - حكايات من التاريخ من «أدب الأطفال».
٣٥ - أعلام التاريخ «سلسلة التعريف بأعلام الإسلام» (سبعة أجزاء).
وله العديد من المقالات، وآلاف الأحاديث الإذاعية والتلفازية، والخطب المنبرية، التي تنتظر طلاب الدراسات العليا، ليجمعوها، وينشؤوا عليها دراساتهم ورسائلهم الجامعية.
معرفتي به
كان ابن العم سعود بن عبد العزيز العقيل من تلامذة الأستاذ علي الطنطاوي في ثانوية البصرة، وكان من المعجبين به، وكانت له حظوة عند الأستاذ الطنطاوي. لتميزه باللغة والأدب، وقد حببني الآخ سعود في أستاذه وأنا طالب في الابتدائية، بل كان يعطيني مجلة الرسالة لأقرأها وبخاصة مقالات الطنطاوي رغم مستواي العلمي المتواضع، ولكني مع ذلك تعلقت بالطنطاوي وأحببته، وكنت فيما بعد أحرص على قراءة مقالاته وكتبه، وكذا مؤلفات أستاذه الرافعي الذي أحببته من كل قلبي لغيرته على الإسلام كدين، وعلى المسلمين كأمة، وعلى العربية كلغة، وأصبحت أعتبر نفسي من تلامذة هذه المدرسة التي تضم علي الطنطاوي وسعيد العريان، وعبد المنعم خلاف، ومحمود شاكر، وغيرهم من تلامذة الأستاذ الكبير مصطفى صادق الرافعي.
وكان الأستاذ علي الطنطاوي قريبًا إلى نفسي جدًا، بحكم دعمه للحركة الإسلامية المعاصرة بمصر والشام والعراق، وكتابته عن رجالها، وتعاونه مع العاملين في صفوفها ببلاد الشام، كالدكتور مصطفى السباعي، ومحمد المبارك، وعمر بهاء الدين الأميري وغيرهم.
ولقد كانت له وقفة شجاعة جريئة ضد الطغيان الناصري بمصر الذي حارب الإخوان المسلمين في أرض الكنانة، وسجن الآلاف المؤلفة من رجالهم، وعلق الكثير من قادتهم الأبطال الأفذاذ على أعواد المشائق، وكان يوم الحداد يومًا مشهودًا على هؤلاء الشهداء الأبرار، وفي مقدمتهم الشهداء العظام: عبد القادر عودة، ومحمد فرغلي ويوسف طلعت، وإبراهيم الطيب، وهنداوي دوير، ومحمود عبد اللطيف وغيرهم. فقد سخر قلمه بالكتابة في الصحافة عن جرائم الدكتاتور، وكذا أحاديثه الإذاعية، وخطبه ومحاضراته التي أشاد فيها بحركة الإخوان، ومؤسسيها ودعاتها ومجاهديها
في مصر وسورية والعراق.
وكان الشيخ علي الطنطاوي هو الفارس المجلي، والبطل الشجاع، والرجل المقدام الذي يواجه الصعاب، ويتحدى قوى البغي والطغيان، دون خوف أو وجل، وقد منحه الله عز وجل قوة الحجة، وبلاغة القول، ونصاعة البيان، والذاكرة الحافظة للأحداث والوقائع والتواريخ.
ولقد أكرمني الله بزيارته في مكة المكرمة، حيث كان يسكن بمنطقة العزيزية التي كنت أسكن فيها، أيام كنت أعمل برابطة العالم الإسلامي من سنة ١٩٨٨م إلى سنة ١٩٩٦م، وكذا زيارته في مدينة جدة، بعد أن انتقل إليها سنة ١٩٩٣م حتى وفاته سنة ١٩٩٩م.
وفي كل مرة أزوره في مكة المكرمة، أو في مدينة جدة، كان يسألني عن تلميذه سعود العقيل الذي كان أحد طلابه في ثانوية البصرة، رغم مرور هذه السنين الطويلة.
وكنت أسعد بمجالسته، والأنس بأحاديثه، والاستفادة من فيض علمه العزير في كل شؤون المعرفة، مع الطرافة في الأسلوب، والدعابة في الحديث، والأدب الإسلامي الجم، فضلاً عن برامجه الإذاعية والتلفازية التي عم خيرها الناس جميعًا، داخل المملكة العربية السعودية وخارجها، فكانت الأسر والأفراد والجماعات تترقب مواعيد أحاديثه وتتلهف لسماعها ومشاهدتها، وتقبل عليها إقبال الظمآن على المورد العذب الزلال.
قالوا عنه
يقول العلامة الشيخ يوسف القرضاوي:
«عرفت الشيخ علي الطنطاوي في بواكير شبابي، حين كنت مشغوفًا بالأدب والشعر، منهومًا بقراءة كتب الأدب وتتبع المجلات الأدبية، وعلى رأسها مجلة «الرسالة» وكان الطنطاوي أحد كتابها المحببين لدي، لنزعته الإسلامية، وسلاسة أسلوبه، وعذوبة منطقه، وبراعة تصويره، وقد أشرف سنة ١٩٤٩م على تحرير «الرسالة» حين مرض الأستاذ الزيات. وحين تولى التدريس لمادة الثقافة الإسلامية في كلية التربية بالمملكة العربية السعودية، اختار كتاب «الحلال والحرام في الإسلام» مرجعًا للطلاب في هذا المقرر، دون أن يلقاني، ولكنه سمع بي من زملائه من أهل الشام، مثل الشيخ مصطفى الزرقاء، والشيخ محمد المبارك.
لقد كان الطنطاوي مشغلًا من مشاعل الهداية، ونجمًا من نجوم التنوير، ولسانًا من ألسنة الصدق، وداعية من دعاة الحق والخير والجمال، وكان يجمع في عطائه بين العلم والأدب، أو بين الإقناع والإمتاع، يتجلى هذا فيما سطره براعه من كتب ومقالات، وما فاض به لسانه من خطب ومحاضرات أو دروس وإفتاءات، كان يرتجلها لتوه ولا يكتبها أو يحضرها وحين أصدرت كتابي «الصحوة الإسلامية بين الجمود والتطرف» نوه به وحث على قراءته.
حفظ الشيخ الطنطاوي عشرات بل مئات القصائد من الشعر الجاهلي والشعر الإسلامي والأموي باعتباره الحجة في اللغة.
أيد الوحدة بين مصر وسورية، ولكن حين أصبحت في عهد عبد الناصر خطرًا على الحريات وعلى حقوق الإنسان، وانتشر التجسس، وعاش الناس في رعب السلطة، وغدا المكتب الثاني «المخابرات» هو الذي يحكم البلاد، وقف مع الانفصال، وأيده بقوة، وخطب خطبة تاريخية مشهورة، كان لها صداها الواسع، وتأثيرها البالغ على جماهير الناس».
ويقول الأستاذ عصام العطار:
«سمعت الطنطاوي وسمعت به اول مرة في الجامع الأموي في دمشق يرثي الشيخ بدر الدين الحسني الملقب بالمحدث الأكبر في الشام، وكنت طالبًا بالمدرسة الابتدائية، ثم قرأت له في مجلة «الرسالة» فأعجبت بروحه العربية والإسلامية الصافية، وحماسته الصادقة للدين والفضيلة والمثل العليا، وحربه المستمرة على الفرنسيين والإنجليز، والغزو الثقافي والفكري، وانتصاره للعرب والمسلمين المستضعفين في كل مكان، ودفاعه عن حقوق شعوبنا وأبنائنا المضطهدين أو المستغلين أو المحرومين، وأعجبت بما كان يجلوه على قرائه من صور تاريخنا العربي والإسلامي المشرق التي تبهر العقول وتحرك النفوس وتحفزها إلى رفض الواقع والحاضر الحقير، والسمو بالمطامع والمشاعر بأسلوب جزل سليم جميل».
ويقول الأستاذ زهير الشاويش: «عاش أستاذنا ووالدنا الشيخ على الطنطاوي حياة عريضة طويلة، ذات أبعاد في الأفق، وعمق بجذورها في الأرض، وكان له الأثر الكبير في تنشئة الدعاة والأدباء والقضاة والمجاهدين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وامتاز بالمروءة والنخوة والفضل.
قاد الأمة في وجه الاستعمار الفرنسي في سورية، ودافع عن فلسطين، وحفظ حقها إسلامًا وعروبة فيما قال وكتب، وسافر من أجلها لنصف الدنيا، وشارك في المؤتمرات والاجتماعات لها، وقمع الملحدين في أيامهم الأولى، وفي محيطه الإسلامي، وجابههم في كل مكان، وجمع مسار العلماء والمشايخ في الأوقاف ومساجد دمشق وغيرها، وكان مالئ الدنيا وشاغل الناس طوال حياته، كنا نعد أنفسنا للجهاد في فلسطين، وكان الشيخ الطنطاوي من أكبر من ساعدنا على ذلك مع أستاذنا الشيخ السباعي».
ويقول الدكتور منير محمد الغضبان:
«بالحق فيا كانت حياة الطنطاوي كلها صدعًا بالحق، في العهد الفرنسي والعهد الوطني، لا يخشى زعيمًا ولا كبيرًا ولا رئيسًا، يثني إن كان الثناء لازمًا في موقف معين، وينتقد بعنف حين تنتهك حرمات الله فلا يقوم له شيء، فوزارة الثقافة والإرشاد القومي عنده وزارة السخافة والإفساد القومي، يهاجم الدولة، وخطبته تنقل على الهواء من مسجد الجامعة، لقد كان الطنطاوي يغذي فينا عنصر الثورة للإسلام، والاعتزاز به، والاستعداد للتضحية في سبيله، ونحن نراه القدوة أمامنا على منبر الجامعة، يخاطب الوزراء والرؤساء، فنقول: لن يخرج إلا إلى السجن أو الموت، في الوقت الذي كانت فيه الدبابات تجوب الشوارع والعسكر يمسكون بخناق الناس، وما غادر سورية إلا وقال كلمة الحق مجلجة على منير الجامعة، في الحزب العلماني، والنظام المتخلي عن الإسلام، فكانت كلمة الحق عند السلطان الجائر، وكان قوالًا للحق صدّاعًا به، ولو كان يودي بحياته».
ويقول الشاعر أحمد محمد الصديق في رثاء عالم الأدباء وأديب العلماء الشيخ علي الطنطاوي عليه رحمة الله في قصيدة بعنوان: « بشائر الفوز »
شدًا بفضلك أهل العلم والأدب.
فاظفر بما شئت في الفردوس من رتب
أودعت كل عصارات النهي دورًا
يشع لآلاؤها العلوي في الكتب
إذا تحدثت ناجيت القلوب فما
في الحاضرين فؤاد غير منجذب
وإن كتبت فحيات منضدة
من مسجد.. وفرقت كالسلسل العذب
أقمتها حججًا للدين دامغة
بها يضيق ذوو البهتان والريب
وتقبس النور من ينبوعه عبرًا
تجلو الحقائق في أثوابها القشب
كأنها من رؤى الأسلاف بارقة
تهدي إلى الرشد.. تأسو الجرح عن كثب
لله درك.. والتاريخ حافلة
يداه تزخر بالأمجاد.. والنوب
وكم نسجت لنا من خيطه قصصًا
محبوكة مثل حبك الدر بالذهب
نعيش أحداثه الكبرى.. تخالطنا
شخوصه كاختلاط اللحم بالعصب
أتاك ربك فقها زانه أدب
وحكمة نلت منها غاية الأرب
طلاوة الحرف تجري منك في نسق
مذاقه الشهد يشفي الروح من عطب
كأنه من نسيم الشام تنفحه
من عطرها بردي يانة السحب
نشأت صلبًا على التوحيد ملتزمًا
كالسيف.. نكره طيش اللغو واللعب
ولا تهادن طغيانًا ولا بدعًا
لا يخيفك سوط الظلم والرهب
والذكريات التي سطرتها نهضت
شهادة عبر أشتات من الحقب
رويتها بلسان الصدق خالدة
عبر المدى.. نزفت مشبوبة اللهب
يلقى الشباب بها في شخصكم مثلًا
يقفو خطاه إلى الإصلاح في خيب
وللقضاء.. وقد وليته زمنًا
عهد الوفاء وثيق غير منقضب
جميع همك للإسلام تحمله
عبئًا ثقيلًا من الآلام والتعب
وقد تجشمت فيه ما ينوه به
طود..وآن بلوغ المنزل الرحب
من أقواله
كتب مقالة رائعة بعنوان: «نحن المسلمين» جاء فيها:
سلوا عن ديار الشام ورياضها، والعراق وسوادها، والأندلس وأرباضها.
سلوا مصر وواديها، سلوا الجزيرة وفيافيها، سلوا الدنيا ومن فيها.
سلوا بطاح إفريقية، وربوع العجم، وسفوح القفقاس.
سلوا خفافي الكنج، وظاف اللورا، ووادي الدانوب.
سلوا عنا كل أرض في «الأرض» وكل حي تحت السماء
إن عندهم جميعًا خيرًا، من بطولاتنا وتضحياتنا ومآثرنا ومفاخرنا وعلومنا وفنوان. نحن المسلمين !!
هل روى رياض المجد إلا دماؤنا!
هل زانت جنات البطولة إلا أجساد شهدائنا!
هل عرفت الدنيا أنبل منا وأكرم،
أو أراف أو أرحم، أو أجل أو أعظم، أو أرقى أو أعلم!
نحن حملنا المنار الهادي، والأرض تتيه في ليل الجهل وقلنا لأهلها: هذا الطريق! نحن نصبنا موازين العدل يوم رفعت كل امة عصا الطغيان.
نحن بنينا للعلم دارًا يأوي إليها حين شرده الناس عن داره.
نحن أعلنا المساواة يوم كان البشر يعبدون ملوكهم ويؤلهون سادتهم.
نحن أحيينا القلوب بالإيمان، والعقول بالعلم، والناس كلهم بالحرية والحضارة.
نحن المسلمين!!
قوتنا بإيماننا، وعزُّنا بديننا، وثقتنا بربنا.
قانوننا قرآننا وإمامنا نبينا، وأميرنا خادمنا.
وضعيفنا المحق قوي فينا، وقوينا عون لضعيفنا.
وكلنا إخوان في الله، سواء أمام الدين.
نحن المسلمين!
نماذج من شعره
«اذكروا الأقصى»
المرأة الشلاء تحمي بيتها
أنبيح بيت الخالق المعبود؟
هو حصن حق غاب عنه حماته
هو قلعة لكن بغير جنود
لا العطر والند المصفى طيبه
لكن رياه شذى البارود
يصلى المصلي النار في جنباته
والمسلمون بنومة وهجود
أينام من تقري المدافع سمعه
صوت يزلزل قنة الجلمود
أينام من يمشي اللهيب بداره
يشوي حميم لظاه رمل البيد
«لبيك.. لبيك»
لبيك ربي قد أتيتك تائيبًا
أيرد محتاج أتى يتضرع؟
لبيك جد بالعفو عني ليس لي
أمل بغير العفو منك ومطمع
لبيك ربي المسلمون تفرقوا
من ذا يوحدهم سواك ويجمع
«عودوا»
عودوا إلى النهج القديم فإن هذا العود أحمد
عودوا يعد مجد الجدود ويوم بدر يتجدد
وتروا صلاح الدين عاد ويوم حطين الممجد
وفاته
في مساء يوم الجمعة الثامن عشر من شهر يونيو (١٩٩٩/٦/۱۸م) انتقل إلى رحمة الله تعالى، وهو في مستشفى الملك فهد في جدة، وقد صلي عليه في الحرم المكي الشريف، ثم دفن في مكة المكرمة وكان قد بلغ الخامسة والتسعين من عمره. رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، مع النبيين والصديقين، والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .
تنبيه
هذه الحلقات خواطر من الذاكرة قد يعروها النقص والنسيان، لذا أرجو من إخواني القراء إمدادي بأي إضافة أو تعديل لتداركه قبل نشرها في كتاب مستقل وعنواني ص.ب. ٩٣٦٥- الرياض ١١٦٨٣.
ورد خطأ في ترقيم حلقة العدد الماضي حيث نشرت برقم (٩٥) والصواب أنه (٩٤)
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل