العنوان إنقاذ الأمة لا يأتي من خارجها
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 14-نوفمبر-2009
مشاهدات 56
نشر في العدد 1877
نشر في الصفحة 39
السبت 14-نوفمبر-2009
إن عدم التفكير في طرق لإنقاذ الأمة اليوم من محنها جريمة قومية، والقعود عن دفع الأعداء، وتحريك الهمم للخروج من الأزمة المحيطة بها خيانة عظمى والتهوين للأخطار والحوادث التي تعصف بمجتمعاتنا كارثة يجب الحذر منها، واللعب على معاناة الناس وآلامهم جنون معروف العواقب محسوب النتائج يجب الابتعاد عنه، والأمة اليوم تحتاج إلى كل عقل وكل ساعد وكل عزم وهمة كما تحتاج إلى الإخلاص والجد والفاعلية وينقصها التفكير السليم، والتنظيم الدقيق والإستراتيجية الواضحة لرؤية الواقع ومعرفة الحاضر، واكتشاف المستقبل تحتاج إلى تفعيل لدور الشباب تفعيلا صحيحا وحقيقيا وجديا بما يوافق طبيعة الدور الذي يجب أن يقوم به فدور الشباب في أمة أو دولة متخلفة غيره في أمة رائدة، ودوره في أمة تحت النفوذ الأجنبي غيره في أمة حرة مؤثرة، ودور الشباب في أمة فقيرة الموارد أو المواهب غيره في أمة ثرية بالموارد والمواهب ودوره في أمة تكنولوجية غيره في أمة أمية من دول العالم الثالث، ودوره في أمة استشرى فيها الطغيان الداخلي ولو كان باسم الحرية أو الشعارات المختلفة، أو ازدادت فيها وسائل الظلم باسم العدل وباسم الشعب، غيره في الأمة الدستورية، أو دولة المؤسسات، ودوره في دولة منتجة فاعلة غيره في دولة الديون والمساعدات والقروض، أي فأدوار الشباب في الأمم تختلف بالنسبة إلى اختلافها، وتتنوع بالنظر إلى تنوعها.
فالشباب في الأمم المهزومة صناعيًا وسياسيا واقتصاديا غيره في أمة وطيدة الأركان، صحيحة البنيان في كل شأن وأمر لا يسمح نظامها ولا دستورها ولا رعاياها بالتخلف أو بنمو الطغيان فيها أو العدوان على القيم والسيادة على أراضيها، كما أن دور الشباب في القرن الـ ٢١ يختلف عن دوره في القرن الـ ٢٠، كل ذلك لا يفهم فهمًا صحيحًا، ولا يدرك إدراكًا فاعلًا إلا بنظر وبصيرة متخصصة ومخلصة ودؤوبة تعلم بجد، وتعمل بعزم، وتقود بكفاءة، كما أن دور التعليم وأساليبه ومناهجه تختلف كذلك في الأمم الناهضة والرائدة عنه في الأمم غير الناهضة أو المتخلفة، كما أن إستراتيجيات الأمم تختلف كذلك تبعا لأحوالها، ويدخل فيها حسابات كثيرة، لابد لها من معالجتها وتخطيها:
1- يدخل فيها حجم التمزق الواقع في الأمة اليوم من دول متناحرة، وأفكار متضاربة ومصالح متشابكة، وسلطات متنافرة، وواقعيات اجتماعية واقتصادية متباينة.
2- يدخل فيها أنواع الاستبداد المختلفة استبداد القوانين واستبداد العادات، واستبداد السلطات، كل ذلك ناءت تحته الشخصية الشرقية المسلمة، وتضعضعت وانكبتت أفكارًا وشخصية وموهبة.
3- يدخل في ذلك المؤثرات الخارجية والضغوط العدائية والاستعمارية التي ألغت القرار القومي، وكرست التبعية، وتناست المصالح، والأهداف والغايات، وقادت الأمة إلى السلبية والاتكالية.
ولا أريد أن أناقش هذا الأمر تفصيلًا، أمر التحديات التي تواجه الأمة اليوم والبرامج اللازمة لذلك، وإنما أحب أن أقول إن الحلول مهما كانت لابد أن تنبع من الأمة، وأن تتعود الأمة الاعتماد الحقيقي على النفس، وهذا ما قصده أبو الفرج الجوزي حينما قال: ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه، ودرك وقته، فلا يضيع لحظة من غير فائدة، ويقدم الأفضل فالأفضل في القول والعمل ، وفي عصور التقهقر والرغبة في النهضة، وفي زمن الغطرسة الأجنبية على الأمة، وفي زمن الهجمة الثقافية الشرسة على شعوبنا وفي الزمن الذي يفكر فيه العالم بتحويل الكواكب إلى بيئات مناسبة للحياة البشرية ينبغي أن ندرك المعنى الذي ردده ابن تيمية حين قال: إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات، والآن لم يقتصر الوضع على هذا، فتدرج إلى هجمة عسكرية يخوضها البعض أصالة عن نفسه، ووكالة عن قوى معينة تريد ذلك، وتسعى إليه، وتدبر له إذن فالهجوم على الأمة والذي يشنه أعداؤها سواء بواسطتهم أو بالوكالة يتخذ أشكالا متعددة من المقاومة الأيديولوجية إلى المقاومة الثقافية إلى المقاومة القتالية، وهذا تعتبره الثقافة الغربية للأسف حقا مشروعا الحماية مصالحها ، ولدوام السيطرة على الأمم الضعيفة التي تسميها هزءا بالصديقة.
كل هذا وهناك عدو مغتصب يريد أن ينقض على الأمة، وهو إسرائيل »، ينقض على الأمة عسكريا واقتصاديا بكل شيء، بالقنابل النووية، وبالطائرات الحربية، وبالصواريخ وبكل آلات القتال الحديثة التي استعدت بها وبينت عدوانها، وأعدت جندها من زمن.
إن إنقاذ الأمة من هذه الكوارث غير الطبيعية يقتضي رجوعا إلى الذات، ويحتاج إلى صحوة ترد الأمة، ويقظة تأخذ بيدها وتدافع عنها ، فواجب كل منا أن يتقدم ليحمل ولا يحتقر نفسه، أو يمنع جهده أو يحجز عزمه، وكم من أمم قد تعرضت لحوادث الزمن بما هدد كيانها، وصدع بنيانها، وأمكن الداء منها فبدت هزيلة ضعيفة، ونال منها عدوها وتنافس الطامعون عليها ، فقام أبناؤها، وتولى المخلصون فيها إنقاذها، وكشف الغمة عنها.
فأول خطوات الإنقاذ الثقة التي تقهر اليأس، والخبير الذي يعرف الداء، والنطاسي الذي يتولى العلاج، والصبر الذي يحقق الغاية حتى يتم الشفاء، ويذهب الداء. وأظننا سنفعل ذلك إن شاء الله..